ما زالت مسيرة «الصهينة» مستمرة وحبلها على الجرار!

 

محمد عبد الحكم دياب

 

 

تعيش «الصهينة» الجارية في مصر عصرها الذهبي، وفي سنواتها الأخيرة تعددت رسائلها المعبرة عن مستوى غير مسبوق في علاقة «المشير» برئيس الوزراء الصهيوني، واستعداد «المشير» الدائم لدعوة واستضافة أي مسؤول صهيوني؛ يستوطن الولايات المتحدة، أو آخر يستوطن فلسطين، والوفد الصهيوني الذي جاء إلى مصر في نيسان/إبريل 2016 كان لتعزيز التعاون وتجديد العلاقات بعد انقطاع عشر سنوات، وقبل مجيئه بشهر.. في آذار/مارس من نفس العام، اعتمد «بنك مصر» العملة الصهيونية (الشيكل) للتداول في سوق المال المصري، وأمام رد الفعل الغاضب اضطر «البنك المركزي المصري» وقف تداول العملة الصهيونية.

 

وكان «المشير» قبلها بعام قد أعاد رحلات الطيران بين القاهرة وتل أبيب، وأعاد زيارات اليهود للمعابد اليهودية ورحلاتهم للمناطق الأثرية، وفي لقاء وفد قطاع السياحة المصري بنظيره الصهيوني في «القدس المحتلة» عام 2016 اتفقا على «التطبيع» مع الكنيسة المصرية؛ بزيادة عدد الحجاج المسيحيين المصريين إلى الأماكن المقدسة الفلسطينية.

 

وهناك شهادات بالغة الدلالة عن عمق «الصهينة» واستفحال خطرها في عهد «المشير»، فالمحلل الصهيوني للشؤون العربيّة «آفي إيسخاروف»؛ يذكر على موقع «واللا WALLA» الإخباري: أن «المشير» «أثبت مجددًا أنّه الزعيم الأشجع في المنطقة، فقد تجرأ وفعل ما يحاول آخرون فعله طوال الوقت؛ بعيدا عن رصد وسائل الإعلام، واجتمع بقادة صهاينة؛ منهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن أفيغدور ليبرمان!!.

 

ويرى «إيسخاروف»؛ هو مستشرق ومحلل للشؤون العربية في نفس الوقت؛ يرى أنّ «المشير» يُدرك «مخاوف» الصهاينة الشديد من المصالحة الفلسطينية، وعودة السلطة الفلسطينية لقطاع غزة، وقد طمأن القيادة الصهيونية، واعتبر نتنياهو أن ذلك اللقاء المشترك والمعلن إنجاز خاص به، أعطى مصداقية لما يدعيه عن علاقاته القوية بالعرب، ومصر من بينهم، وتم كشف النقاب عن شخصية المسؤول الصهيوني المشارك في اللقاء؛ وهو رئيس «مجلس الأمن القومي» مائير بن شابات، وكان رئيسا سابقا للمنطقة الجنوبية في «الشاباك»؛ موضحا إلى أي مدى استخدمت «حماس» المعابر الحدودية مع مصر، من أجل تقوية بُنيتها العسكرية، وكشف «الشاباك» لعشرات من حالات التهريب لمواد متنوعة الاستخدام من خلال المعابر.

 

وتم الكشف أيضًا عن أن المنطقة الجنوبيّة لـ«الشاباك» قدّمت معلومات هامة عن اتصال «حماس» بـ«داعش»، وتراجع ذلك في أعقاب ترتيبات اتخذتها القاهرة و«حماس»، وفي حال فتح معبر رفح بشكلٍ دائم، فمن المؤكد أنّ «المشير» سيحافظ على المصالح الأمنيّة الصهيونية، ومنع التهريب إلى قطاع غزة.

 

وعن مفارقة الاقتراب المصري الرسمي من «حماس»، وتحول قياداتها لضيوف مرحب بهم بالقاهرة، ومتانة علاقة «المشير» بنتنياهو؛ مفارقة فُسرت على أنها تعبيد الطريق أمام وضعٍ أمنيٍّ مستقر بين «الأعداء الحميميين»، ومن الطبيعي أن تكون العلاقة قد تناولت الموقف من الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، الذي من المتوقع أن تتآكل مكانته إذا ما توصلّت تل أبيب وغزة والقاهرة إلى تسوية ما..

 

وجاءت شهادة الجنرال الصهيوني المُتقاعد «آفي بن ياهو»، وكان ناطقًا باسم جيش الاحتلال في صحيفة معاريف، وقال فيها: إن «المشير» هدية مصر للدولة الصهيونية، «وتصديه للديمقراطية يضمن استقرار المنطقة، وفيه مصلحة إستراتيجيّة للدولة الصهيونيّة». وعززتها شهادة خبير بـ«مركز أبحاث الأمن القومي الصهيوني» أوفير فنتور، وقد رأى ان تل أبيب حققت إنجازا كبيرا بصعود السيسي، واختزاله القضية الفلسطينيّة، والحد من تأثيرها، والتقليل من شأنها؛ بحجة التركيز على الشأن المصري الخّاص، وهو تركيز مفتقد، فالوضع الداخلي لا يسر أحدا مطلقا، وكشف فنتور استفادة تل أبيب من حرص القاهرة على تعميق التعاون الاقتصادي وتكريس التطبيع السياسيّ والثقافي معها.

