عبقرية الشر المتحكمة في حاضر مصر ومستقبلها

محمد عبد الحكم دياب

 

 

بوادر توترات اجتماعية وحياتية أطلت برأسها، وفرضت نفسها على مجمل المشهد الوطني المصري.. حيث أصبحت سرعة انهيار مستويات المعيشة ظاهرة مستفحلة لا تجد من يلجمها، واستمرت الأذرع الإعلامية والصحافية الرسمية وشبه الرسمية في تبرير الانهيار بضرورته، مع تجرع السم لشفاء مرض عضال، قد يودي بحياة المريض نفسه، وتتبرأ هذه الأذرع من مسؤوليتها عن حدوث الانهيار واستفحاله.. ورغم كل المؤشرات والدلائل الواضحة على الفشل الذريع للإدارة الاقتصادية، وهي في حقيقتها غير موجودة، وإذا ما غابت السياسة فما هو مبرر حضور الاقتصاد؟.. ومصر بَعُدت عن السياسة مسافة تقاس بالسنين الضوئية.. وما يجري فيها لا يَمت بصلة للاقتصاد.. وعلى ماذا يستند المشير في إدارة أمور رئاسته؟ ومن الواضح أنه ما زال معتمدا على العمل البوليسي، وفهلوة السمسرة، وجشع المقاولات، واستغلال التجارة، وهذا المعادلة المشينة عززت نهج التأديب والانتقام والتضييق الذي استنه المشير لنفسه منذ يومه الأول في الحكم.

ولا شك أنها معادلة أظهرت ما يمكن وصفه بـعبقرية الشر، التي تتولى تعقيد سبل الحياة وتضاعف معاناة المواطنين؛ وتشهر سلاح الاصلاح الاقتصادي في وجه الجميع، وتروعهم وتستولي على قوتهم وتصادر ما في جيوب الطبقات الوسطى ومحدودة الدخل والفقيرة، فتتجرع سم الاصلاح وحدها، بدلا من دواء حقيقي متاح لدى العلماء والمفكرين والخبراء، ولا يوصف هذا إلا بـإصلاح قاتل، فالعالم؛ بأغنيائه وفقرائه يواجه دوما مشاكل وأزمات.. وتكون مهمة العقول الذكية، والهمم الناهضة، والعزائم القوية البحث عن حلول مناسبة للمشاكل وتخفيف وطأة الأزمات.. ويبدو أنه كما استسهل السادات إعلان تبعيته السافرة والمباشرة لواشنطن بادعاء إمتلاكها لـ99٪ من أوراق اللعب، فـالمشير تجاوز الحدود.. وعزز التبعية بالتجويع والإذلال والموت البطيء، وتبديد الثروات والموارد، وزاد عليها صهينة الحكم

والاصلاح القاتل صار جالبا للشر في زمن غياب السياسة، والاعتماد على الجرعات القاتلة، التي يُرغم المواطن على تناولها؛ غلاء يتفاقم، وعملة تنهار، وثروات تُهرب وتضخم قضى على أمل الادخار، واستقر الفقر في البيوت بمعدلات فاقت الحدود.. وعاد الحنين لـعصر الحفاء الملكي، وعاد معه الاشتياق لعودته؛ ونظم هؤلاء المشتاقون أنفسهم، وكونوا جماعاتهم، وحشدوا أنصارهم، وأطلقوا دُعاتهم، وفرقهم الألكترونية، واللافت أن المشتاقين لعودة عصر الحفاء الملكي شباب، وكثير منهم انخرط في مؤتمرات البرنامج الرئاسي لإعداد الشباب، ويتهيأون الآن لمعركة انتخابات المحليات، ولغزو الجهاز الحكومي.. ولكونهم على دين ملوكهم فبعد أن أنجزوا مهمة شيطنة ثورة يناير، فمهمتم الحالية شيطنة كل عمل وطني وأي حراك معارض، وكثير منهم يفضل الأعمال الريعية غير الإنتاجية، وأغلب دخولهم مجهولة المصدر، ولهم باع في السمسرة وغسل الأموال وتجارة الممنوعات، وقد جُبِلوا على العداء للإنتاج والمنتجين، ويعدون من روافض الاعتماد على النفس والاكتفاء الذاتي، وعملهم الأساسي هو الاستيراد.

والإصلاح القاتل يحيط بالمواطن صباح مساء، في مناخ انتشر فيه سعار جمع المال من أي مصدر.. واتخذوا من مسؤولي الدولة الفاسدين مثلا وقدوة.. وهم لا يكترثون لحياة المواطن، ولا مشروعية عمله في كسب قوته، ولا تعليمه أو علاجه، وزادوا في فرض الإتاوات والجبايات، وعلى من يدفع ألا يسأل، وارتفعت أسعار السلع والخدمات، والمشير أعلنها صريحة عايز حاجة لازم تدفع، أنا ما عنديش حاجة ببلاش. والسؤال أين ذهبت كل تلك الأموال وفيما صرفت؟.. وإذا كانت الحجة حماية الدولة من السقوط.. فإن ما يسقط الدولة هو الفساد والجباية، وأعمال أولئك الذين يمتصون عرق ودماء المواطنين، ويرقصون على أجسادهم الذبيحة.

