المستجدّات الدولية والإقليمية والعربية

زياد حافظ

مقدمة

هذه الورقة، تقدير موقف، استكمال للورقة التي قُدّمت للمؤتمر القومي العربي في دورته التاسعة والعشرين والتي عُقدت في بيروت في 26 تموز/يوليو 2018، والتي هي بدورها متمّمة لأوراق سابقة قُدّمت لاجتماعات الأمانة العامة والدورات السنوية للمؤتمر القومي العربي منذ عام 2015.

المسارات العامة على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي ما زالت هي التي تمّ وصفها وتحليلها في مجمل الأوراق السابقة. في هذه الورقة ستتمّ الإضاءة على التطوّرات الأخيرة الميدانية والسياسية التي تصبّ في الاتجاهات الموصوفة آنذاك، والتي تؤكّد مسار التحليل العام من منطق التحوّلات إلى منطق الصراعات القائمة دوليا وإقليميا وعربيا.

الجزء الأوّل-المستجدّات الدولية

أولا- المشهد الأميركي

ما زالت الفضائح المالية والقضائية السابقة لوصوله إلى البيت الأبيض تلاحق الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كما أن بعض سوء التصرّف داخل البيت الأبيض ساهمت في تأجيج الحملة ضدّه. والاعلام الأميركي المملوك من ست شركات فقط بنسبة 90 بالمائة من إجمالي وسائل الاعلام يتصدّر الحملة ضد الرئيس الأميركي بلا هوادة. فالمطلوب إقالته أو خلعه أو إجباره على الاستقالة غير أن الرئيس ما زال يمتلك أوراقا قانونية وسياسية لا يمكن الاستهانة بها. وحتى الساعة، لم يستطع المحقق الاتحادي الذي عيّنته وزارة العدل الأميركية من إثبات أي تورّط للرئيس الأميركي مع الروس للتأثير على مسار الحملة الانتخابية الرئاسية كما يدّعي خصومه.

لكن من نتائج ذلك الاهتمام أو الانشغال بتلك القضايا فإن السياسة الأميركية، على الصعيد الداخلي والخارجي، تفاقم التخبّط والارتباك وعدم التوازن في المواقف والقرارات. فعلى الصعيد الداخلي تثير سياسات الرئيس الأميركي الاستقطاب والاحتقان بين مكوّنات الشعب الأميركي ما جعل الولايات المتحدة منقسمة انقساما حادا عاموديا وأفقيا ينذر بتداعيات وخيمة في حال حصول أزمة على صعيد الحكم كمحاولة خلع الرئيس، أو نتيجة كوارث طبيعية وعدم معالجة تداعياتها كما حصل عام 2006 مع إعصار كاترينا الذي دمّر مدينة نيوارليونز في الجنوب الغربي للولايات المتحدة أو إعصار ماريا الذي دمّر جزيرة بورتو ريكو في بحر الكاريبي. فهشاشة الإدارة وترهّل البنى التحتية تزيد من التداعيات السلبية للكوارث الطبيعية. كما لا يجب إغفال احتمال حصول أعمال إرهابية تسعّر العنصرية المتفشّية في مختلف شرائح المجتمع الأميركي. فالولايات المتحدة على فوه بركان ولا أحد يدري متى يكون الانفجار. لقد شرحنا في أوراق سابقة مدى ترهّل المجتمع الأميركي فلا داعي لتكراره. يكفي أن نؤكّد أن الأمور تتفاقم وليس في الأفق ما يُشير إلى وعي النخب الحاكمة الأميركية وإدراكها لمدى خطورة الوضع. فحالة الانكار القيادي السائدة تمهّد لحالة الانتحار الجماعي.

أما على الصعيد الخارجي فسياسات الإدارة الأميركية شبيهة بسياسات تركيا التي ادّعت في يوم ما أن هدفها "صفر مشاكل" مع دول الجوار فإذا هي حال "صفر حلول" معها. في الولايات المتحدة، تمعن الإدارة الحالية في استعداء الحلفاء قبل الخصوم. فعلى ما يبدو، الجميع في سلّة واحدة في تلك الإدارة. ربما من فوائد تلك السياسة هي كشف يقين موقف النخب الحاكمة في الولايات المتحدة من العالم اجمع. تتكلّم بصراحة هذه الإدارة عمّا كانت تخفيه إدارات سابقة. نذكّر هنا موقف وكلام فيكتوريا نيولاند، مساعدة وزير الخارجية جون كيري في إدارة أوباما حيث قالت بالحرف الواحد "تبأ الاتحاد الأوروبي" (المصطلح الأميركي الذي استعملته لا يصلح للطباعة في هذا التقرير!). وقد سجّل "ملاحظة" الوزيرة نيولاند أحد المسؤولين الأوروبيين عند مناقشتها لأزمة أوكرانيا. فإدارة ترامب لا تختلف في المضمون عما قام به أسلافه وإن كانوا أكثر حرصا على الحفاظ على الحدّ الأدنى من اللباقة!

الموعد المفصلي لهذه الإدارة قد تكون الانتخابات النصفية في بداية تشريه الثاني. وليس من الصدف أن تكون رزمة العقوبات الخانقة على إيران والجديدة على روسيا موعدها في تشرين الثاني. فإذا استطاع الحزب الجمهوري الحفاظ على أكثريته في الكونغرس فهذا سيبعد شبح "الإقالة" للرئيس حتى إشعار آخر هذا إن لم تتوقّف نهائيا مهمة المحقق الاتحادي روبرت مولر. وليس هناك من دليل على إمكانية فوز الديمقراطيين في الانتخابات بسبب الأزمة الداخلية في الحزب بين الحرس القديم الذي شاخ وصاحب المواقف الوسطية المحافظة في قضايا المعيشية الأميركية وبين الشباب الذين يريدون تغييرا حقيقيا في الأداء والسياسات.

أستطاع الرئيس الأميركي تحييد الإدارة العميقة التي هدّد في بداية ولايته "تجفيف المستنقع" وذلك عبر إرضاء المؤسسة العسكرية والفعّاليات المالية مع تخفيض غير مسبوق للضرائب على الشرائح العالية من أصحاب الدخل. بالمقابل، تستفيد الدولة العميقة من رئيس يعطيها كل ما يريد دون أن تتحمّل سلبيات سياساته. كما أن البديل عنه هو نائب رئيس معروف بتعصّبه وضيق أفقه الفكري والسياسي وتمسكّه بإيديولوجية قد تجلب الكوارث للولايات المتحدة.

أما على الصعيد الخارجي فقمّة هلسنكي أفضت إلى تفاهم مع الرئيس الروسي يمهّد لخروج الولايات المتحدة من الإقليم مع حفظ ماء الوجه يتجلّى اليوم في تأجيل معركة إدلب إلى ما بعد تشرين الثاني حيث يأمل الرئيس الأميركي التخلّص من الابتزاز الداخلي. فلا يمكن استبعاد مقايضات في موضوع التموضع في شرق الفرات مع تدرّج في تفكيك جماعات التعصّب والغلو والتوحّش على يد تركيا وتجنّب معركة دموية وتدخّل عسكري لا يستطيع أحد ضبط إيقاعه وحدوده في ظل موازين قوّة ليست لصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، أي الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، وحتى تركيا التي ما زالت تتأرجح بين المعسكر الأطلسي والتفاهم مع روسيا وإيران.

