ما الحياد وما السبيل إلى موقف حيادي من الحصار على إيران؟

صائب خليل

 

 

لو فرضنا ان اثنين تعاركا، وحاول كل منهما أن يضغط عليك لكي تقف معه وتضرب الآخر بحجر، ولم تكن تريد ان تكون في جانب أي منهما، فماذا تفعل؟ ما هو الموقف الحيادي؟ إنه سهل للغاية: أن لا تفعل ما يقول أي منهما وتستمر في حياتك كما كانت. هذا هو تعريف الحياد.

ماذا لو طلب احدهما ان تضرب الثاني بحجر واحد، والثاني طلب منك أن تضرب الأول بحجرين؟ هل يتغير "الحياد"؟ هل يصبح الحياد مثلا أن تضرب الأول بحجر واحدة فقط وليس حجران كما يطلب؟ أم يبقى الحياد ان تهمل الطلبات أو الأوامر وتستمر في حياتك كما كانت؟

واخيراً، إذا كان احدهما فقط هي الذي طلب منك ان تضرب الآخر، اما الآخر فوقف ساكنا لا يطالب بشيء. ألا يعني عدم اتخاذك موقفاً هو أنك "تحيزت" باتخاذك الموقف الذي يريده منك الساكت الذي لا يطالب بشيء؟ هل سيعني "الحياد" في هذه الحالة أن تضرب الآخر نصف ضربة مثلا، أم يبقى الحياد كما كان: أن تبقى كما انت؟

لا شك انه: ان تبقى كما انت! فالحياد لا يعني ان تقف في منطقة في الوسط بين ما يطالب به الطرفان، وإلا استطاع المعتدي ان يجرك إلى ما يريد بحيلة بسيطة هي أن يطالب بضعف ما يريده!

وماذا لو وافق الموجودون وانضموا إلى أحدهما، هل يصبح "الحياد" عندها أن تقف مع من وقف الآخرون معه في الحرب ضد الآخر؟  لا أظن ان أحدا يقبل هذا المنطق، فالحياد يبقى نفسه مهما تغيرت هذه المتغيرات ويبقى تعريفه رفضك لأن تغير موقفك بسبب الضغط أو غيره.

 

ولو نظرنا إلى مشروع الحصار الإسرائيلي الأمريكي على إيران، فهو عبارة عن جهة تطالبنا بأن نشاركها اعلان الحرب الاقتصادية على الجهة الأخرى. حرب لا نريد ان نشارك بها لأننا نعلم أنها لا تصدر عن جهة مخولة دولياً، ولا جهة موثوقة أولا، وانها لا تخدمنا بشيء ثانيا، ولا تتماشى مع مبادئنا ثالثا. فسواء كنا مع الحكومة الإيرانية أم لا، فنحن نعلم جميعا أن الهدف من الحصار هو تجويع الشعب الإيراني لعله يسقط حكومته التي انتخبها. ونحن نعلم أيضا ان مثل هذا التجويع لن ينتج أي اسقاط لحكومة ولم ينتج ذلك ابدا في تاريخه. فكل ما ينتجه هو الموت بسبب قلة التغذية ونقص الدواء، ونحن خير من خبر مثل هذا الحصار من نفس من يعلن حربه اليوم. لذلك، إن كان لا بد لنا ان نشارك هذه الحرب الاقتصادية فأن مبادئنا تطالبنا ان نقف في الجانب الآخر ضد الذي اعلن الحرب، وأن نقاطع اميركا وإسرائيل ومشروعهما الوحشي، دون غيرهما ونقف مع الشعب الإيراني بكل الطرق حتى اسقاط الهجوم.

لماذا أقول انه مشروع أميركي إسرائيلي، وليس أميركي؟ ببساطة لان إسرائيل هي التي رفضت الاتفاقية النووية التي وافقت عليها أميركا. فقامت إسرائيل باستبدال الرئيس بترمب الذي يمثل سياستها أكثر مما يمثل سياسة بلاده في كل مناسبة، من نقل السفارة إلى الحرب الاقتصادية العالمية بين اميركا والعالم، إلى الغاء الاتفاق النووي مع ايران.

منطق السلامة والمصالح يدعونا لاتخاذ موقف واضح وغير محايد واغتنام الفرصة لمحاولة الإفلات من أميركا، لكن لأننا في حالة أسر، فلنا ان نكتفي بأضعف الإيمان، وهو "الموقف الحيادي"، أي عدم مقاطعة اميركا، ولا مقاطعة إيران! الموقف الحيادي هو رفض المشاركة في الحصار، والاستمرار بالحياة والعلاقات كما كانت قبل هذا المشروع المرفوض! فإن كان لنا ان نغير شيئا لا يروقنا في حكومة إيران، فلا يجب ان نأمل بتحقيقه من خلال مشروع إسرائيلي أميركي، فهو لم يكتب من اجل التغييرات التي نريدها، ولا نحن من يقوده ويحدد اتجاهه، بل لا يتوقع منه إلا أن يوجه بالضد منا تماما، لأن من يقوده ضدنا تماما!

