"الملاك": أشرف مروان هل كان جاسوسا أم داعية للسلام

أمير العمري

 

 

ربما لا توجد شخصية أثارت الجدل في عالم الجاسوسية خلال العشرين عاما الأخيرة مثل شخصية أشرف مروان، لم يكن مروان فقط زوج ابنة الرئيس جمال عبدالناصر صاحب الشخصية الكاريزمية الطاغية، بل سرعان ما أصبح أيضا أحد كبار مساعدي أنور السادات، ومن موقعه الذي كفل له الاطلاع على ما لا يمكن تخيله من وثائق سياسية وعسكرية، قام مروان الذي أصبح  جاسوسا لإسرائيل، بتقديم معلومات كثيرة خاصة ما يتعلق بموعد نشوب حرب السادس من أكتوبر 1973.

كان جهاز المخابرات الإسرائيليةٌ يُطلق على أشرف مروان الاسم الحركي الملاك، والملاك أيضا هو اسم الفيلم الذي عرضته أخيرا شبكة نتفليكس الأميركية من الإنتاج الأميركي، ومن إخراج المخرج الإسرائيلي أرييل فرومن المقيم في لوس أنجلس.

ويعتمد الفيلم الذي كتب له السيناريو الأميركي ديفيد أراتا، على كتاب الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل لأوري بار جوزيف، المصاغ في قالب روائي مستندا على بعض الحقائق، لكن بينما يزخر الكتاب بالكثير من المعلومات والتفاصيل والأوصاف والمشاهد الدقيقة المثيرة، يتحرر سيناريو الفيلم من الكثير منها، ويختلق شخصيات ومواقف أخرى كثيرة، ويغالي كثيرا في إبراز دور بعض الشخصيات التي لم تكن تملك في الواقع، أي تأثير وقت وقوع الأحداث.

أما أهم ما يفعله الفيلم فهو أنه جاء معاكسا لما ورد في الكتاب من أن أشرف مروان كان جاسوسا مخلصا لإسرائيل، فقد كان غرض مخرجه، طبقا لتصريحاته المنشورة، أن يبعد عن الفيلم الصبغة الدعائية المباشرة لإسرائيل.

ثلاثة محاور

يفترض أن يكون الملاك فيلما تشويقيا من أفلام الجاسوسية، لكنه جاء ضعيفا فقيرا يعاني من الترهل وعدم الإقناع على الرغم من دسامة المادة المتوفرة عن شخصية أشرف مروان، خاصة تلك التي نشرها أيضا المؤرخ الإسرائيلي المقيم في لندن أهرون بريغمان قبل أن يصدر كتابه الجاسوس الذي هوى إلى الأرض، فقد كان بريغمان وراء الكشف عام 2002 عن اسم أشرف مروان باعتباره الملاك، لكنه ظل دائما يعتقد أن مروان كان جاسوسا مزدوجا، وأنه خدع إٍسرائيل.

وينتقل الفيلم بين ثلاثة محاور: علاقة أشرف مروان بالسلطة في مصر، علاقته بزوجته منى عبدالناصر، وعلاقته بالموساد، ففي عام 1970 يذهب مروان إلى لندن مع زوجته لكي يتخلص من الرقابة اللصيقة التي وضعها عبدالناصر عليه عن طريق رجل مخابرات الرئاسة سامي شرف، بدعوى استكمال دراساته العليا في الكيمياء كما يلحق بالعمل في السفارة المصرية، وهناك يكشف عن شخصية نزقة تميل للمغامرة، فهو يفرط في لعب القمار واحتساء الخمور والسهر في الملاهي الليلية، وبالتالي ينفق أكثر كثيرا من المبلغ المحدود الذي يصله من مصر.

الجاسوس كاد أن يفقد حياته الجاسوس كاد أن يفقد حياته

ونتيجة لكراهيته لعبدالناصر وسياسته المتقشفة، خاصة بعد أن تخبره زوجته بأن والدها يفكر في قطع الدعم المالي عنهما، يتصل بالسفارة الإسرائيلية من هاتف عمومي، يعرض خدماته، لكنه لا يلقى اهتماما.

