مقدمة في " صهينة" الحكم والسياسة والصحافة

 

محمد عبد الحكم ذياب

 

 

صار طبيعيا أن ترى وتسمع مسؤولين وساسة وصحافيين عرب؛ مسلمين ومسيحيين، ومن عقائد أخرى يناصرون الصهيونية، ويتحالفون معها ويحرضونها على الأهل والأشقاء.. وقبل الدخول إلى صلب موضوع المقال؛ جاء ذكر الحنين لـعصر الحفاء الملكي، في ثنايا المقال الماضي لافتا لنظر زميل وصديق كاتب وصحافي عزيز، فاستفسر عن القصد منه، وباختصار يعود إلى عهد الملك فاروق، وظهور الدعوة لمقاومة الحفاء كمشروع قومي للمملكة في ذلك الوقت، وفي ظروف الفقر المدقع كان الفلاحون يسيرون حفاة في البرد والشَّرْد، ومع بداية تطبيق التعليم الإلزامي في الريف في أربعينيات القرن العشرين، كان الأطفال يذهبون إلى المدارس بزي (مَرْيَلَة) وغطاء رأس (طربوش)؛ لكنهم حفاة، وفي زيارة للملك إلى الريف بصحبه رئيس وزرائه؛ استاء من رؤية الأطفال حفاة بلا نعال، فأمر رئيس الوزراء ببحث المشكلة.. فيرتدي التلاميذ نعالا، شأنهم شأن أطفال البلاد والممالك المتقدمة، وأسندت مهمة البحث إلى مصلحة الوقاية المدنية، التي لجأت بدورها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية (المستحدثة وقتها)، وكانت هذه مقدمات مشروع مقاومة الحفاء؛ كمشروع قومي لـالمملكة المصرية، وهناك تفاصيل كثيرة لا يتسع لها المجال.

وكان زميل وصديق آخر قد استفسر عن القصد من الإشارة في نفس المقال لـصهينة الحكم.. فقلت نوع من تنبيه الأذهان الشاردة، وتحذير النفوس الغافلة، وتحفيز العقول الغائبة.. وقال إن قدرا من التفصيل يحتاجه القارئ العادي، من وجهة نظره. وعليه نبدأ بالقول بأن صهينة الحكم ليست قاصرة على مصر، وهناك من سبقها ومن تبعها، وصار الكل في الهم صهيون، بعد أن كان الكل في الهم شرق.. ولما رُفعت السرية عن وثائق المخابرات الغربية؛ خاصة البريطانية والفرنسية والأمريكية؛ تكشفت خفايا وأسرار صهينة سرية لملوك عرب حرضوا وتعاونوا وأشعلوا حرب 1967، وصارت الآن صهينة علنية وسافرة، واستقرت قاعدة لـصهينة كل دول القارة العربية، وقطعت شوطا كبيرا في التماهي مع المشروع الصهيوني وصارت رديفا وشريكا داعما ومُمَكِّنا له لبسط هيمنته وتوسعه، وقد تجاوز حدوده التوراتية المزعومة بين الفرات والنيل، فوصل لشواطئ الخليج شرقا، وسواحل بحر الظلمات غربا.

والصهينة اشتقاق من الصهيونية، المستمدة من جبل صهيون بـالقدس، ووردت في العهد القديم، وكان النبي داود قد اتخذ من القدس عاصمة لملكه فيما بين 1004 ـ 962 ق.م، وعادت للاستخدام مرة أخرى مع نشأة حركة أحباء صهيون عام 1890، وإقرار المؤتمر الصهيوني الأول لها وتسمية المؤتمر والحركة التي انبثقت عنها في بال بسويسرا عام 1897 بها.

والطابع العنصري الدموي فرض نفسه بتأثير المؤسسين الأوائل، ودعم وتمويل الدول الكبرى، وإقرار ما يعرف بالمجتمع الدولي، وأهم أولئك المؤسسين زئيڤ جابوتنيسكي أو ڤلاديمير جابوتنيسكي؛ مؤسس منظمة الدفاع عن الذات اليهودية في أوديسا على البحر الأسود، وكوَّن مع زميل له الفيلق اليهودي الذي انضم للجيوش البريطانية في الحرب العظمى (1914 ـ 1918)، وجابوتنيسكي هو الأكثر فاشية وتطرفا بين أقرانه، وكان يعتقد بأن التوراة والسيف قد أنزلا من السماء، وأشاع التنكيل والقتل والإبادة والتطهير العرقي.. ووصفه تلميذه مناحيم بيغن، بأحد عتاة التطرف، وقال هو عن نفسه أنا أحارب إذن أنا موجود وكن أخي وإلا سأقتلك.. وصفه بيغن بأستاذ الجيل، وعلى نفس خطاه سار بن غوريون، ورأى إن الوضع في فلسطين لا يحسم بغير القوة العسكرية، وأن الدولة الصهيونية لا تحيا ولا تستمر بغير القوة والسلاح.