إذن وقوفنا كما يريد "الساكت" ليس تحيزاً له، بل هو الحياد، فالساكت لا يطالبنا إلا بالحياد لأنه لا يأمل منا أكثر منه. لكن ما الذي يجري في عالم يسيطر العدوان على إعلامه؟ إننا نرى من يقول: وما شأني أنا؟ لماذا اتدخل لصالح ايران؟ إنه يرى الحياد في الوقوف مع المعتدي، و يفهم "عدم التدخل" هو المشاركة في الحرب! وهكذا يصبح من يدعوا إلى رفض التدخل والمشاركة في تلك الحرب الوسخة، ويصر على الحياد فيها، تابعاً أو "ذيلا" لإيران، وليس من يضع نفسه هراوة بيد الأمريكان ليضربوا به من يشاؤون، ذيلاً لأميركا!

هل أخطأت إيران فجعلت الأمر صعباً علينا؟ هل كان يجب عليها، ولو من ناحية إعلامية فقط، ان تفعل كما فعلت اميركا، فتطالب الدول جميعا بمقاطعة خصمها، لكي يرى الناس بسهولة أكبر، بديهية ان الحياد هو في عدم الاستجابة إلى اية دعوة مقاطعة؟ إنها بديهية بسيطة، لكننا تحت تأثير غازات الهلوسة الإعلامية، لم نعد نستطيع رؤية حتى البديهيات!

الإعلام هو عيننا، والعين ضرورة للبقاء خصوصا لمن يحتاج حدة البصر وسلامته، فما فرصة البقاء لمن قلبت عيناه الصور فصار يرى اليمين يسارا واليسار يمين؟ أين سيضرب هذا عندما يأتيه العدو من اليمين؟ وفي أي اتجاه سيهرب إن احتاج الهرب؟

خذوا مثالا آخر: من اكثر ما يغضب العراقيين من إيران اليوم هو مطالبة واحد او اثنين من ساستها، بالحصول على تعويضات الحرب من العراق. ورغم ان هذا ليس موقفا رسميا من ايران، فعلينا ان نتساءل: بعد ان اعلن العراق مشاركته الحرب على إيران، ما الغرابة أن تطالب ايران، حتى بشكل رسمي، بأي شيء؟ لماذا يرى العراقيون أن من حقهم أن يتخذوا موقفا عدائيا من دولة أخرى، وينتظرون منها موقفاً صديقاً وتضحويا؟ وكيف اصبح موضوع "حق" إيران في التعويضات، هو موضوع اللوم الرئيسي الذي يجب علينا ان نحدد موقفنا على أساسه، في حين ان ذلك التلميح الإيراني لم يأت إلا بعد إعلان موقفنا في الخندق المعادي في الحرب عليها؟

أحدهم يكتب: لعل هذا الحصار يمنع البضائع الإيرانية ويتيح لنا ان نبني صناعتنا وزراعتنا واكتفاءنا. وهو هنا يعبر عن تلك المفاهيم المشوهة المقلوبة. فمتى كان اعلان الحرب الاقتصادية طريقا لتنمية الصناعة المحلية؟ اليس السليم ان تضع بعض الحواجز الكمركية على كل حدودنا لحماية الصناعة المحلية، بدلا من اعلان حرب اقتصادية من الشرق وترك الحدود الأردنية تدخل البضاعة الإسرائيلية بكل حرية، وتدفع جزية النفط للأردن (لان حكومته من اقرب الحكومات لإسرائيل) على حساب اقتصادك المحطم؟

إنها الأسئلة المنطقية البسيطة التي يسارع إليها كل عقل سليم. لكن لا غرابة لمن يسلم السلطة كاملة على "عيونه" لعدوه، ولمدة خمسة عشر عاماً دون قلق أن صار لدينا كائن لا يجد مشكلة في ان يقبل رأسه هلوسات عجيبة مثل أن ايران تدعم القاعدة وداعش والحشد وإسرائيل وحزب الله!

 إننا لم نعد نطمح ان نقف الموقف الصحيح الذي تستدعيه مصلحة البلد، بل تقلص اقصى الطموح ليصبح أن نقف على "الحياد" على الأقل. لكن أنى ذلك لمصاب انقلبت رؤيته وضاعت عليه الخطوط، فلم يعد يعرف في أية زاوية اختبأ "الحياد"؟