احتجاجات اهالي البصرة درس وطني

كاظم الموسوي

 

لم تتوقف الاحتجاجات الشعبية في محافظة البصرة، جنوبي العراق، والتي تتجدد كل عام، منذ سنوات عديدة، ابرزها صيف عام 2011 الذي قتل وجرح فيها متظاهرون،وتلتها كل عام تقريبا، حتى عادت هذا العام وانفجرت من جديد ولكن بزخم اكبر، وغضب عارم وممارسات عنفية، وفي أغلبها قدمت شهداء وجرحى، حيث استخدمت القوات الأمنية العنف والسلاح الحي لتفريق التظاهرات ومنع الاحتجاجات. كل الشعارات التي ترفعها الاحتجاجات في بداياتها، تتمحور حول توفير الخدمات الاساسية، الماء والكهرباء والصحة والتعليم والوظائف العامة، وهي إذ ترفع هذه الشعارات المطلبية تعري بها مسؤولية الحكومات المحلية والاتحادية وفشلهما وتقصيرهما في أداء الوظيفة الأساسية التي تقوم عليها، كحكومة، مركزية ومحلية، تسهر  من أجل مصالح الأهالي في المحافظة والبلاد. إذ لا يمكن تصور أن هذه النواقص في هذه الخدمات تستمر طيلة هذه السنوات، في بلد مثل العراق وثرواته، ولاسيما في محافظة البصرة، التي تعتبر بما تمتلكه أرضها أحد مصادر الميزانية/ الدخل المركزي الأساسية في  العراق.

استمرار الاحتجاجات لاهالي البصرة خصوصا، رغم كل ما شابها من ممارسات عنيفة وربما ليست مطلوبة قصدا، درس وطني ينبغي التفكير فيه والتعلم منه، إذ ان احتجاجات الاهالي المتواصلة، بعفوية في أكثر الاحيان، وسلمية في الأغلب الاعم، وبمطالب مشروعة ولحقوق مهدورة وواجبات حكومات تزعم أنها جاءت لخدمة الشعب وتنفيذ وعودها الانتخابية بتوفير الخدمات وإشاعة الأمن والأمان والاستقرار في البلاد واحترام حقوق العباد وكرامة المواطنين، تستدعي التفكير بأنها تحتاج، الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات المتكررة، الى تنظيم مبرمج وقيادة مركزية وإدارة الاحتجاج على السلطات للضغط عليها في الإسراع في تنفيذ الخطط والمشاريع المرسومة والمطلوبة، وكذلك التشديد بقوة على محاسبة المقصرين والفاسدين والمرتكبين لانتهاكات حقوق الإنسان والمواطنة العراقية.

تتضارب الوعود والإجراءات في حل تلك المشاكل المتفاقمة، والتي باتت مثيرة لا للاهتمام وحسب، بل ومحاسبة المسؤولين عن التقصير في تنفيذها وتوفيرها. إذ لا يصح أن تعاني المحافظة من نقص الكهرباء وقطعه لساعات طويلة، واحيانا لفترات طويلة، في أشهر الصيف في المحافظة الجنوبية التي تصل أحيانا درجات الحرارة فيها في الظل اكثر من خمسين درجة مئوية حسب الاعلانات الرسمية، ولا يمكن تحمل المناخ هذا عاديا فكيف في تغير مناخي مستمر في ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وكذلك في عدم توفير الماء الصالح للشرب، حيث أن المياه المتوفرة في المحافظة باعتراف الجهات الحكومية لا تصلح للشرب والاستخدام البشري. فضلا عن ارتفاع نسب الملوحة في المياه المتوفرة مما يضيف صعوبات جدية في استخدامها الطبيعي،  ومن نتائجه المرة تعرض آلاف المواطنين إلى حالات مرضية، وزاد عليها عدم قدرة المستشفيات والأطباء والأدوية من توفير الاحتياجات واستيعاب الإعداد  الكبيرة من المواطنين الذين أصيبوا باضرار ملوحة المياه وعدم صلاحيتها للشرب والاستخدام البشري. وهي أمور محرجة فعلا ومخجلة بشكل لا يوصف. وهذه وحدها قضية كبرى لا تمر دون أن تعالج كاملة وأن تصبح مثالا يضرب عن الإهمال وتداعياته وفي الحل ومميزاته.