وفي مشهد شديد الافتعال يدخل بضعة رجال إلى قاعة المحاضرات، حيث يجلس مروان ويطلبون أن يخرج معهم، ثم يقابل سامي شرف الذي يخبره بوفاة عبدالناصر وضرورة عودته مع زوجته إلى مصر فورا.

يعود ليحضر العزاء، ولكنه يتسلل إلى مكتب الزعيم الراحل، يكسر درج مكتبه ويسرق بعض الوثائق، وبعد أن يتولّى الرئيس السادات الحكم يسلّمه الوثائق التي تدين كبار الوزراء أو مراكز القوى الذين خاضوا صراعا مفتوحا مع السادات عام 1971، وبالتالي ينال ثقة السادات الذي يمنحه منصب مساعده لشؤون المعلومات، والأهم، أنه يتلقى اتصالا هاتفيا من السفارة الإسرائيلية ثم يلتقي عملاء الموساد في لندن الذين يجدونه صيدا ثمينا، فيعودون إلى رئيس الموساد في تل أبيب تسفي زامير للحصول على موافقته على تجنيده.

وتنشأ الثقة بين مروان وضابط الموساد داني المسؤول عن تشغيله، والطلب الوحيد الذي يطلبه ضابط الموساد من مروان في الفيلم، هو ضرورة إبلاغ الإٍسرائيليين في حالة اعتزام المصريين شنّ حرب في سيناء.

يضيّع الفيلم فرصة ثمينة في تصوير هذا الجزء تحديدا، الذي كان يمكن أن يحفل دراميا بعناصر كثيرة تشويقية، فيعالجها من ناحية الإخراج برتابة وبشكل غير موفق سواء في رسم المشاهد وتصميم الحركة داخلها، أو الانتقال في ما بينها، كما يختلق شخصية ممثلة بريطانية تدعى ديانا ديفيز، شقراء، لعوب، يتعرف عليها مروان في أحد النوادي الليلية، تحاول دائما إغراءه لكنه يصدها، لا نعرف لحساب من تعمل.

وكل ما يصوّره الفيلم أنها مولعة بمروان، تسعى لإغوائه لكنه يتمسّك بإخلاصه لزوجته، ورغم ذلك تقدّم له خدمات جليلة عندما يكلفها بتصوير رجلي الموساد قبل أن يقابلهما ثم تصوير من كانوا يتعقبونه من عملاء المخابرات المصرية. وهي تفاصيل صغيرة توحي بأن مروان ليس مخلصا تماما للموساد، وأنه ربما كانت لديه أجندة خاصة.

القذافي الماجن

الرئيس عبدالناصر يهنئ زوج ابنته أشرف مروان الرئيس عبدالناصر يهنئ زوج ابنته أشرف مروان

يقوم مروان في الفيلم بزيارة العقيد القذافي في ليبيا الذي يظهر في الفيلم رجلا ماجنا مثل حاكم عربي من القرون الوسطى، فهو يظهر محاطا بمجموعة من الفتيات الحسناوات، يمتلئ بلاطه بالرقص والغناء والشراب والمجون، يعرض على مروان قبل أن يأوي إلى فراشه، أن يختار فتاة يقضي معها الليلة لكن الأخير يمتنع.

كان اللقاء بتكليف من السادات، بهدف سبر أغوار الرجل بعد حادث إسقاط سلاح الجو الإسرائيلي لطائرة مدنية ليبية فوق سيناء في فبراير 1973، وعلى سبيل الترضية يحصل مروان من القذافي على قاذفات صواريخ يقوم بتهريبها إلى روما، وتسليمها لمجموعة فلسطينية لكي تستخدمها في قصف طائرة مدنية إسرائيلية على سبيل الانتقام، ولكن مروان يشي بالفلسطينيين فيداهمهم ضباط الأمن الإيطاليون ويقتلونهم في المطار، وبعد هذه العملية يكتسب مروان ثقة الإسرائيليين بعد أن أنقذ 120 إسرائيليا من الموت.