في سياق سياسة الولايات المتحدة تجاه ما سُمّي ب "صفقة القرن" والضجيج الإعلامي حوله والذي قد لا يتجاوز مرحلة الضجيج لأن الفريق الفلسطيني الذي يمكنه تمرير تلك الصفقة غير موجود ولأن النظام الرسمي العربي أثبت عجزه عن فرض ضغوط على النخب الفلسطينية فما بال الشعب الفلسطيني برمتّه. ففي ذلك السياق نسأل ما هي دقة الاستنتاجات التي تفضي أن الرئيس الأميركي يحظى بدعم اللوبي الصهيوني وحكومة الكيان؟  فإذا كان ذلك صحيحا، ونشكّ بذلك لأن الكيان واللوبي دعما بشكل مباشر وصريح هيلاري كلنتون في الانتخابات الرئاسية. من جهة أخرى، حتى بعد انتخاب دونالد ترامب لم تتجاوز العلاقة بين حكومة نتانياهو واللوبي الصهيوني العلاقة مع صهر الرئيس جارد كوشنر. الجهة التي تقود الحملة على الرئيس الأميركي هي ما يُسمّى بالإعلام المهيمن أو الشركاتي. فهذا الإعلام تملكه ست شركات معظم مديريها من الجالية اليهودية الداعمة للكيان الصهيوني. كما أن معظم رؤوسا تحرير والمسؤولين في مختلف أشكال وسائل الإعلام من الجالية اليهودية الموالية للحركة الصهيونية. فهذا الإعلام لا يكترث إلى تدمير الرئيس الأميركي المعتبر من أهم الداعمين للكيان والذي أقدم على خطوات لم يتجرّأ عليها أسلافه كنقل السفارة الأميركية إلى القدس. فإذا كل خطوات الرئيس الأميركي تجاه إسرائيل لا تشفع له عند الاعلام الأميركي فذلك مؤشر على أن العلاقة بين الرئيس الأميركي والكيان واللوبي الصهيوني ليست كما يصفها العديد من المراقبين. أقتضى التوضيح.

على الصعيد الاقتصادي نشهد تطوّرا هاما في السياسات النقدية التي يرسمها الاتحاد الاحتياطي. فالأخير هو المصرف المركزي للولايات المتحدة والجدير بالذكر هو أنه المصرف المركزي الوحيد المملوك من مصارف خاصة كمجوعة بنك روتشيلد. المصرف المركزي الأميركي بدأ سياسة تقليص التسهيل الكمّي (quantitative easing) الذي يخفّض عرض الدولار في الأسواق المالية العالمية وذلك للحفاظ على سعر الصرف تجاه العملات الأخرى. كما أن المصرف المركزي عاد إلى رفع تدريجي للفوائد وخاصة على سندات الخزينة لجعل كلفة الاقتراض أعلى بغية تخفيض وتيرة الاستدانة العامة والخاصة التي تهدّد الهيكل الاقتصادي. كما أن هذه الإجراءات تواكب (صدفة؟؟؟) مع الحروب التجارية التي تشنّها الإدارة على عدد من الدول الصديقة والمنافسة للولايات المتحدة.

ثانيا-المشهد الأوروبي

كما ذكرنا في التقرير السابق، فإن التصدّع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مستمر كما هو الحال داخل دول الاتحاد. فالانتخابات الأخيرة في السويد تؤكّد صعود الحركات الشعبوية المناهضة لسياسات العولمة التي تطمس الهويات الوطنية. فالعصبيات القومية الأوروبية تشهد حالة استنهاض تزيد من التفاقم مع سياسات مؤسسات الاتحاد الأوروبي وتربك حكومات دول الاتحاد. كما أن مسألة الهجرة ونزوح اللاجئين من شرق وجنوب المتوسط أفضت إلى تشريعات في عدد من الدوّل تجرّم من يقدّم المساعدات للوفود المهاجرة.

من جهة أخرى تستمر المملكة المتحدة في حملتها على روسيا عبر استغلال القضية المفتعلة لمحاولة قتل الجاسوس الروسي المزدوج، والمعروفة بقضية سكريبال. فما زالت حكومة تريزا ماي مصممة على التهجّم على روسيا وإن كانت الدلائل ضعيفة أو حتى غير موجودة كما فنّد العديد من المحلّلين الادعاءات البريطانية. فعلى ما يبدو، أصبح الغرب يعيش في حالة اعتبار الاتهام الدليل القاطع دون ضرورة إبراز دلائل! 

وعلى الصعيد الداخلي البريطاني يبدو أن الحملة ضد زعيم حزب العمّال جريمي كوربين باتهامه معاديا للصهيونية قد أدّت إلى تراجعه عن انتقاد الكيان الصهيوني.

أما في ألمانيا، استطاعت المستشارة انجيلا مركل من تأليف حكومة ائتلافية غير أن الهشاشة التي تسود ذلك الائتلاف تنذر بعدم استمراره وسقوط الحكومة قبل نهاية الولاية.

في فرنسا تراجع كبير لشعبية الرئيس الفرنسي ماكرون يهدّد فرصه لترشيح ناجخ لولاية ثانية. الجدير بالذكر أنه مستمر بتدمير مقوّمات الموروث السياسي الفرنسي عبر نقده للإرث الاستعماري لفرنسا وخاصة اعترافه باستعمال التعذيب خلال حرب التحرير الجزائرية. فإذا كن ذلك الموقف إيجابيا تجاه الدول التي استعمرتها فرنسا فإن تداعيات ذلك الموقف تؤجّج شعور الامتعاض داخل أروقة النخب الفرنسية وتعتبرها انتقاصا من مكوّنات الدولة-الأمة الفرنسية. فذلك الموقف يتماهى مع دفاع الرئيس الفرنسي عن العولمة ضرورة إخضاع الدولة الوطنية لمقتضيات العولمة، وهذا ما يثير حفيظة العديد من الفرنسيين خاصة وأن سياساته الاقتصادية الداخلي تؤجّج الصراع الطبقي والاجتماعي.

الخاصرة الرخوة في الاتحاد الأوروبي قد تكون إيطاليا. فتنامي الشعور المناهض للاتحاد قد ينسحب على سائر الدول الأوروبية. إيطاليا تقود التمسّك بالهويات الوطنية وهي الدولة المؤسسة للسوق المشترك الذي مهّد لإقامة الاتحاد الأوروبي. من هنا نفهم خطورة التطوّرات التي قد تحصل في إيطاليا في مقاربتها لملفّ النازحين واللاجئين حيث يبحث تشريع تجريم كل من يساعد اللاجئين دخول إيطاليا بطريقة غير شرعية.

ثالثا-مشهد دول البريكس

عند تحرير هذا التقرير تجري أضخم مناورات عسكرية مشتركة في العالم بين كل من روسيا والصين، وتضم أكثر من 300 ألف جندي من مختلف القوّات المسلّحة الجوّية، والصاروخية، والبحرية، والمشاة، والمدفعية، والفرق الخاصة. هذه المناورات بمثابة رسالة للعالم أجمع أن التحالف الروسي الصيني ليس تحالفا سياسيا واقتصاديا فحسب بل هو تحالف له أنياب لا يمكن الاستهانة بها خاصة وأن جاءت بعض العرض العسكري العام الماضي للقوّات الصينية التي ظهر أن أكثر من خمسين بالمائة من السلاح المعروض سلاح جديد لم يعرف عنه الغرب. كما أن ما كشفه الرئيس الروسي في خطابه للأمة في مطلع شهر آذار/مارس 2018 عن السلاح الروسي المتفوّق تكنولوجيا على السلاح الغربي حيث أصبح كاسرا للتوازن العسكري النوعي بين السلاح الغربي والسلاح الروسي، ما جعل أيضا الأساطيل الغربية مجرّد خردة عائمة بانتظار أن تغرقها الصواريخ الأسرع من سرعة الصوت بكثير والمموّهة والتي يمكن إطلاقها من منصّات متحرّكة وطائرة فيصعب رصدها والتصدّي لها.

