قصة الطفل المعجزة ساسون حسقيل!

عارف معروف

 

منذ 2003 بدأت واستمرت الى يومنا هذا وبتصاعد منهجي ، حملة منظمة ومدروسة لموضعة وترسيخ " حقائق " جديدة في العقل العراقي الشاب وفق المنهج النفسي المعروف في مثل هذه الحالات : مخاطبة اللاشعور والعاطفة عبر الصور والايحاءات القوية جدا و اتباع آلية الإعادة والتكرار حتى يسّلم العقل بتلك " الحقائق " ويعتبرها مسلمات  لا تقبل النقاش . ومن امثلة هذه الحملة ، أيضا ، قصة اليهودي العبقري والحريص والنزيه والمخلص الذي كان يمكن ان يتحول العراق تحت ادارته الى جنة الله على الأرض ونقيضه ....المواطن العربي المسلم ، الغبي والجاهل والغوغائي والذي لا يعرف غير الحماقات والهتافات والعدوانية . ونموذجها الذي يعاد ويصقل علينا على مدار الساعة هو نموذج  "  ساسون حسقيل  " وزير المالية في عدة تشكيلات حكومية عراقية في العهد الملكي  الذي اصبح ايقونة للنزاهة والحصافة والإخلاص والوطنية تروى حوله القصص والمواقف وتقارن خصيصا برجال الوقت الحالي وبعدهم عن كل هذه الخصال السامية ، وليس بمعاصريه ومجايليه ومن تبعهم خلال عقود طويلة وحتى السبعينات من القرن الماضي من العراقيين الافذاذ في كل مجال من المجالات . حتى كتب بعض الصحفيين المرموقين متمنيا ان يجود الزمان علينا بحاكم له مواصفات ساسون حسقيل وهتف آخر بان السيد حسقيل كان ، في الواقع ، مؤسس العراق الحقيقي !!!

فما هي حقيقة هذه الشخصية الباهرة  وهل تستند هذه الدعاية والاشادة والافتتان بها الى وقائع موثقة يمكن اعتمادها ؟ لقد راجعت ما امكنني من مصادر معتمدة للتاريخ لتلك الفترة فلم اجد ما يسوغ هذا الاطناب في اطراء الرجل ولم اعثر على ما يبرر تلك الهالة بل ولم يشر احدٌ او وثيقة الى معظم ما تم اشاعته من قصص ونوادر عنه وعن سجاياه !! بل عل العكس ، غمزه البعض من معاصريه في ولائه الوطني وحسبه رجل الإنكليز المفروض في كل وزارة ، في حين أشار آخر الى انه لا يدافع عن شيء دفاعه عن مصالح طائفته الموسوية ! فمن اين جاءت اذن كل تلك الأسطورة وما الذي يراد بهذه الهالة التي لا يسعف حقيقتها الواقع التاريخي ؟!

كان ساسون حسقيل وهو رجل مال واعمال يهودي عضو مجلس المبعوثان( البرلمان العثماني ) عن ولاية بغداد قبل الاحتلال البريطاني  ثم اصبح من رجال الإنكليز ، حيث حضر مؤتمر القاهرة الذي عقد برئاسة ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني في 1921 وتحدد فيه مصير العراق وشرق الأردن وفلسطين وحضره أربعون من موظفي وعسكريي وعملاء بريطانيا حتى سمي في بعض الادبيات السياسية مؤتمر تشرشل والأربعين حرامي ! ومن ثم اصبح وزير المالية الدائم في حكومات النصف الأول من العشرينات لا بسبب قدراته الإدارية الفذة او نزاهته المطلقة كما تحاول الدعاية  الموجهة الترويج له اليوم بل بفضل  نوع من الكوتا التي فرضها الإنكليز في البداية حيث كانت وزارة المالية من حصة اليهود مثلما أصبحت وزارة المعارف " التربية " من حصة الشيعة ، خلال الفترة نفسها، ومن الواضح ان للأولى ، أي المالية ، أهمية جوهرية في تكوين وتحديد سياسات  الدولة الحديثة ، في حين كانت الثانية مجرد وزارة  للترضية ! .ويصفه " حنا بطاطو " ، مؤرخ الشأن العراقي  الذي يتفق اغلبنا على موضوعيته علاوة على كونه مسيحي وغير عراقي ، في كتابه عن العراق ، الجزء الأول ، بانه ضمن ثلاثة نواب يهود عن بغداد كانوا يوافقون على ما يوافق عليه الإنكليز ويرفضون ما يرفضونه !

ليس المقصود بما تقدم المس بشخصية الرجل ولا الافتراء عليه وانما وضع الأمور في نصابها الصحيح بالنسبة لأجيالنا العراقية الشابة التي يراد تضليلها وتعميتها وسلخها عن هويتها وانماء مشاعر احتقار الذات  وإشاعة اليأس والقنوط لديها من خلال ربط مرارة الحاضر الذي تسببت فيه بالدرجة الأولى سياسة الامريكان وتحطيمهم للدولة وتعزيزهم للسلوك المنحرف من خلال وضع الأمور في ايدي احط الفئات الاجتماعية وابعدها عن الارتباط بالمصاح الوطنية ،وكشف الهالات الكاذبة التي تضفى على شخصية لا تستحق او حدث لا يناسب ،  واغواء الشباب بأكذوبة ان العراق كان يمشي في مسار تطوري وتحديثي متوازن ومتصاعد  لا بفضل فتوة ونهوض الدولة العراقية واضطلاعها بمهماتها استنادا الى توازنات اجتماعية ذات ديناميكية دافعة بل بسبب دور بعض الشخصيات  اليهودية او العائلة المالكة او رجاحة عقل نوري السعيد ومعرفته بما يداوي ويفيد الشخصية العراقية وهي سخافات سوقية وجدت طريقها وياللأسف ، بفعل التكرار، الى عقول وأفكار" مثقفين " وكتاب تقبلوها كحقيقة دون نقاش او تمحيص واشاعوها في عقول الشباب المتطلعين الى مثال عراقي نيّر وقدوة وطنية يحتذونها . .