الشك

يبلّغ مروان الإسرائيليين مرتين بموعد اندلاع الحرب دون أن تندلع ممّا يعرضه للشك من جانب كل من داني الذي كان يدافع عنه أمام رئيسه، ومن الضابط الإسرائيلي الآخر يهودا هونشتين الذي يرمز للطرف الآخر الذي يشك في أن مروان ربما كان يخدع الإسرائيليين لحساب مصر، وعندما يبلغهم أن الحرب الحقيقية ستندلع في السادسة من مساء السادس من أكتوبر 1973، ثم تفاجأ إسرائيل بفارق الساعات الأربع، يزداد شك يهودا الذي يختطف مروان ويكاد يقتله ظنا أنه خدعهم عمدا بشأن موعد بدء القتال.

لكن مروان أصبح الآن داعية سلام فهو يستعطفه في لوعة: أتريد أن تندلع حرب يموت فيها الأبرياء؟ ولكن المشكلة أن مروان لم يمنع قيام الحرب، بل يقول الفيلم إنه الذي دعا إليها.

يفترض الفيلم أن مروان أدرك ضرورة أن يخدم قضية السلام، وأقنع بالتالي السادات بشن حرب تحريك للموقف في سيناء، تفتح الطريق للتوصل إلى تسوية مع إٍسرائيل، وهو يسأل يهودا الذي أراد قتله لتشككه في احتمال تضليله لهم: ألم تصبح إسرائيل الآن أكثر أمانا بعد إخراج مصر من النزاع؟ بعد ذلك تجري مياه كثيرة في النهر يختصرها الفيلم في مشاهد تسجيلية خاطفة، ليجعل مروان في النهاية بطلا لدى كلا الطرفين.

تخبط الفيلم

الممثلة الفلسطينية ميساء عبدالهادي تجتهد في دور منى عبدالناصر دون أن تحصل على مساحة مناسبة من الفيلم لتظل في الخلفية الممثلة الفلسطينية ميساء عبدالهادي تجتهد في دور منى عبدالناصر دون أن تحصل على مساحة مناسبة من الفيلم لتظل في الخلفية

في الفيلم مشاهد مطاردات تستخدم فيها سيارات تاكسي لندن السوداء (طراز السبعينات) في شوارع لندن الضيقة، ومشهد آخر تتعرض خلاله منى زوجة مروان وابنها في شقتهما في لندن، لمداهمة من جانب مجموعة رجال ملثمين يبحثون عن وثائق أخفاها مروان في خزانة لا وجود لها في المنزل، سنعرف أنهم من رجال المخابرات المصرية، الذين يعملون بأوامر من ضابط مخابرات يدعى باباك (وهو اسم مضحك بالطبع) كان يذهب بانتظام لزيارة سامي شرف في السجن ويستشيره في ما يجب فعله مع أشرف مروان الذي أخضعت تحركاته في لندن للمراقبة. وكأن سامي شرف هو الذي كان يدير المخابرات المصرية من داخل السجن، ومن وراء ظهر خصمه أنور السادات، بل وكأن أشرف مروان قرّر تغيير توجهه من رجل جشع للمال مقابل بيع معلومات سرية إلى أعداء بلده، إلى رجل يلعب دورا وطنيا في تضليل العدو من وراء ظهر السادات وجهاز المخابرات المصرية معا. وكلها افتراضات غير مقنعة، بل وتبدو مثيرة للسخرية في سياق هذا الفيلم الهزيل من ناحية البناء، بالإضافة إلى تصويره الكاريكاتوري السطحي للشخصيات.

عن التمثيل

ممّا يضاعف من الإحساس بهزال الشخصيات أولا: الاختيار السيء لمجموعة الممثلين، وثانيا: الأداء الضعيف والمثير للشفقة، فقد بدا معظم الممثلين غير مناسبين من حيث الشكل، وكذلك غير مقنعين في استخدام اللهجة المصرية (أمام المشاهدين العرب على الأقل).