البعد العسكري للتحالف الروسي الصيني أضاف أبعادا جديدة على المتغيّرات والتحوّلات الدولية والإقليمية ما اكّد تراجع المحور الغربي وتقدّم المحور الشرقي. وهذا يعطي قوّة دفع إضافية للدبلوماسية الروسية في التعامل مع تركيا من جهة، وللدبلوماسية الصينية في أزمة شبه الجزيرة الكورية. وعند تحرير هذ التقرير تفيد وكالات الأخبار عن اللقاء بين رئيسي الكوريتين في العاصمة الشمالية والذي قارب ملف السلام بين الدولتين، وأهم من ذلك نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة مما يعني في مستقبل قد لا يكون بعيدا الخروج الأميركي النووي من المنطقة.

التحالف الروسي الصيني ينعكس في الحضور السياسي والاقتصادي في ساحات المشرق العربي سواء في قضايا محاربة جماعات التعصّب والغلو والتوحش، أو في ملفّات إعادة إعمار المشرق العربي بشكل عام وخاصة في بلاد الشام والرافدين، وذلك تجسيدا لمشروع خط الحرير الجديد أو الحزام الواحد الطريق الواحد لتوحيد الكتلة الاوراسية. وعلى ما يبدو قد يكون ذلك الحضور على حساب الحضور التقليدي للدول الغربية والخليجية التي خسرت رهاناتها في كل من سورية والعراق.

من جهة أخرى أصدر صندوق النقد الدولي تقريرا يعتبر فيه الرممبي (يونان) العملة الصينية من النقد الاحتياطي العالمي. هذا من شأنه تخفيض الارتكاز على الدولار وتكريس الصعود والحضور الاقتصادي والمالي للصين. كما سيعزّز الجهود لإنشاء نظام نقدي دولي موازيا للدولار في مرحلة أولى تمهيدا للخروج من منظومة الدولار فيما لو استمرّت الولايات المتحدة في الامعان في البلطجة السياسية والاقتصادية مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.

إلى جانب دول البريكس حصل تحولا كبيرا في المعادلات الآسيوية حيث حصل التغيير في المشهد الباكستاني مع وصول عمران خان إلى الحكم. وهذا التحوّل ليس لمصلحة الولايات المتحدة ولبلاد الحرمين الشريفين التي كانت تعتبر باكستان ركيزتها الأساسية على صعيد العالم الإسلامي. فبكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تملك القنبلة النووية ووزنها في معادلات الدول الإسلامية كبير جدا. فالتغيير الذي حصل يعني تراجعا كبيرا لنفوذ حكومة الرياض في الدول الإسلامية كما أنه يعني فقدان احتياط بشري كانت تعتقد بإمكانها توظيفه لصالح سياساتها في الجزيرة العربية والعالم الاسلامي. فالتوجّه الباكستاني نحو التفاهم مع كل من الجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا وروسيا يقلب المعادلات الجيوسياسية التي كانت تعتمد عليها الولايات المتحدة. ومن المتوقع دخول في وقت لاحق باكستان منظومة شانغهاي الأمنية حيث تصبح باكستان محطة مركزية في خط الحرير أو خط الحزام الواحد الطريق الواحد التي تبنيه الصين في مشروعها التواصلي في القارة الآسيوية وصول إلى الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط.

رابعا-المستجدّات الإقليمية

أ-الكيان الصهيوني

ما زالت الأحداث المتسارعة في المشهد الإقليمي والدولي تشير إلى تراجع ملموس في مكانة الكيان الصهيوني إقليميا ودوليا. فإضافة إلى ما ذكرناه في تقريرنا للمؤتمر القومي العربي في دورته الأخيرة فإن حالة الإرباك باتت واضحة في الكيان إبان المواجهة مع كل من المقاومة في غزّة وفي سورية.

فعلى صعيد المواجهة في غزّة مع المقاومة كان الكيان مبادرا في السعي إلى تحقيق هدنة مع المقاومة. والمعلومات التي توفرّت تفيد أنها عرضت طويلة وفكّ الحصار وحتى إعادة بناء مطار وتأهيل المرفأ في غزّة. غير أن معلومات أفادت أن حكومة الرياض ضغطت على الوساطة المصرية لإيقاف التفاوض بهذا الشأن. ولكن بغض النظر عن دقّة المعلومات حول من أوقف المفاوضات فإن مجرّد سعي الكيان لتحقيق الهدنة هو دليل على تراجع المكانة. كما أن قواعد الاشتباك التي فرضتها المقاومة، أي صاروخ مقابل صاروخ، تعني أيضا عجز الكيان عن فرض قوانينه هو.

أما على صعيد المواجهة في سورية، فإن العدوان الأخير على مواقع في منطقة اللاذقية والتي أسفرت عن سقوط طائرة روسية، فلذلك العدوان دلالات عدّة.

أولا، سرعة التأسف على سقوط ضحايا روس يؤكّد مسؤولية الكيان في إسقاط الطائرة ولو بصواريخ دفاع سورية. فذلك يدلّ على إخفاق في التنسيق مع الطرف الروسي في الحد الأدنى أو إلى تعمّد في إحراج روسيا، وفي كلا الحالتين تداعيات سلبية على الكيان. فقرار الرئيس الروسي بامتصاص الحادث ومعالجته مع الكيان بشكل هادئ يقلب الطاولة على القرار الأميركي بتنفيذ صهيوني.

ثانيا، الاتصال السريع لرئيس وزراء الكيان بالرئيس الروسي دليل على إرباك وخشية من تداعيات "الخطأ" الذي حصل. فإغضاب روسيا التي أصبحت قبلة التوجّه الصهيوني هذا العام بعد تراجع نفوذ وتأثير الولايات المتحدة على اللاعبين في المشهد الإقليمي في الحرب الكونية على سورية يعني أن الكيان غير مستعد لخسارة التنسيق مع روسيا وتحمّل تداعياته العسكرية والسياسية. بالمقابل، فليس من السهل على الرئيس الروسي تلقّي تلك الصفعة دون أن تكون لها نتائج وإن تغلّب على غضبه العقل فكان التريّث والهدوء في الرد خلافا لرد وزير الدفاع الروسي الذي حمّل مباشرة الكيان مسؤولية التعمّد في إسقاط الطائرة الروسية. في قراءتنا الاستشرافية، نعتقد أن روسيا أصبحت تعي مدى خطورة الكيان على استراتيجيتها في المنطق والعالم وأنه أداة في الحرب الهجينة القائمة بين الولايات المتحدة وروسيا. فالولايات المتحدة تعاقب روسيا لمنعها من السيطرة على الكتلة الاوراسية كما صرّح وسّ ميتشل مساعد وزير الخارجية الأميركية في جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي للجنة العلاقات الخارجية. فلا نستبعد مراجعة روسية للعلاقة مع الكيان الصهيوني.