من ضمن اشهر القصص المتداولة حول وطنية وحرص حسقيل وبراعته التي لا تجارى في التفاوض من اجل العراق ومصالحه هي قصة "الشلن الذهبي "، ومفادها ان الحكومة العراقية كانت قد اتفقت مع شركة نفط العراق ، وهي مجموعة شركات حصلت على امتياز استغلال النفط العراقي مطلع العشرينات ، على ان تتقاضى عن النفط اربعة شلنات إنكليزية لكل طن وابرم الاتفاق لولا ظهور حسقيل في اللحظة الأخيرة واصراره على ان تكون الشلنات من الذهب وبذلك حفظ حقوق العراق من الضياع واضحت الشركات الغربية ملزمة بدفع حصة العراق بالذهب !

فما هي حقيقة هذه الحكاية ؟ الواقع ان لا نصيب لها من الصحة او الحقيقة ، فخلال تفاوض ممثلي شركة نفط العراق ( شركةالنفط التركية ، سابقا ) مع ممثلي الجانب العراقي من اجل إقرار امتياز النفط وكانوا وفد او لجنة من أربعة اشخاص هم وزير الداخلية ووزير المالية وكل من مستشاري وزارتيهما لكن اللولب المحرك لعمل الجانب العراقي والذي كان وراء معظم الاقترحات والتعديلات في اجتماعات ماراثونية استمرت لأشهر طويلة هو وزيرالاشغال والمواصلات ، مزاحم الباججي  ، كما كانت اطراف المفاوضات غير المباشرة هم رئيس الوزراء العراقي ياسين الهاشمي المشهود له بالكفاءة والملك فيصل الأول نفسه . اما من الجانب البريطاني فكان هناك المعتمد السامي البريطاني دوبس ووزارة المستعمرات البريطانية  ، لقد كانت مفاوضات إقرار امتيار النفط مفاوضات عويصة كانت الشركة النفطية والجانب البريطاني يضغطان باتجاه تخلي الحكومة العراقية عن مطلبين جوهريين الأول هو ان تكون للعراق حصة 20%من رأسمال الشركة تدفعها الشركات ذاتها والثاني هو حصة مجانية للعراق من النفط المستخرج ، لكن الشركة والجانب البريطاني رفضا ذلك ولم يقبلا الاّ بصرف ما قيمته 10% من سعر طن النفط المستخرج ويساوي 4 شلنات إنكليزية وقد وصلت الضغوط التي مورست على الجانب العراقي التلويح بقضية الموصل !! ويرد في وثائق مباحثات امتياز النفط ان الوزراء العراقيين ، اكرر  الوزراء العراقيين ، وليس الطفل المعجزة ساسون حسقيل لوحده ، كانوا قد اعلنوا من خشيتهم من دفع عوائد العراق بالدولار الأمريكي كما اقترحت الشركة النفطية بسبب طول فترة الامتياز وإمكانية لجوء الحكومة الامريكية الى سياسة تضخمية وانقل هنا نص ما ورد في محاضر مباحثات النفط (وبعد محادثات طويلة سئل الوزراء العراقيون عن إمكانية تحديد العوائد بانها خُمس الجنيه الإنكليزي الذهب ذو الوزن والشعار الحاليين فاذا توقف تحويل العملات الورقية الإنكليزية الى الجنيه الذهبي ذو الوزن والشعارالحالي فان على الفريقين اذا اخفقا في الوصول الى اتفاق حول العوائد التي يجب دفعها ان يذهبا الى التحكيم . وقد تعهد المعتمد السامي البريطاني بأن يحيل الاقتراح الى وزارة المستعمرات برقيا ، كما تعهد السيد كلينغ بأن يحيله الى الشركة ثانية . وقال المعتمد السامي انه يعتقد بأن الحكومة العراقية محقة في طلبها 

ان هذا لايتعارض بالطبع مع حقيقة وجود شخصيات يهودية عراقية كانت مبدعة في مجالات اختصاصها ومخلصة في ولاءها ووطنيتها أسهمت في بناء صرح العراق الحديث وقدمت الكثير من التضحيات للعراق وللعراقيين وكان من الظلم والاجحاف حقا ان يخسرها العراق مثل، على سبيل المثال لا الحصر ،   العلامة مير بصري الاقتصادي واللغوي والمؤرخ الذي رفض مغادرة العراق حتى  اجبر عليه عام 1974 بسبب ما تعرض له من شديد المضايقة والتهديد واستقر في لندن رافضا الذهاب الى إسرائيل ، والشخصية اليسارية المعروفة حسقيل قوجمان ، الذي استقر هو الاخر في لندن ورفض ، حتى اليوم ، الهجرة الى إسرائيل والكثير من اشباههم  ،  اسوة بشخصيات وطنية عراقية من مختلف القوميات والأديان والطوائف العراقية والتي اتصف سلوكها بالحرص والنزاهة والشرف ، نمت وترعرعت وازهرت في مجتمع يتصف بالالفة والتسامح  وكان يمكن لها ان تبني متكافلة ومتكاتفة عراقا آخر غير ما انتهينا اليه بسبب الطواعين التي يمكن بحثها وبحث آثارها المدمرة بموضوعية في مقالات لاحقة  .

ان  هذا شيء وتشويه الحقائق وترويج الأكاذيب لغرض استلاب وعي المواطن العراقي وتدمير الشخصية العراقية شيء آخر !