وظاهرة صهينة السياسات العربية ليست مفاجئة، واستفحلت بالاستسلام والإذعان والصمت القاتل، كل ذلك سهَّلَ مهمة استلاب عقول الشباب وخداعهم. ولأن موضوعنا هو صهينة الحكم في مصر، فإنه لا يتم بمعزل عن الإشارة السريعة للنشاط الصهيوني فيها قبل إعلان الدولة الصهيونية عام 1948، والثابت أنه لم يكن نشاطا طارئا.. والسبب يعود النفوذ الفرنسي، وتأثير الاحتلال البريطاني، والتدخلات الأوروبية؛ كان تأثير كل هؤلاء كبيرا على التجار والأعيان وملاك الأراضي والأدباء ورجال الدين والفنانين؛ بدءا بنهايات القرن 18، وفي نهاية القرن 19 وتحديدا في عام 1897 شكل جوزيف ماركو باروخ جمعية صهيونية من اليهود الأشكناز، وأطلق عليها جمعية باركوخيا الصهيونية.

وكان لصحيفة الأهرام السبق في متابعة النشاط الصهيوني المتنامي بين يهود مصر، وأول من نشرت عن الوفد الذاهب لمؤتمر لندن عام 1918. وتم اختيار أعضائه في اجتماع عقد بالإسكندرية، وكان على جدول أعماله تطلعات اليهود في مصر فيما يخص فلسطين. وقبلها بشهور قليلة صدرت صحيفة أسبوعية بالفرنسية في الإسكندرية؛ كشفت الغرض من إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ودعت لاحياء اللغة والتقاليد العبرية، واستعادة ما أطلقت عليه مجد الأراضي المقدسة.

كل تلك الفعاليات والأنشطة الصهيونية تمت بمباركة الحكومة، ودون ممانعة الدولة، فيما قبل عام 1948، وامتد النشاط الصهيوني إلى الإسكندرية وبورسعيد وطنطا والمنصورة، وزاد عدد الجمعيات والمنظمات الصهيونية بعد زيارة تيودور هرتزل لمصر عام 1904، وكان أخطرها جمعية بن صهيون بالإسكندرية 1908، التي تبنت قرارات المؤتمر الصهيوني التأسيسي عام 1897، ووصل عدد المنظمات والجمعيات الصهيونية سنة 1917 إلى 14 منظمة وجمعية.

ومن الطبيعي أن تتأثر قطاعات لا يستهان بها من المصريين؛ حيث أضحت لا تفرق بين الإنتماء الوطني وبين الارتباط بالمشروع الصهيوني. وفي تلك الظروف اُستُقبل حاييم وايزمان، وكان على رأس بعثة صهيونية في طريقها إلى فلسطين عام 1918؛ استقبل بحفاوة بالغة من قبل المنظمة الصهيونية، وحظي بمقابلة شيخ الأزهر وقتها.. الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، الذي تبرع بمبلغ 100 جنيه مصري للمنظمة الصهيونية!!.

ومنظمة جاك موصيري وصاحبها من أكبر رؤوس لعائلات اليهودية في مصر، وتحمست وروجت للمشروع الصهيوني؛ منذ أن تأسست عام 1917، ودرجت على تشجيع اليهود على تأييد المشروع وتبنيه، وصدرت وقتها جريدة إسرائيل؛ بالعربية والعبرية والإنكليزية، وكل ذلك حدث دون استشعار الحرج أو الخطر من جانب الدولة والحكومة؛ في وقت قام فيه شباب يهود بمناهضة الفكر الصهيوني، ولم تُحظر تلك الفعاليات إلا في نهاية أربعينيات القرن الماضي مع قرار التقسيم وحلول النكبة. وجاء استشعار الخطر متأخرا؛ نتيجة الغيبوبة الحكومية بفعل الاحتلال البريطاني وتأثير الجاليات والتدخلات الغربية في تزييف الوعي.. واستمر التزييف حتى حرب 1948، واختفى بعد فضيحة لافون في 1954؛ وعاد تزييف الوعي بقوة في العقود الأخيرة.. كيف؟.