ثالثا، يبدو أن العدوان الأخير الذي تلازم مع نهاية قمّة سوتشي التي جمعت الرئيس الروسي بالرئيس التركي اردوغان والتفاهم على تفكيك جبهة النصرة ونزع السلاح، أغضب كل من الولايات المتحدة وفرنسا. فقد تكون الغارة قرارا أميركيا بتنفيذ صهيوني سواء كان بإجماع القيادة الصهيوني أو عبر جهة ما داخل الكيان مرتبطة مع الأجهزة والقرار الأميركي. فلا يمكن أن يغيب عن البال تصريح رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي بولتون الذي أعلن أن سياسة الولايات المتحدة هي إغراق روسيا في المستنقع الروسي ولا زيارته الأخيرة للكيان. فجاءت قمة سوتشي الأخيرة لتحمّل تركيا مسؤولية معالجة جبهة النصرة وتجنيب الدولة السورية وحلفائها أعباء معركة دموية، وأهم من كل ذلك نزع ذريعة "الكارثة الإنسانية" من جرّاء العمليات العسكرية وخاصة "التنبؤ" لاستعمال السلاح الكيميائي من قبل الجيش العربي السورية ضد المدنيين لتبرير تدخّلا عسكريا ما. فكان لا بد من ردّة فعل لإرباك كل من سورية، وروسيا، وحتى تركيا. لكن في تقديرنا، وكالعادة، لم تكن الحسابات والرهانات دقيقة.

رابعا، نعتقد أن نتائج الغارة غير المحسوبة الأبعاد ستؤدّي إلى تزويد سورية بوسائل دفاع جوّي أكثر تطوّرا مما تملكه الآن لدرء عن روسيا عبء ومسؤولية الاشتباك المباشر مع الكيان وفي مرحلة لاحقة ربما مع قوى التحالف الأميركي. فهناك وسائل عديدة لعدم الانجرار إلى "المستنقع" كما يتمنّى جون بولتون ودون كلفة التشكيك بمصداقية روسيا مع حلفائها. فتكون النتيجة الصافية للعدوان الأخير المزيد في تحسين القدرات السورية وصولا ربما إلى كسر التوازن العسكري الثنائي بين الكيان وسورية.

خامسا-ونعتقد أن الموقف الروسي الجديد يؤدّي عمليا إلى تغيير في قواعد الاشتباك مع الكيان الصهيوني في سورية، جوّا أو أرضا أو بحرا. وهذا سيزيد من القيود ومحدودية التحرّك الصهيوني في المشهد السوري.

ب-الجمهورية الإسلامية في إيران

خلال الشهرين الماضيين (تموز/آب) شهدت إيران المزيد من المحاولات والضغوط الاقتصادية بغية خلق حالة احتجاجية في إيران ضد نظام الحكم وسياساته. وسياسة العقوبات التي تفرضها الإدارة الأميركية ليست بجديدة فهي تعود إلى قيام الجمهورية الإسلامية منذ حوالي أربعين سنة ولم تفلح في تغيير سياساتها المناهضة للكيان الصهيوني والهيمنة الأميركية. فبالعكس استطاعت الجمهورية الإسلامية الاعتماد على النفس رغم الحصار المطبق عليها.

المقاربة التي نقدّمها في هذا التقرير مستمدّة من مقاربة نشرنها سابقا ونعيدها في هذا التقرير لأنها تدحض سياسة العقوبات التي تحاول فرضها الولايات المتحدة. فهي دليل عن عجز في السياسة والميدان العسكري ويؤكّد تقييمنا حول تراجع قدرة ونفوذ الولايات المتحدة. ففعّالية العقوبات تتوقّف على جهوزية الدول والقوى المستهدفة على التعامل معها. فبالنسبة للجمهورية الإسلامية في إيران هناك رأي سائد في الولايات المتحدة وبعض الدول العربية أن المشهد الاقتصادي الإيراني هشّ للغاية ولن يصمد أمام خشونة وقساوة العقوبات. لا نعتقد أن ذلك التقدير دقيق وفي مكانه. صحيح أن المشهد الاقتصادي الإيراني يشير إلى صعوبات كبيرة لكن بالمقابل نُذكّر أن هناك حصارا مفروض على الجمهورية الإسلامية منذ قيامها من قبل الولايات المتحدة والدول التابعة لها في الإقليم. وبالتالي فإن صمود الجمهورية الإسلامية خلال أربعة عقود دليل على قدرة على التكيّف مع الحصار. هذا لا يعني أن كل شيء هو على ما يرام. فهناك ضيق اقتصادي يعود إلى عوامل خارجية وداخلية في آن واحد تستوجب بحثا منفصلا خارج المساحة المتاحة في هذه التقرير. فالتركيز يكون على العامل الخارجي في عدم استقرار سوق النفط الذي يؤثّر على الواردات التي تشكّل حوالي 80 بالمائة من واردات الدولة في الحد الأدنى أو إلى إغلاق السوق النفطي بوجه إيران لخنقها. وبالتالي يصبح الانكشاف تجاه النفط مصدر ضغط على الحكومة الإيرانية. فهدف العقوبات هو تجفيف وجهات التصدير لإيران عبر تهديد كل من يتعامل معها.

أما تداعيات العقوبات على إيران فقد تتعلّق بمشاريع الاستثمارات الجديدة التي لن تتوقف في رأينا بل قد تتباطأ حتى ينجلي الموقف السياسي. بعض الشركات أعلنت التزامها بالعقوبات وبادرت إلى إيقاف نشاطاتها. بالمقابل هناك مساعي للاستمرار بالتعامل مع الجمهورية الإسلامية عبر شركات لا علاقة تجارية أو مالية بالولايات المتحدة، ما يشكّل تحايلا على الإجراءات الأميركية. لكن كل ذلك يقع في خانة المستقبل الذي تؤثر به عدّة عوامل خارج سيطرة الإدارة الأميركية. أما في المرحلة القصيرة فالتركيز هو على الصدمة النفسية التي يشكّلها تدهور الريال الإيراني والتي تراهن عليها الإدارة الأميركية ومن يتبع سياساتها. أما على صعيد النفط فالموضوع أكثر صعوبة بالنسبة للإدارة الأميركية.

فإذا ما دقّقنا في الموضوع النفطي الذي يشكّل نقطة ارتكاز في منظومة العقوبات الأميركية نجد أن المستورد الأكبر للنفط الإيراني هي الصين التي تشكّل حوالي 30 بالمائة من إجمالي الصادرات الإيرانية. والصين أعلنت أنها غير ملتزمة بالقرارات الأميركية. أضف إلى ذلك، فإن التحوّل السياسي في باكستان التي هي بحاجة إلى النفط تجعل من باكستان سوقا طبيعيا للنفط الإيراني. فالموقف الباكستاني السلبي المستجد من السياسات الأميركية قد لا يكون ظرفيا بل تحوّلا استراتيجيا مما يضعف في آخر المطاف فعّالية الضغوط على إيران.

وعلى شمال غرب إيران هناك أيضا تركيا التي لا تنتج النفط وهي بحاجة له وتشكّل حوالي 10 بالمائة من الصادرات الاجمالية الإيرانية. هذا وقد أعلنت تركيا أنها غير ملتزمة بالقرارات الأميركية خاصة في مناخ متوتّر في العلاقات بينهما ما يجعل تركيا متنفّسا آخرا للصادرات النفطية الإيرانية. فلا ننسى أن سياسة إيران بالتنسيق مع روسيا تسعى إلى زيادة التبادل التجاري الاجمالي التركي إلى 300 مليار دولار مقارنة ما هي عليه الآن بحوالي 100 مليار دولار. أي روسيا وإيران ستشكّلان ثلثي التجارة الخارجية التركية بعد تنميتها ما يكرّس التحوّل الاستراتيجي التركي المرتقب.

