في نقد الخطاب العربي الراهن لسمير أمين الإسلاميون والقوميون العرب يدورون في فلك الرأسمالية ويروّجون لخطابها

محمد عبد الرحيم

 

 

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وضمن سلسلة العلوم الاجتماعية، صدر كتاب في نقد الخطاب العربي الراهن للمفكر والاقتصادي سمير أمين، في 143 صفحة من القطع المتوسط.

وإن كان الكتاب بهذا العدد القليل من الصفحات إلا أنه ــ ككتابات أمين ــ يعد بحثاً شاملاً ودقيقاً لإعادة تصحيح المفاهيم، ومناقشة الخطابات السائدة وضبط العديد من المفاهيم المغلوطة عنها، أو الشائعة لدى مروجيها. يضم الكتاب أربعة فصول/دراسات هي خطاب الرأسمالية، خطاب القومية، خطاب الدين السياسي، وضبط المفاهيم. فالطابع غير العلمي والترويج لمقولات مستوردة وترديدها في العالم العربي كانهيار التجارب الاشتراكية واعتماد أبدية الرأسمالية وصلاحيتها، والتظاهر بأن خطابات القومية والدين السياسي، مقولات تناهض وتعارض الخطاب الرأسمالي، كلها مقولات هشة، في حقيقتها تنحاز إلى هذا الخطاب وتروّج له، سواء عن علم أو بدون علم، فهي بالأساس خطابات استراتيجية للرأسمالية!

 

الرأسمالية الخيالية والتاريخية

 

يفند سمير أمين الفارق ما بين الرأسمالية الخيالية وخطابها الذي يزعم أن انتشارها سيعود بالفائدة على جميع الشعوب، فهي مرحلة العقلانية الإنسانية، وبالتالي فليس عندنا بديل معقول غيرها.

إلا أن هذا يتناقض وتاريخية الرأسمالية، المتمثلة في الصراع الدائم والمستمر بين منطق التراكم الرأسمالي ومنطق المصالح الاجتماعية والوطنية المتناقضة معه، فمع انهيار الاشتراكية ونظم العالم الثالث الراديكالية استعادت الإمبريالية قواها وهجماتها، وما (العولمة) إلا الشكل الجديد للنظام الرأسمالي الحالي، وهو المرادف لمصطلح الإمبريالية. فالأزمة أصبحت ــ في غياب الدولة ــ تكمن في مواجهة الطبقات المسيطرة على الثروة في البلدان الفقيرة، والحلفاء في الخارج، فالهدف هو بناء مجتمع ديمقراطي يراعي مصالح الطبقات الفقيرة.

والديمقراطية وممارستها بشكل تدريجي، من الممكن أن تحقق شكلاً من الاستقلال الوطني، وهي التي لن تتحقق إلا على مدى زمني طويل، فالأمر مرهون بحالة من الوعي. الوعي بخطاب الرأسمالية الغربية وأكاذيبه، فالديمقراطية والمجتمع المدني والحريات الأمريكية تدور جميعها في فلك الرأسمالية المسيطرة وتتعامل معها وكأنها شيء عادي، وربما أمر إيجابي يستحق الدعم والنشر عبر العالم، والوعي بحقيقة الرأسمالية الغربية وبأنها أداة تدمير لا هدم. كذلك يعلّق أمين الأمل على حالة أو فئة أو مجموعة أفكار يتم إعادة صياغتها وفق مفاهيم جديدة مُستحدثة/الاشتراكية والمفاهيم الماركسية، ستكون هي أداة التغيير.

 

الفكر القومي العربي وخيالاته

 

يأخذ سمير أمين على هذا الفكر حصره مبدأ التقدم من خلال فكرة الوحدة العربية، والتغني بمقوماتها ــ المغلوطة ــ بحيث أصبحت كالنغمة النشاز، فالرجل يتفق والهدف، لكنه يختلف في الرؤية والتفاصيل. فالتيارات القومية تغفل العلاقة بين مدى إنجاز هذه الوحدة والصراع الطبقي. فهذا الإنجاز موقوف على الخروج التام من أسر الرأسمالية، وهو المتمثل في علاقات ذات طابع اشتراكي في إدارة المجتمع المحلي.

والأمر ليس مرهوناً بالبورجوازيات العربية، بل بالطبقات الشعبية المُعادية في الأصل للرأسمالية. فالسمات التي استند إليها القوميون من اللغة والدين والجغرافيا لم تكن كافية لتحقيق هذه الوحدة، والحديث حولها كمسلمات هو ما أدى إلى نهايات مفجعة، أصبحت تثير السخرية.