لقد أسند المخرج على سبيل المثال، دور السادات إلى الممثل الإسرائيلي الكهل من أصل عراقي ساسون غاباي (زيارة الفرقة الموسيقية) البالغ من العمر 70 سنة، بينما لم يكن السادات قد تجاوز الثانية والخمسين عندما خلف عبدالناصر. كما أسند إلى الممثل الإسرائيلي تساهي هاليفي دور القذافي في أداء مسرحي هزلي مثير للسخرية، وقام الممثل الفلسطيني- الأميركي وليد زعيتر بدور جمال عبدالناصر من دون أي إقناع وبتكاسل ونمطية.

 

الفيلم جاء ضعيفا فقيرا يعاني من الترهل وعدم الإقناع على الرغم من دسامة المادة المتوفرة عن شخصية أشرف مروان الفيلم جاء ضعيفا فقيرا يعاني من الترهل وعدم الإقناع على الرغم من دسامة المادة المتوفرة عن شخصية أشرف مروان

ولعل من دواعي السخرية أن نشاهد في أحد المشاهد الأولى من الفيلم، اجتماعا يعقده عبدالناصر في السفارة المصرية في لندن في حين أنه من المعروف أن عبدالناصر لم يضع قدمه قط في العاصمة البريطانية، لكن المشهد يتيح الفرصة لأن نرى عبدالناصر يسخر من أشرف مروان بعد أن يقترح التعاون مع الأميركيين للتوصل إلى تسوية بقوله يجب أن أعيّن الأخ أشرف السفير الأميركي في القاهرة.

يجتهد الممثل الهولندي من أصل تونسي مروان كنزاري في دور أشرف مروان، وإن غلبته اللهجة المصرية وفضحت عجزه عن الانطلاق في أداء الدور بشكل طبيعي، وتجتهد الفلسطينية ميساء عبدالهادي في دور منى عبدالناصر دون أن تحصل على مساحة مناسبة من الفيلم لتظل في الخلفية، ويبدو الممثل الجزائري الأصل مروان دازي في دور سامي شرف ضعيفا، غريبا على الدور وعلى أجواء الفيلم بأسره، عاجزا عن الحديث سوى بالهمس الذي لا تفهم منه شيئا بسبب عجزه عن الأداء باللهجة المصرية، وعدم جديته في التعامل مع الشخصية التي يؤديها، وكذلك الأمر مع زميله منير مرغوم في دور باباك، وبوجه عام يعاني الفيلم من الترهل وبطء الإيقاع وكثرة المشاهد المصطنعة.

ويعيب الفيلم كثرة الانتقالات المفاجئة المربكة بين الأماكن التي تأتي أحيانا على نحو غير محسوب، أو بالأحرى عشوائي، بين لندن وروما والقاهرة وتل أبيب، فنحن نرى مروان في لندن ثم في القاهرة ثم في روما ثم في ليبيا، وهكذا من دون أي حيلة تشي بمرور الزمن، كما تطغى على الفيلم الإضاءة التي تمنح الصورة طابعا قاتما في جميع المواقع.

وقرب النهاية يحصل مروان على حقيبة كبيرة منتفخة بالمال من الإسرائيليين مقابل إفشائه موعد قيام الحرب، ويذهب إلى منزله، يجلس ويتأمل ويراجع في لقطات فوتو مونتاج مسار حياته وما مر به، ثم ينخرط في نوبة من البكاء وكأنه يشعر بالذنب مما جنت يداه، ولكن ألم يصبح -حسب الفيلم- بطلا للسلام!

أما موت أشرف مروان الغامض في لندن عام 2007، وهو الحادث الذي توقع المشاهدون أن يسلط الفيلم الضوء عليه، فلا تصل إليه الأحداث، وطالما ظل الجانب المصري ممتنعا عن تقديم وجهة النظر المصرية من واقع ملفات المخابرات، ستظل شخصية أشرف مروان تثير التكهنات، أما موته التراجيدي الغامض فربما لن نعرف حقيقته أبدا!