أما الهند، وهي دولة مؤسّسة في مجموعة البريكس فهي تستورد ما يوازي 19 بالمائة من إجمالي الصادرات الإيرانية وبالتالي إذا كانت سياسة البريكس مواجهة القرارات الأميركية فإن الهند ستجد صعوبة في الخروج عن ذلك التوجّه وإن كان الدور الباكستاني المرتقب المتقارب مع إيران قد يشكّل مصدر تنافس إضافي مع جاراتها الشرقية.

يبقى موقف الاتحاد الأوروبي الملتبس حتى الساعة. فليست كل دول الأعضاء على استعداد لمجابهة الولايات المتحدة كما أن هناك دولا وازنة طفح الكيل عندها من سياسات الولايات المتحدة كألمانيا. حتى الساعة ليس هناك من جديد ولكن نعتقد أن العلاقة مع إيران هي حاجة أوروبية أكثر مما هي حاجة إيرانية دون انكار أهمية الاستثمارات الأوروبية في الاقتصاد الإيراني. فأوروبا بحاجة أن تكون حاضرة في دولة لها موارد تّقدّر بأكثر من 21 تريليون دولار وفقا لعدة تقارير أضافة إلى احتياجاتها في الطاقة النفطية والغازية.

هذه المقاربة السريعة للبعد النفطي والتجاري الإيراني يجعل من فعّالية العقوبات محدودة على ذلك الصعيد وإن كانت ستكون مؤلمة ولكن غير قاتلة. وهنا لا بد من الإشارة أن بنية الاقتصاد الإيراني تشير إلى تنوّع متزايد حيث القطاع الزراعي يشكّل حوالي 10 بالمائة من الناتج الداخلي وقطاع الصناعة حوالي 36 بالمائة بينما قطاع الخدمات يشكّل 55 بالمائة من الناتج الإجمالي المقدّر ب 435 مليار دولار.  لكن هذه الأرقام الكلّية لا يتكلّم عنها الاعلام الغربي أو العربي التابع بينما يتمّ التركيز على الانهيار المصطنع لسعر الصرف للريال الإيراني تجاه الدولار كما تفيد تقارير موقع بلومبرغ، وسي أن بي سي، وفورين بوليسي على سبيل المثال. والتركيز يبرز نسب قياسية من الانخفاض ليوحي حالة الإفلاس المرتقب. وهذه التقارير مبرمجة ومنسّقة تحمل الكثير من الرغبات والقليل من الموضوعية ما يجعلها غير ذي جدوى بل ميزانا فقط للمزاج الغربي.

فهنا أيضا محاولة للتضليل. فسعر صرف العملة الوطنية يعكس أساسا انكشاف الاقتصاد الوطني تجاه الخارج عبر ميزان تجاري سلبي، أو ميزان جاري سلبي في ميزان المدفوعات، أو عن دين خارجي مستحق، وجميعها تصبّ في طلب متزايد للدولار. لكن الأرقام التي تبرزها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تشير أن الميزان التجاري الخارجي الإيراني إيجابي، أي أن الصادرات تفوق الاستيراد ب 20 مليار دولار. تفيد أيضا الأرقام أن ميزان الحساب الجاري في ميزان المدفوعات والذي يعبّر عن الدخل الخارجي الصافي لإيران أنه أيضا إيجابي بمقدار 21،6 مليار دولار لعام 2017 وزيادة عن عام 2016 بمقدار 4 مليار دولار. أي هنا أيضا تدفق من النقد الخارجي كدخل وليس كقروض أو ديون. أما ميزان المدفوعات العام فلم يعلن تقرير وكالة الاستخبارات المركزية عن الرقم ولكن لاحظنا أن قيمة الاحتياط في النقد الخارجي مستقرّة حوالي 133 مليار دولار.

سردنا هذه الأرقام بشكل سريع لتبيان أن المشهد الاقتصادي الإيراني لا يبرّر أي هبوط لسعر الصرف لأن الطلب على الدولار للاحتياجات الاقتصادية محدود ومرتبط بما أشرنا إليه أعلاه. إذن، هبوط سعر الصرف يعود إلى المضاربة التي هدفها ضرب الاستقرار الداخلي والتأثير على نفوس الإيرانيين ليُقبلوا على الهروب من العملة الوطنية. لكن حسابات الحقل لم تكن مطابقة لحسابات البيدر بمعنى أن القيمة الشرائية للعملة الوطنية أي الريال الإيراني ما زالت تحافظ على مستواها في الداخل الإيراني وأن الهبوط الخارجي تأثيره محدود بل قد يتحوّل إلى حافز للصادرات الإيرانية. غير أن بعض الإجراءات كالحظر على استيراد بعض السلع (موقع ميدل ايست اونلين أشار إلى 1300 سلعة) أدّى إلى إضراب في البازار في طهران احتجاجا على ذلك. لسنا في إطار الدخول في تقييم الإجراءات التي اتخذتها أو التي قد تتخذها السلطات في إيران والتي قد تثير بعض نقط الاستفهام، لكن ما يهمّنا التركيز عليه هو أن الهجوم على الريال هو لأسباب سياسية فقط وليس لغرض آخر. ما يعزّز تقديرنا هو أن حجم الدين العام الإجمالي المكفول في إيران لا يتجاوز 61 مليار دولار أي 14،2 بالمائة من الإنتاج الداخلي، أي بمرتبة 175 في العالم (لبنان في المرتبة الثالثة ب 142 بالمائة بعد اليابان ب 223 بالمائة واليونان ب 180 بالمائة!!!). غير أن الشق الخارجي للدين العام الإيراني لا يتجاوز 11 مليار دولار، أي 3 بالمائة من الناتج الداخلي، ويأتي في المرتبة 112 في العالم. أي ليس هناك أي مبرّر لاعتبار الاقتصاد الإيراني في الحضيض أو حتى في حالة ضيق تستدعي مراجعات هيكلية!  وإذا أضفنا عدم وجود ثقافة الاسراف التي تؤكّدها إحصاءات وكالة الاستخبارات المركزية فمستوى مدّخرات الوطنية الاجمالية في إيران لعام 2017 هو 41،5 بالمائة من الناتج الإجمالي، وهو السابع في العالم بعد سورينام (50 بالمائة) وقطر 48،8 بالمائة والصين 45 بالمائة، وهي زيادة عن عام 2016 بخمس نقاط. هذا يعني ثقافة الانفاق الاستهلاكي الذي يستنزف الاقتصادات ملجومة ما يخفّف من الطلب على الدولار.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن حوالي 60 بالمائة من الاقتصاد الوطني بيد القطاع العام فذلك يعني أن القدرة على السيطرة المباشرة لمجريات الأمور على الصعيد الداخلي كبيرة، خلافا لما هو عليه في تركيا. فالأخيرة اقتصادها بيد القطاع الخاص ومنكشف إلى حد كبير تجاه الخارج حيث الحكومات التركية المتتالية منذ بداية الألفية اتبعت سياسة الاقتراض الخارجي واللجوء إلى الاستثمار الخارجي لتفعيل التنمية الداخلية. في هذه الحال قد يكون تدهور سعر الصرف لليرة تركية أكثر أذى من أيران وإن قد يكون حافزا أيضا بدوره للتصدير التركي وللسياحة الوافدة. فالوضع مختلف في الجمهورية الإسلامية في إيران من ناحية الانكشاف تجاه الخارج وفعّالية المضاربة قد تكون محدودة إذا ما تمّ تجفيف مصادر الريال الإيراني خارج إطار النظام المؤسّسي المالي الإيراني.

