العمال والفلاحون ملح الأرض

 

سامى شرف

 

 

فى المقال السابق بمناسبة حلول الذكرى الـ (66) لثورة 23 يوليو، ألقيت الضوء على دور الثورة فى بناء ودعم الطبقة المتوسطة المصرية، وحرصها على تعظيم حجمها وتمكينها من مقدرات الوطن. وعقب نشر المقال فوجئت بعشرات الرسائل والاتصالات من قبل أخوتى وأبنائى العمال والفلاحين، يعتبون على أشد العتاب بأننى نسيتهم، وأغفلت دورهم وعلاقتهم بثورة 23 يوليو.

كيف لى أو لغيرى أن ينسى أو يغفل عن العمال والفلاحين؛ هم الجذور الحقيقية، والمادة الخام للشعب المصري، هم ملح هذه الأرض، بسواعدهم قامت الدولة المصرية منذ آلاف السنين، وبكفاحهم بقيت، وبجهدهم وتضحياتهم تنهض وتستمر. لقد أدرك قائد ثورة يوليو الزعيم جمال عبد الناصر هذه الحقيقة مبكرا، ولهذا كان القضاء على الإقطاع، والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم؛ هما الهدف الثانى والثالث المعلن من أهداف الثورة، وظل الرئيس عبد الناصر طيلة حياته يعمل من أجل العمال والفلاحين، فى إطار منظومة العدالة الاجتماعية، التى هدفت إلى رفع مستوى معيشتهم نحو حياة حرة كريمة. ويعبر الرئيس جمال عبد الناصر فى أكثر من مناسبة عن انحيازه الحقيقي، وإيمانه بقيمة العامل والفلاح فى عيد العمال بالمحلة الكبرى فى الأول من مايو 1966خطب قائلاً: الشعب العامل هو المجتمع الذى تتكافأ فيه الفرص للجميع، التعليم للجميع والمجانية للجميع، كل واحد حسب جهده، وكل واحد حسب عمله، وكل واحد حسب اندفاعه من أجل خدمة وطنه. الشعب العامل. الشعب المتحرر من كل المستغلين، الشعب العامل، هو مجتمع الأسياد، لا مجتمع السادة والعبيد. كل واحد سيد فى بلده، العامل لا يشعر أنه عبد للآلة ولا يشعر أنه عبد لرأس المال، العامل لا يشعر أن جهده يأخذ منه القليل علشان بالكاد يقدر يعيش، وباقى جهد عمله يروح للرأسمالى أو للاحتكاري، علشان يجمع الملايين وعلشان يستثمر من جديد ليجمع من جديد الملايين. الشعب العامل، هو أن نحرر الفلاح من الإقطاع وكل فلاح يشعر إنه سيد نفسه لا يتحكم فيه إنسان، كل فلاح سواء كان عاملا زراعيا، أو مالكا صغيرا يشعر إنه سيد نفسه، ولا يتحكم فيه إقطاع.. مجتمع الشعب العامل هو أن نتخلص من المجتمع الإقطاعي، أو المجتمع الرأسمالي، ثم نقيم المجتمع الاشتراكي.

وفى خطابه أمام مؤتمر الاتحاد العام للعمال بحلوان فى 3 مارس 1968 يقول: العمال والفلاحون بالذات هما القوتان الأساسيتان فى التحالف الذى يضم معهما قوى المثقفين والجنود والرأسمالية الوطنية، الفلاحون والعمال كقوتين من قوى التحالف الوطنى لهما وضع هام، ولا أقول إن لهما وضعاً خاصاً؛ لأن ذلك قد يعطى معنى التمايز والتفرقة، الفلاحون والعمال وضعهما الهام يجئ أولاً من حجمهما الأضخم فى التحالف الديمقراطى لقوى الشعب العاملة، ثم يجئ ثانياً من المصلحة المباشرة فى الثورة، والتطوير الشامل الذى تستهدفه الثورة، وفى الحقيقة أنه بدون فلاحين وبدون عمال لا تكون هناك ثورة، ولا يكون هناك نظام ثوري، وإنما الثورة والنظام الثورى كل منهما يفقد مبرر وجوده.

بدون فلاحين وبدون عمال لا تكون هناك ثورة، ولا يكون هناك نظام ثوري، هل هناك أكثر من هذا تعبيرا عن مكانة العمال والفلاحين فى عقل وفكر قائد الثورة، ولن أتكلم هنا عن قوانين الإصلاح الزراعي، أو برنامج الصناعة المصرى وخطط التنمية الخمسية، أو ترسانة القوانين التى أعادت للعمال والفلاحين كثير من حقوقهم المهدرة، وارتقت بمستوى معيشتهم، وأمنت مستقبلهم، وصانت كرامتهم، فقد كتب عن هذا الكثير، ولكنى سأكتفى هنا بذكر أثرها على البناء الطبقى فى الدولة المصرية؛ فالآثار الايجابية الكبيرة لها وهذا كان مقصودا هو فتح الباب على مصراعيه لفئتى العمال والفلاحين ولأبنائهم للترقى فى سلم البناء الاجتماعى لينتقلوا من طبقة الفقراء إلى الطبقة الوسطي، لتتسع مساحة الأخيرة، وتتدعم، وتقوى بهؤلاء، فصار ابن العامل والفلاح مهندسا وطبيبا وأستاذ جامعة، وشرط وضابط جيش، ومدرسا، وأصبح منهم كبار البيروقراطيين فى الدولة، والمحافظين والوزراء إلخ، وعلى أكتاف هؤلاء استطاعت الثورة أن تنجز مشروع نهضة وطنى مصري.. قومى عروبي، وفى أقل من (18) عاما صارت مصر قوة تتخطى إقليمها؛ لتصبح رقما صعبا وعنصرا فاعلا على مسرح العلاقات الدولية، وإحدى القوى الثلاث التى سعت لإعادة صياغة النظام الدولى من خلال حركة عدم الانحياز؛ بالإضافة إلى أنها حققت نموذجا تنمويا أشادت به كافة المؤسسات الدولية، وصار مثالا يحتذى فى كثير من التجارب التنموية عبر العالم.

كان مشروع الثورة، الذى عبر عنه قائدها على وعى بأن فئتى العمال والفلاحين هما قاعدتا ارتكاز الطبقة الوسطى المصرية؛ كلما تحسن وضعهما المادى والاجتماعى نمت وتوسعت تلك الطبقة، وكان ذلك مؤشرا جيدا على السلم الاجتماعى والاستقرار فى المجتمع، والعكس كلما تقلصت الطبقة الوسطي، على حساب ازدياد حجم العمال والفلاحين كان ذلك مؤشرا على عدم الاستقرار وتهديد السلم الاجتماعي.