فالفصحى كلغة النخبة أصبحت تواجهها العامية وتنوعاتها، وأنها القادرة على التفاعل وإنتاج الخطابات المختلفة والمتناقضة أيضاً! ويأتي الدين من حيث أسلمة المجتمعات، سواء بمصطلحي الفتح أو الغزو العربي ــ إيران ترحب بالفتح، وتتباهي بالقضاء على الغزو، المتمثل في الحفاظ على لغتها ــ مع ملاحظة أن الغزو لم يحقق المزيد من التجانس المجتمعي، بل المزيد من التنوع والاختلاف، أو الخلاف بمعنى أدق، حيث انتقلت آفة القبَليّة إلى أماكن ومجتمعات تجاوزتها منذ قرون وآلاف السنين!

فمقولة القومية العربية أمر ثابت متواصل عبر تاريخ الشعوب الناطقة بالعربية، هي مقولة ذات طابع إيديولوجي بحت. حتى أن هناك مَن يتطاول ويفترض أن ظاهرة العروبة قد سبقت الفتح/الغزو! هذه الثوابت التي يبحث عنها القوميون تتنافى والبحث العلمي. هذا المطلق هو النمط نفسه الذي يدور حوله خطاب الإسلاميين، وهو ما أدى إلى (أن مَن تبقى من القوميين بعد هزيمتهم السياسية، قد مالوا إلى الاندماج مع الإسلاميين في تكتل سياسي موّحَد.. وما كان من الشعوب إلا تكريس انتمائها إلى عقيدة دينية حلّت محل العقيدة القومية.

 

الإسلام السياسي ووهم رد الفعل

 

في رؤية مفارقة يُشدد سمير أمين على أن الإسلام السياسي (ظاهرة حديثة) وليست استمراراً لظاهرة قديمة، فجميع المذاهب والحركات النشيطة في العالم المعاصر هي حديثة، لأنها بكل بساطة لا يمكن فصلها عن واقع الرأسمالية. ويضيف أمين أن الإسلام السياسي المعاصر وكذلك المسيحية الأصولية الأمريكية، ينتميان إلى هذه المجموعة التي تقدم إجابات لا تعتمد على تحديد علمي، وبالتالي تروي أوهاماً خطيرة حول قدرتها على تغيير العالم. ومن ناحية أخرى لا يصح الجمع بين ظاهرة إسلام الضواحي في أوروبا وأمريكا، وظاهرة الإسلام السياسي في المجتمعات الإسلامية، فالأولى لا تعدو كونها انتفاضات مهاجرين فقراء، شانها شأن الاحتجاجات الاجتماعية الأخرى، فهي رد فعل اجتماعي طبقي قبل أن يكون ثقافياً.

والنظر إلى الإسلام السياسي من خلال خطاب عام هو أمر في غاية الخطورة، فهناك فارق كبير بين الإسلام السعودي والباكستاني من جانب والإسلام في الدول الأخرى، فالوهابية ظاهرة خاصة وصورة لنمط غليظ من العقيدة، نتاج مجتمع ظلت تحكمه أشكال عتيقة من الممارسات التي من الممكن أن تكون سابقة على الإسلام نفسه، هذه الممارسات التي أصبحت مذهباً حليفاً للولايات المتحدة، كما ساعدت الثروة النفطية على انتشار هذا المذهب في صفوف الإسلام السُني المعاصر، ترتبت عليه ردّات تدميرية، متمثلة في سلوك رجعي لأقصى حد، اختزل العقيدة في شكلها الطقسي، وأصّل لعنصرية طائفية متعصبة. بينما في باكستان نجد أن السلطات البريطانية اجتهدت في القضاء على حركة التحرر والتحديث التي طالت الهند، فما كان منها إلا اختراع مذهب الإسلام السياسي الذي تبناه أبو الأعلى المودودي، الذي أقيمت على أساسه دولة باكستان.

أما مقولة إن الإسلام في حد ذاته محور المقاومة ضد الكولونيالية، فهو تزييف كبير للتاريخ. فعلى سبيل المثال.. لم تقاوم السلطات الفرنسية الإسلام، عندما كانت في الجزائر، بل اعتمدت على رجال الدين السلفيين، وأعطتهم سلطة تنفيذ الشريعة على أهل البلد، حتى أن الجمهورية الجزائرية هي التي قامت على استحياء بعلمنة جزئية للقوانين.

وبالنسبة لمقولة إن الإسلام السياسي يحارب الولايات المتحدة، فهو ما تروّجه الولايات المتحدة نفسها، لأنه الوحيد الذي يعطي للولايات المتحدة الشرعية لمشروع سيطرتها العسكرية، والمعروف باسم الحرب على الإرهاب. وبذلك لم يعلن الإسلام السياسي الحرب ضد الولايات المتحدة، بل هي التي اتخذت المبادرة، وما اختيارها للشرق الأوسط كبداية بسبب أن الشعوب التي تسكنه مُسلمة، بل لأسباب أخرى، أهمها .. الثروة النفطية والموقع الجغرافي، الذي يتيح لها استيطان قواعد عسكرية دائمة، قادرة على تهديد الصين وروسيا، إضافة إلى الهند عند الضرورة.

وبالتالي يكون (الإسلام السياسي) قد ساعد وكرّس العودة إلى مفاهيم عصر الإنحطاط.