انخفاض الريال يعود أساسا للمضاربة ولأهداف سياسية واضحة. فعلى فترة عدّة سنوات تمّ تكديس الريال الإيراني لدى "شركاء" تجاريين مع إيران لمثل هذا اليوم. وهذا السيناريو هو نفسه الذي استعمل في الهجوم على الليرة السورية ولنفس الأغراض ولم تنجح المحاولة آنذاك في تحقيق أهدافها ولا نعتقد أنها ستنجح اليوم رغم الزعيق الإعلامي المبرمج. فالمسألة أولا وأخيرا مسألة سياسية بامتياز.

ت-تركيا

المستجد في الموقف التركي والذي قدّمناه في ورقة سابقة تمّ توزيعها وقُدمت في التقرير للمؤتمر القومي العربي في الدورة الأخيرة هو لقاء الرئيس التركي اردوغان مع الرئيس الروسي في سوتشي في 17 أيلول/سبتمبر 2018، والذي أتى على أعقاب القمّة الثلاثية في طهران قبل حوالي أسبوعين من ذلك اللقاء والذي ضمّ كل من الرئيس الإيراني والروسي والتركي.

الاعلام آنذاك سلّط الأضواء على الموقف التركي الرافض لحيثيات معركة استعادة إدلب إلى كنف الدولة السورية. واستفاض الاعلام المناهض لمحور المقاومة في التركيز على ما سمّاه "فشل" تلك القمّة. غير أن قمّة سوتشي أتت بنتائج عكسية ومخيّبة لأمال المحور المناهض لمحور المقاومة عبر توكيل تركيا مسؤولية تفكيك جبهة النصرة في محافظة إدلب خلال مدّة شهر ونزع السلاح الثقيل والمتوسّط خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر وتأمين منطقة منزوعة السلاح عرضها حوالي 20 كيلومتر. هذا التوكيل لتركيا أغضب الإدارة الأميركية والصهيونية فكان العدوان على سورية في منطقة اللاذقية وإسقاط طائرة روسية.

ردّة الفعل الأميركية على قمّة سوتشي والعدوان الصهيوني الذي تبعه قد يساهمان في حسم التردّد التركي لمصلحة المزيد من الانخراط في محور الروسي الإيراني. فذلك المحور كرّس الدور التركي في سورية بشكل لم تكن ترغبه الإدارة الأميركية. وبالتالي ستصبح تركيا أكثر التزاما بتحقيق "نجاح" ما في موضوع إدلب يكرّس دورها في الحل السياسي المرتقب في سورية وذلك عبر طمأنتها في الملفّ الكردي الذي يقلقها. وما يزيد من الطين بلّة بالنسبة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني هو المعلومات التي أفادت أن التنسيق كان كاملا بين روسيا وسورية وإيران في اتفاق سوتشي.

قراءتنا للمسار التركي منذ محاولة الانقلاب في تركيا تشير أن الحكمة والصبر الروسي والإيراني يساهمان في ترويض الرئيس التركي وتحييد تركيا من تداعيات وجودها في الحلف الأطلسي. كما لا بد من التنويه ببعد نظر القيادة السورية التي تعضّ على الجرح الكبير الذي سببته تركيا في تمويل وتدريب واحتضان جماعات التعصّب والغلو والتوحّش واحتلالها للأرض في شمال سورية. ففي الحد الأدنى تحقّق روسيا وإيران تحييد تركيا وفي الحد الأقصى تساعدها على الخروج منه ومن فلك الغرب بشكل عام. وقد أشرنا أن هذه اللعبة الكبرى في المشرق في القرن الحادي والعشرين اسوة باللعبة الكبرى في أفغانستان في القرن التاسع عشر. فذلك يكرّس ويحمي وجود روسيا في البحر المتوسط مع كل تداعياه الجيوسياسية.

هذا لا يعني أن مشروع تحييد تركيا غير محفوف بالمخاطر. فالرئيس التركي حريص على الحفاظ على هامش كبير من المناورة لابتزاز كل من روسيا وإيران من جهة والولايات المتحدة والغرب من جهة أخرى. في رأينا، المعيار الحقيقي الذي لن يقبل أي التباس في يقين الموقف التركي هو موقف تركيا من الكيان الصهيوني الذي في أحسن الأحوال موقف ملتبس وفي أسوأ الأحوال مناصر له. من المبكر التكهّن عما ستسفر عليه التطوّرات غير أن إذا ما حسمت تركيا أمرها وتوجّهت نحو الشرق، وهذا ما يفرضه منطق تغيير موازين القوّة والتحوّلات التي سببته، فذلك يعني قطع العلاقة مع الكيان في الحد الأقصى أو تفريغها من أي مضمون سياسي وعسكري وتجاري يذكر في الحد الأدنى.

وأخيرا، فيما يتعلّق بالواقع الاقتصادي في تركيا، فشهدت البلد مؤخّرا هجوما على الليرة التركية التي تراجع سعر صرفها تجاه الدولار أدّت إلى انخفاض تجاوز نسبة 30 بالمائة لشهر آب/أغسطس. المصادر الغربية تفسّر التراجع في سعر صرف الليرة التركية إلى المشاكل الاقتصادية البنيوية من حيث حجم الاستدانة لتمويل النشاط الاقتصادي الذي قارب نموّه حوالي 7 بالمائة سنويا لعقد من الزمن. وإذا كانت الاستدانة تشكّل رافعة للنمو فإنها أيضا نقطة ضعف وانكشاف تجاه المموّل خاصة إدا كان خارجيا. المساحة المتاحة لشرح مفاصل الأزمة الاقتصادية التركية لا تسمح لنا بالاستفاضة كما عرضنا بالنسبة للجمهورية الإسلامية في إيران. غير أن الخلاصة الأساسية هي أن التراجع الاقتصادي سواء في سعر الصرف أو النمو يعود لعاملين أساسيين: العامل البنيوي الذي يكشف الاقتصاد التركي تجاه الخارج والعامل الخارجي الذي يعكس الضغوط الخارجية على القيادة السياسية في تركيا لتغيير مسار سلوكها في المرحلة الراهنة والتي لا ترضي أبدا الغرب بشكل عام والولايات المتحدة. فالهجوم على الليرة التركية في الظرف الحالي هو هجوم سياسي بمقدار ما هو انعكاس لواقع اقتصادي بنيوي. غير أن دولا كروسيا وإيران وإلى حدّ ما ألمانيا لا مصلحة لها في انهيار اقتصادي لتركيا وقد تتيح فرصا للخروج من المأزق الذي وقعت فيه تركيا نتيجة الاستسهال في الاستدانة لتحقيق معدّلات نمو كبيرة صُرفت لتحسين مكانة الحزب الحاكم والرئيس التركي ولكن بالمقابل زادت انكشافه وضعفه تجاه العامل الخارجي وخاصة الغربي.

خامسا-المستجدّات في الساحات الساخنة في المشهد العربي

أ-فلسطين

إضافة إلى ما ذكرناه في تقريرنا للمؤتمر القومي العربي في الدورة الأخيرة فما زالت مسيرات العودة مستمرّة في قطاع غزّة إضافة إلى تثبيت قواعد الاشتباك التي تفرضها المقاومة في غزّة مع الكيان الصهيوني.

أما على صعيد المستجدّات فنسجّل انعقاد مؤتمر المنتدى من أجل العدالة في فلسطين في أعقاب انعقاد الدورة التاسعة والعشرين للمؤتمر القومي العربي. وبعد حوالي شهر من انعقاد المنتدى عّقد في بيروت المؤتمر الشعبي الفلسطيني في الخارج الذي أكّد على ثوابت الشعب في المقاومة والاجماع على إعلان فشل نهج المفاوضات مع الكيان. كما جاء في ذلك المؤتمر التأكيد على ما يُسمّى ب "صفقة القرن" لن يجد أي فلسطيني يشارك به رغم الضغوط التي تمارسه بعض الدول العربية على النخب الفلسطينية.