 

هذا وما زال اجتماع «المُشير» برئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، في الأمم المُتحدّة بنيويورك، يلقي «بظله الوارف» على الإعلام الصهيوني، رغم الذي حدث لـ«قمّة توغو» وتأجيلها إلى أجل غير مسمى، وكانت أكبر صفعة للآمال المعلقة عليها، وتعد أول قمة صهيونية أفريقية، تلتئم تحت شعار بناء جسور نحو رخاء مشترك للأفارقة والصهاينة، وتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والدبلوماسية بين الطرفين، ورفضت البلدان الأفريقية بمجملها المضى في سياسة «مد الجسور»، وهي ضربة ثانية بعد 16 عاما من الضربة الأولى في «مؤتمر ديربان» بجنوب أفريقيا، الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية، وجاءت ضربة أيلول/سبتمبر 2017 فأجلت «قمة توغو»، وكان مقررا عقدها في العاصمة «لومي» فيما بين 23 و27 تشرين الأول/أكتوبر 2017. ويُعد إلغاؤها خسارة فادحة؛ حالت دون تدشين شراكة استراتيجية؛ استعدت لها رموز وشخصيات صهيونية وازنة في مجلس الصداقة الصهيو أمريكي «ايباك»، وفي «رابطة اليهود الأمريكان»، وهما من أقوى وأغنى جماعات الضغط الصهيونية على بعثات أفريقيا الدبلوماسية بالأمم المتحدة.

 

وتسببت مقاطعة دول وبلدان أفريقية متحررة لـ«قمة توغو» في إفشالها، وذلك لوعى قياداتها جيدا إلى ما ترمي إليه من إشعال الفتن والتمرد في القارة السوداء، وتزويد المتمردين بالأسلحة ومد الحكومات بأدوات القمع؛ مثل حكومات جنوب السودان وبوروندي، وكلها صناعة صهيونية؛ مجربة في الأراضى الفلسطينية المحتلة.

 

وذكرت صحيفة «تايمز اوف إسرائيل»، وتصدر في تل أبيب؛ ذكرت أن تحرك الدولة الصهيونية لتطوير علاقاتها بالقارة الأفريقية مخطط له من زمن، وهدفها تعزيز شرعية الاغتصاب، ونيل دعم وتأييد الأمم المتحدة، ومواجهة الدبلوماسية الفلسطينية، وللحصول على عضوية مجلس الأمن الدولي بالانتخاب، ولعبت الدبلوماسية الفلسطينية دورا في إفشال «قمة توغو»؛ بما لها من تأثير على التصويت الأفريقي المعبأ لرفض المسعى الصهيوني، وكانت مصادر صهيونية قد كشفت ضلوع رعاة القمة المؤجلة الماليين في توريد أسلحة إلى مناطق التوتر الأفريقية.

 

وكان لجنوب أفريقيا الفضل في منع تمرير «مشروع نتنياهو»، لتطبيع العلاقات الصهيونية الأفريقية. ودعوتها الدول الأخرى إلى مقاطعة تل أبيب ووقف التطبيع معها. ولم تكن وحدها، ووجدت مساندة من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا. وكانت الإدارة الأمريكية قد أعدت وفدا يمثلها في القمة المؤجلة؛ ليعلن استراتيجية إدارة ترامب تجاه أفريقيا على ضوء التكليفات الصادرة للكولونيل الأمريكى «ادريان بوجارت» المعين رئيسا لمكتب الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومى الأمريكي.. وكان نتنياهو يَعُد انعقاد القمة انتصارا تاريخيا، وعودة مظفرة للقارة السمراء، وتجميل النموذج الصهيوني للتنمية والتطوير التقني، وقد روج نتنياهو بنفسه لذلك بجولة في أوغندا وكينيا ورواندا وأثيوبيا في تموز/يوليو 2016، بجانب مشاركته في قمة دول غرب أفريقيا بـ«منروفيا» عاصمة ليبيريا في حزيران/يونيو 2017 لهذا الغرض.

 

وكانت خطط نتنياهو في المؤتمر المؤجل تقوم على تغيير نظام التصويت الأفريقي؛ المتعاطف تقليديا مع الفلسطينيين في المحافل الدولية، وتغيير المواقف الأفريقية من الدولة الصهيونية، وتتويج تلك الجهود، وتكون فاتحة عهد جديد من تطبيع العلاقات الأفرو صهيونية.. وهو ما لم يتحقق..

 

وما زالت مسيرة «الصهينة» مستمرة وحبلها ممتدا!!.