يضاف إلى النقص الحاد في المياه والكهرباء ارتفاع حجم ارقام البطالة للشباب والبحث عن العمل. مما يزيد في معاناة المواطنين والعوائل البصرية. لاسيما المعتمدون على أبنائهم في توفير فرص العيش الكريم. وبالتأكيد تتوازى هذه المشاكل مع تدهور الأوضاع الأمنية والسكنية والاقتصادية وغيرها، مما يخلق مناخات معقدة لا تقبل بطبيعتها الحالية، والسؤال عن التقصير في الأداء والفشل في الإجراء والفساد في الأموال التي خصصت لهذه القطاعات، والتبذير في الميزانيات المخصصة والموضوعة لهذه الخدمات الأساسية دون تأثير ملموس فيها، بالرغم من حجمها العالي وحصتها الكبيرة من الميزانية العامة أو المحلية.

لا يمكن قبول شيوع الفساد والفشل في تطبيق الإجراءات المنتظمة واستمرارها طيلة هذه الفترات والسنوات الطويلة، في بلد كالعراق، المعروف بثرواته وطاقاته  وإمكاناته الوفيرة، والتي كلها تثير اسئلة قائمة، وتساؤلات حادة تصعب الأجوبة عليها. وهي بالتاكيد لا تعوّض صرخات أهالي المدن المنكوبة، او اعتبارها كذلك، والدعوات المتصاعدة إلى انقاذها قبل فوات الاوان. وبالتأكيد تتحمل الحكومة الاتحادية مسؤولية كاملة عن هذه الاوضاع ونتائجها وتداعياتها المركبة. كما تتحمل الحكومات المحلية مسؤوليتها فيها، ويتطلب ليس الإسراع في توفير الخدمات وحسب وانما الإسراع في المحاسبة والمحاكمة لكل المقصرين والفاسدين والمبذرين لأموال المحافظة وخطط إصلاحها وتطبيقها ومشاريع توفير بنيتها الأساسية وتطويرها بما يخدم المصالح الأساسية والإستراتيجية للمحافظة وجيرانها من المحافظات الجنوبية الأخرى.

قدمت محنة سكان البصرة نموذجا جديدا معبرا عن الأزمة العامة التي تورطت بها الحكومات والأحزاب الحاكمة وفساد اكثر المسؤولين في إدارة تلك المحنة وصعوباتها المتراكمة. وقد ظهرت في السنوات السابقة مظاهر صارخة للفساد الإداري والمالي ولم يجر الاعتبار منها أو اتخاذ ما يلزم بحقها، مما فاقم في الأوضاع الحالية. ولعل الهبة الوطنية التي قامت بها جماهير المحافظات الاخرى، الشمالية والغربية والوسطى، في تجميع كميات كبيرة من قناني المياه الصالحة للشرب ونقلها بالشاحنات او عبر سكك الحديد أو وسائل النقل الاخرى، الى مدينة البصرة المنكوبة تثمر أو تبين إمكانات حلول عاجلة وقدرات مساهمات فاعلة. ثم ان سرعة هذه المبادرات الشعبية الوطنية وتنوعها تعبير عن الروح الوطنية الجامعة لأبناء الشعب العراقي، في كل ربوعه ومواقعه ومنظماته. خلالها وفيها، يتضمن الانطباع الصريح عن تداعي سائر الجسد الوطني بالسهر والحمى ازاء المحنة ومخاطرها ومعاناتها.

عسى أن تكون هذه المبادرات الشعبية درسا وطنيا اخر لكل العراقيين، وخصوصا الى المسؤولين الرسميين والأحزاب والاتحادات والنقابات المحلية والمركزية، وينبغي أن تقوم الجهات الحكومية بتيسر سبل وأعمال هذه المبادرات وايصالها الى كل المواطنين المنكوبين في المحافظة، والاسراع في توفير الخدمات والمحاسبة القانونية. كما يتطلب الوضوح والشفافية في ما اقترح من تشكيل لجان عاجلة وتخصيص أموال مباشرة ولابد من فتح الطرق والأجواء أو المعاملات والاجراءات الرسمية والادارية لكل مبادرة شعبية وطنية في أي شأن يخدم مصالح الشعب ويقلل من معاناة المواطنين ويعالج كل النواقص والاهمال والخراب بقوة القانون والدستور والضمير الوطني.