من جهة أخرى، نسجّل مرّة أخرى صلافة موقف الإدارة الأميركية التي قطعت تمويلها لصندوق الاونروا إضافة إلى أقفال مكاتب سفارة فلسطين في الولايات المتحدة وطرد السفير وعائلته. وفي سياق التمعّن في الصلافة واحتقار مؤسسات المجتمع الدولي أطلق رئيس مجلس الأمن القومي تهديدات بالجملة والمفرّق على قضاة المحكمة الجنائية الدولية فيما لو أقدمت على مقاضاة كل من الولايات المتحدة وخاصة الكيان الصهيون لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ب-لبنان

أزمة تشكيل الوزارة في لبنان انعكاس مباشر للتجاذبات الحاصلة في الوطن العربي بني محور المقاومة والمحور المناهض له بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحكومة الرياض وابوظبي. فما زالت قوى لبنانية مرتبطة بمحور تقوده حكومة الرياض مراهنة على "تغيير" ما في موازين القوّة دوليا وإقليميا لمصلحتها خاصة بعد ما أظهرت نتائج الانتخابات النيابية في شهر أيّار/مايو 2018 تراجع المحور المرتبط بالغرب وبحكومة الرياض. والرهان على التأخير في تشكيل الحكومة قد يصل إلى موعد الاستحقاق الانتخابي في بداية تشرين الثاني/نوفمبر 2018 في الولايات المتحدة. فالانتخابات التشريعية النصفية قد تؤدّي إلى تغيير في هوية الأكثرية في الكونغرس حيث يراهن البعض على تغيير في الأكثرية لمصلحة الحزب الديمقراطي الذي يبدو أكثر تشدّدا تجاه روسيا وإيران من الإدارة الحالية كما يمكن أن تمضي تلك الأكثرية الجديدة المأمولة في محاكمة الرئيس الأميركي تمهيدا لعزله.

عير أن هذه المراهنات غير واقعية وتدلّ على عدم معرفة كيف تتصرّف الولايات المتحدة تجاه مختلف الملفّات التي تعكس قدرتها على التأثير. فهذه القوى ما زالت تعتقد أن بإمكان الولايات المتحدة تغيير مسار الأمور في الساحات الساخنة في كل من العراق وسورية واليمن وتقويض نفوذ محور المقاومة وبالتالي التأثير على مجريات الأمور في لبنان. كما أن التنافس بين القيادات السياسية اللبنانية وطموحاتها تزيد من التعقيدات لكن في رأينا قد لا تشكّل عائقا إذا ما تمّ التوافق على حلحلة الأمور في الإقليم أو على الأقل التسليم بأن الأمور لن تتغيّر في المدى المنظور. وبالتالي يصبح التكيّف مع الواقع الجديد من الضرورات للحفاظ على ما تبقّى من نفوذ للمحور الغربي، وربما للبحث عن فرص للاستفادة من مشاريع إعادة الإعمار الضخمة لبلاد الشام والرافدين. لكن بالمقابل، فإن حالة الانكار للتحوّلات والتغيير الحاصل في ميزان القوّة والموجودة في كل من الولايات المتحدة وبعض الدول العربية المرتبطة بها، فإن ذلك الإنكار للواقع قد يساهم في إطالة أزمة عدم تشكيل الحكومة على الأقل في مناخ السعي إلى حكومة توافق وطني تضم جميع الأطراف وفقا للأحجام النيابية. أما إذا ما تعثّرت هذه الجهود لتشكيل حكومة توافقية فقد يشهد لبنان حكومة أكثرية مقابل أقلّية تكرّسٍ عدم الاستقرار وتهدّد السلم الأهلي.

ت-العراق

يوجد في الأزمة الداخلية في العراق والمتمثّلة بالتأخير في تسمية رئيس وزراء بعد الانتخابات النيابية تشابه مع الأزمة اللبنانية. فالتجاذبات الإقليمية والدولية لا تقلّ حدّة عما هي في الساحة اللبنانية بل قد تكون أكثر خطورة لما يشكّل العراق من ثقل بشري وجغرافي واقتصادي في المشرق العربي. كما أن التجاذب الإقليمي والعربي له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي في المنطقة خاصة في جوّ الاحتراب الموجود بين بعض دول الجزيرة العربية والجمهورية الإسلامية في إيران وبعد التصدّعات التي شهدناها داخل مجلس التعاون الخليجي. كما أن للولايات المتحدة مصالح مباشرة في الحد من نفوذ الجمهورية الإسلامية في إيران في الإقليم بشكل عام وخاصة في العراق.

من جهة أخرى هناك تململ واضح لدى شرائح واسعة في المجتمع العراقي من الفساد المستشري في البلاد وتراجع الخدمات الأساسية مما أدّى إلى احتقان كبير في مختلف المدن وحتى في الأماكن التي كان يظن الكثيرون أنها "مضمونة"، أي المدن في جنوب العراق. وقد تفاقم الاحتقان إلى حد الوصول إلى حركات احتجاجية عنيفة في عدد من المدن وخاصة في مدينة البصرة. حاولت قوى سياسية داخلية وخارجية استغلال الاحتقان لأغراض سياسية لمصلحة قوى مناهضة للدور والنفوذ الإيراني في العراق. غير أن حكمة المرجعيات والقيادات الوطنية استطاعت تجاوز خطورة ما حصل في البصرة ما سرّع تسمية رئيس مجلس النوّاب وبانتظار تسمية رئيس الوزراء بعد إظهار كتلة نيابية تحالفية تستطيع الوصول إلى أتفاق في ذلك الموضوع.

لكن ما يمكن أن نستخلصه هو أن الاحتقان لا يُعالج بوصفات سريعة وسطحية بل يتطلّب مقاربة أكثر جدّية وعمقا لمختلف القضايا الخلافية وخاصة في موضوع التجاذبات الإقليمية والدولية دون إغفال القضايا المعيشية والوطنية التي تهمّ المواطن العراقي. وفي رأينا، فإن أي مقاربة للمشهد العراقي من قبل العراقيين والتي لا تتجاوز ثقافة المحاصصة الطائفية والعرقية التي أوجدها المحتلّ الأميركي، والتي لا تحترم وتقدّر عروبة العراق بل تنظر إليه ككتل طائفية تواجه بعضها بعض في العراق والإقليم، والتي لا تستعيد دور العراق الأساسي في المواجهة مع الكيان الصهيوني، فإن تلك المقاربات محكومة بالفشل. وبالتالي، فعلى الدول الإقليمية احترام إرادة العراقيين وخاصة خصوصيتهم، سواء على صعيد المكوّنات الاجتماعية أو على صعيد المكوّنات السياسية والتي تعتبر العروبة هوية العراق دون المساس بالهويات الأخرى.

ث-سورية

الحرب الكونية على سورية حُسمت استراتيجيا لمصلحة الدولة، ووحدة التراب، ولمصلحة القيادة والشعب والدور السوري في الصراع العربي الصهيوني. فأحد الأسباب الرئيسية لتلك الحرب هو إخراج سورية من دورها في الصراع العربي الصهيوني. فهي الداعمة العربية الوحيدة للمقاومة في لبنان وفلسطين. غير أن ما تشهده الساحة من اشتباكات ما هي إلاّ معارك اعتراضية قد تؤخّر في إعلان النصر ولكن لن تلغي المسار الذي أنجزته قوّات الجيش العربي السوري مع حلفائها العرب والإقليميين والدوليين.

