كيف تدفع روسيا ثمن انقيادها للصهيونية

عبد الحق العاني

 

 

ليس سراً اني أعتقد أن أكثر الساسة الروس في وزراة الخارجية بشكل خاص ممن لهم رأي مؤثر في سياسة بوتن الخارجية هم إما صهاينة أو أصدقاء لإسرائيل. وسبب هذا يعود إلى أن أغلب هؤلاء، برغم أنهم كانوا جميعاً أعضاء في الحزب الشيوعي السوفياتي، كانوا قد عملوا في الغرب وتلوثوا بداء الصهيونية المغري بأشكاله المختلفة. وهذا موضوع ليس هذا مكانه لكني وجدت أن أقدم له حتى يتبين لاحقاً سبب ما أشرت اليه في عنوان هذا المقال.

قام العراق بعد جولته الحمقاء في التورط في الكويت، وهو التورط الذي لم يحسب له أي حساب، بتنفيذ كل ما فرض عليه إما ظناً عن جهالة، وإما طمعاً في تودد، أو بسبب وعود فارغة، أن الصهيونية العالمية ستكف يدها وتعطيه فرصة أخرى.

لذا فإنه نزع كل سلاحه وكشف عن نفسه عارياً أمام عالم مجنون بجنون القوة والجبروت. لكن هذا لم ينفع فقد نجحت الصهيونية في اقناع العالم أن قواعد العدل قد تغيرت حيث لم يعد على موجه الإتهام أن يثبت الجريمة بل أصبح على المتهم أن يثبت براءته. وهو ولا شك طلب المستحيل إذ كيف يمكن اثبات العدم.

وهكذا كان، وظل العراق يؤكد في مناسبة وغير مناسبة أنه لا يمتلك أسلحة دمار شامل وجاء مفتشوهم وفتشوا كل شيء حتى غرفة نوم صدام حسين. الا أن هذا لم يكف فقد ظل العراق مداناً لأنه لم يثبت براءته.

وليس غريباً أن تفعل الصهيونية ذلك فهي اعتادت أن تكتب التأريخ كما تشاء. وهكذا فعلت منذ خمسمائة عام حين وطأت القارة الجديدة الإكتشاف وبدأت بالقتل الممنهج لأهلها حتى أصبحت تتحدث اليوم، والعالم يرتضي ما تقوله، بأنها تمثل قاعدة الحرية والعدالة في العالم. ولم أسمع رئيساً واحداً في العالم يسأل، زعيمة العالم الحر كما تسمى اليوم، عن مئات الملايين الذي قتلوا صبراً في القارة. ليس غريباً هذا على الصهيونية العالمية المتمثلة اليوم بالأنكلو ساكسون (وهم شعوب الدول التي تتكلم الإنكليزية من أمريكا وبريطانيا وكندا واستراليا ونيو زيلنده). لكن الغريب أن يمضي الآخرون معها في ما تريد.

فروسيا، على سبيل المثال، كانت تعلم جيداً أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل. لكنها مع ذلك قررت، بناء على نصح المستشارين الذين كانوا يعتقدون أن لروسيا مصالح أكبر في مسايرة الصهيونية، من أن تتخذ موقفت مبدأيا عادلا في حماية شعب مثل العراق. فهي لم تعترض على أي قرار بحق العراق صدر عن مجلس الأمن منذ عام 1990 حتى اليوم وإن كان بوتين يختلف عن يلتسين. وكلها قرارات كتبها الصهاينة حتى أن بريمر أشار في بيانه الأول عن تنصيب نفسه حاكماً للعراق يوم 16 أيار 2003 إلى قرار مجلس الأمن رقم 1483 برغم أن ذلك القرار لم يصدر إلا يوم 22 أيار 2003.

ولعل من أكثر القرارت أهمية قراري 687 لعام 1991 في فرض حصار الإبادة الكامل والذي أنهى العراق انسانياً وسياسياً واقتصادياً، وقرار 1441 لعام 2002 والذي استعمل أداة لتسويغ الحرب.

ولن أدخل في حوار افتراضي عما كان سيحدث لو أن روسيا صوتت ضد أي من القرارين بسبب موقف مبدأي عنوانه عدم جواز قتل شعب لأي سبب كان. فهذا ضرب من الخيال والخوض فيه لا يقود لنتيجة.

لكن المهم أن روسيا التي ارتضت قاعدة الزام المتهم اثبات برائته تدفع اليوم ثمن ذلك الإستسلام. فهي متهمة بانها قامت باستعمال سلاح كيمياوي ضد المواطنين الروسيين سيرغي سكربال وابنته يوليا. وقد قررت كل من بريطانيا وأمريكا، ووافقهم رعيل البهائم من بولنديين واستراليين ومن على شاكلتهم، أن روسيا مدانة وعليها أن تثبت أنها لم تفعل.

ولست مهتماً كثيرا ما إذا كانت روسيا قد فعلت ذلك أم لم تفعل فكل شيء جائز في عالم الجاسوسية. فهل من المعقول ان المخابرات الأمريكية أو البريطانية لم تقتل أحداً من خصومها في يوم ما؟ لكن المهم هو أن روسيا تجد نفسها في موضع العراق بين عامي 1991 و 2003.

وليس لديها من تلوم سوى نفسها. فالذي ارتضته للعراق تجد أنها تواجهه ويرتضيه كل الذين يسميهم "لافروف" في كل مناسبة بأنهم "شركاؤنا".

لا بد أن بوتين سوف يسأل اليوم مستشاريه في الخارجية "ما العمل" بعد قرار الخارجية الأميركية فرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب استعمالها سلاحاً كيمياوياً ضد مواطنيها.

وهكذا تدفع روسيا ثمن مسايرتها للصهيونية!

عبد الحق العاني

9 آب 2018