والعاجزون يقلبون دوما في دفاتر التبرير.. وتصرفات المشير وإجراءاته هي التي تدفع بشدة نحو سقوط الدولة السريع؛ وعليه ألا ينسى أنه أفقدها مناعتها التاريخية والراسخة، والدلائل واضحة للعيان.. وأهمها الإفقار الممنهج، ومأزق الديون، وأخطار شروط مؤسسات الدمار الاقتصادي الشامل.

وقف ونستون تشرشل يوما بعد تعيينه رئيسا لوزراء بريطانيا، وكانت امبراطورية لا تغيب عنها الشمس؛ وقف أمام البرلمان وألقى خطابا تاريخيا وجحافل النازيين على أبواب بلده، ونجحت في غزو عدد من دول أوروبا والعالم، ومنها فرنسا؛ الغريم التاريخي لبريطانيا؛ قال: ليس عندي ما أقدّمه للشعب البريطاني غير العرق والدمّ والدموع.. وتُوِّج ربّان لقيادة سفينة بريطانيا إلى النصر، وألهب مشاعر البريطانيين ورفع من معنوياتهم. أما المشير فلا تمر لحظة دون توجيه الإهانات المفرطة ضد المواطنين.

وإذا كان تشرشل قاد شعبه إلى النصر على النازية.. وإذا قاد ديغول حركة تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، فماذا فعل المشير؟ غير إذلال المواطن وإهماله والاهتمام بمقاولي العاصمة الجديدة، وهو الذي لم يبن مصنعا واحدا.. ومعركة المياه؛ معركة حياة أو موت؛ صارت سرا حربيا لا يعلم أحد عنه شيئا.. أما معارك الداخل ضد الشباب وأصحاب الرأي والمثقفين والطبقة الوسطى والفلاحين والعمال وصغار الكسبة والحرفيين والتجار الوطنيين، بعد أن انتهى عصر الرأسمالية الوطنية وحل محله عصر الاحتكارات الصهيو غربية، المهيمنة وتمكنها على نار الكويز الهادئة، وهذه معركة شاملة لا يعلم أحد متى تنتهي؟..

ويعلم المشير أن المؤسسات المالية الصهيو غربية (الدولية) ليست مؤسسات خيرية، بل هي احتكارات تتاجر في الدم وتنهب الثروات، وتدمر العمران، وتشعل الحروب، ونموذج ما يجري في القارة العربية، خاصة في فلسطين وسوريا واليمن والعراق وليبيا، خير شاهد، ولو أخذنا المصرف (البنك) الدولي للإنشاء والتعمير مثلا.. فنجده قد تكون من مجموعة مؤسسات مالية؛ تسهر على تحقيق أهدافه، ووصلت عضويته إلى 185 دولة؛ يشرف عليه مجلس محافظين، ويدار بمجلس إدارة مقره واشنطن، وعضويته مشروطة بالحصول على عضوية صندوق النقد الدولي وتتحدد القوة التصويتية للدولة العضو تبعا لحصتها في رأس مال المؤسستين، وتتحدد الحصة اعتمادا على المكانة الاقتصادية قياسا إلى الدول الأخرى، ولكي تصبح أي دولة عضوا في المصرف (البنك) الدولي عليها أن تنضم أولا لـصندوق النقد الدولي، ثم مؤسسة التنمية الدولية ومؤسسة التمويل الدولي، وأنشئت مع الصندوق في مؤتمر بريتون وودز بالولايات المتحدة في تموز/يوليو عام 1944

تكرس السياسة المالية المتبعة من قِبَل المصرف (البنك) الدولي؛ بشأن القروض المقدمة لدول العالم الثالث؛ تكرس التبعية، وتفرض القيود والشروط على الدول المقْتَرِضة، وتلزمها بتعليمات البنك في التعامل مع هذه القروض وإمكانية الحصول عليها، وتفرض الأطراف المُقْرِضة شروطا وبرامج تعمق هذه التبعية، وهي شروط ومعايير تُحدد مسبقا من قبل المصرف (البنك) الدولي، وتصبح القروض معلقة على تطبيق الشروط والمعايير، ومع ذلك يصر المشير على تقديم مصر بمثابة رهن لدى صندوق النقد الدولي لضمان التسديد، ويعلم الله كيف ومتى ينتهي هذا الضمان