معركة إدلب المنتظرة والتي كادت تكون ما قبل الأخيرة قبل استعادة الدولة السورية لكامل سيطرتها على الأرض السورية أصابت المحور المعادي له بالهلع والذعر. فما زال التحالف الكوني العدواني على سورية يتأرجح بين حالة إنكار للهزيمة الاستراتيجية التي مُني بها وبين الرهان على إمكانية إما تغيير المعادلة على الأرض أو، في أسواء الأحوال من وجهة نظرها، تخفيف الخسائر والمحافظة على دور افتراضي وهمي في المشاركة في الحلّ السياسي المرتقب. فالمنتصر يفرض شروطه وليس المهزوم وإن أراد المنتصر أن "يراعي" إلى حدّ ما بعض الاعتبارات لصالح عدوّه المهزوم.

معركة إدلب تمرّ بمسارات تتراوح بين الحسم العسكري وأشكال من التفاوض. التحالف الكوني العدواني على سورية يخشى نجاح التفاوض ويفضّل اللجوء إلى الحسم العسكري ليحاول إعاقة الحل ولاستنزاف الدولة وحلفائها. لذلك يهدّد بالتدخّل المباشر عبر ذرائع يختلقها كذريعة استعمال السلاح الكيميائي من قبل قوّات الجيش العربي السوري وإن بات واضحا عدم صحّة تلك الادعاءات. فالحلف العدواني يكذب دون أن يخضع لأي محاسبة ومسائلة من قبل شعوبه حتى الآن. والتدخّل العسكري له كلفة كبيرة، عليه وعلى سورية، لذلك تجنّب المعركة هو فعل إيجابي إذا أفضى إلى استعادة السيطرة على المحافظة دون إراقة دماء وإن أطالت استحقاق النصر النهائي.

قمّة طهران في مطلع شهر أيلول/سبتمبر 2018 أظهرت رغبة الطرف التركي في تدرّج معركة إدلب. وقمّة سوتشي بين الرئيس الروسي والتركي أوكلت إلى ألأخير مسألة إنهاء جبهة النصرة بالسبل التي يراها مناسبة خلال مدة لا تتجاوز الشهر كما أوكلته نزع السلاح الثقيل والمتوسط. بالمقابل تمّت الموافقة على منطقة منزوعة من السلاح عرضها حوالي 20 كيلومتر إلى أن يقوم الحلّ السياسي الذي يطمئنه من التهديد الكردي له في شمال سورية، إي إلغاء إقامة دويلة كردية على حدوده الجنوبية تحت رعاية أميركية التي برهنت عدم اكتراثها للمطالب التركية. هذا الاتفاق تمّ على ما يبدو بالتفاهم مع الدولة في سورية وإيران وهذا ما أزعج بشكل واضح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني فكان العدوان الصهيوني على مواقع في اللاذقية لإحراج كل من روسيا وتركيا. غير أن النتائج السياسية قد تكون معاكسة تماما وحتى على الصعيد العسكري إذا ما أدّت إلى تعزيز وسائل الدفاع الجوّية في سورية بشكل قد يكسر التوازن مع الكيان الصهيوني.

من هذه الزاوية نقرأ إطلالة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الليلة العاشرة من عاشوراء للتأكيد أن التوازن الاستراتيجي بين سورية والكيان الصهيوني يكون عبر تعزيز القدرات الصاروخية لسورية. كما نفهم إعلانه عن بقاء المقاومة في سورية إلى أجل غير مسمّى كردّ على الضغوط الأميركية والصهيونية لإخراج المقاومة من سورية.

ج-اليمن

ما زال التحالف العدواني بقيادة حكومة الرياض ودعم واضح وسافر للولايات المتحدة كما عبّر عنه وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو يحصد الأرواح ويدمّر ما لم يدمّر بعد. فالحل السياسي متعثّر ويعكس حالة إنكار لدى حكومة الرياض التي ما زالت تحلم بتحقيق إنجاز ميداني ما قبل الخروج من المستنقع وذلك للحفاظ على ماء الوجه. ما زالت حكومة الرياض تعتقد بإمكانها تغيير المعادلة الميدانية وتعرقل مساعي الحوار التي يحاول تنظيمه المندوب الأممي. فالملف اليمني مرتبط حتى إشعار آخر مع ملف العراق وسورية.

ح-الأردن

ما زال الأردن يعاني من أزمة اقتصادية خانقة تعود إلى عدم وجود مكوّنات لتنمية مستدامة. غير أن الأزمة الاقتصادية القائمة هي رافعة للتدخّل والضغط على النظام لمنعه من الانفتاح نحو سورية والجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا. فذلك الانفتاح من الضرورات الوجودية للاقتصاد الأردني. لكن هذا الانفتاح المرتقب يعرقل سياسات بعد دول الخليج والعرّاب الأميركي تجاه الحرب الكونية على سورية ومناهضة محور المقاومة.

من جهة أخرى، يكثر الكلام حول إنهاء الدور الوظيفي التاريخ للأردن كدولة حاجز بين بلاد الشام والرافدين وفلسطين. وعلى ما يبدو، هناك جهات صهيونية تدعو إلى اعتبار الأردن الوطن البديل للفلسطينيين إذا ما تمّت ما يُسمّى بصفقة القرن. غير أن الحسابات في ذلك الموضوع تصطدم أولا بعدم قبول الشعب الفلسطيني بوطن بديل كما أن الواقع الداخلي في الأردن غير مستعد لقبول بذلك الطرح. في مطلق الأحوال لا يستطيع الحكم المماطلة في انفتاحه على سورية وإيران لأن حلفاؤه في الجزيرة العربية قد يضحّون به لأغراضهم ولأغراض "صفقة القرن".

خ-مصر

ليس هناك من مستجدّات تذكر عما عرضناه في تقريرنا الأخير. غير أننا نؤكّد أن ما زالت مصر سائرة في طريقها حول تأكيد استقلال قرارها السياسي رغم الضغوط والابتزاز الغربي والغربي.

د-الجزيرة العربية

المستجد الذي لاحظناه مؤخرا هو أنباء عن كف يد ولي العهد في الملف الفلسطيني. كما لاحظنا إلغاء عرض أسهم شركة أرامكو على البورصات العالمية مما يدّل عن تجميد عنصر أساسي في "رؤية 2030" لولي العهد. وهناك من يتوقّع بتغير ما في البنية القيادية في الرياض لتعكس ضرورة سلوك مسار مختلف عما هو عليه الآن. لكن بالمقابل، ما زال العدوان الذي تقوده حكومة الرياض مستمرّا على اليمن ويحص الأرواح ويدمّر ما لم يتم تدميره مسبقا. فالحل في اليمن مرتبط بتغيير ما في القيادة في حكومة الرياض.

أما في مجلس التعاون الخليجي فما زال الحصار على قطر قائما رغم محاولات الوساطة لردم الهوّة. والانقسام القائم يكبّل فعّالية المجلس إن لم يلغه. الصراع القائم مستمر حتى تغيير ما في قرار من بادر إلى خلق ذلك الانقسام.

ر-دول اتحاد المغرب

ليس هناك من مستجدّات تذكر سواء تفاقم الأزمة الوزارية في تونس، والتحضير للانتخابات الرئاسية في الجزائر مع التغييرات التي أجراها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في القيادات العسكرية والأمنية.