لغز "الوسائل الخاصة"

 

اوري بار يوسف

 

 

هآرتس   12/9/2018

          في عيد الغفران القريب ستحتفل دولة اسرائيل بالذكرى الـ 45 للحدث الصادم اكثر في تاريخها وهو الهجوم المفاجيء لمصر وسوريا في العام 1973. 25 سنة تمكن على الاغلب من القاء نظرة تاريخية متزنة على احداث كهذه. ولكن هذا لا يسري على هذا الحدث.

          في مركز النقاش على الحرب يقف الفشل المنسوب لرئيسة الحكومة في حينه غولدا مئير ووزير الدفاع موشيه ديان ورئيس الاركان دافيد اليعيزر. رغم أنه كانت لديهم المعلومات الاستخبارية الممتازة عن الانتشار التهديدي لجيش مصر وسوريا في جبهة قناة السويس وهضبة الجولان، وانذارات بشأن نية المهاجمة، فقد امتنعوا عن تجنيد واسع للاحتياط حتى صباح يوم الحدث.

          لجنة اغرينات التي كانت الجسم المؤهل الوحيد الذي حقق في اعتباراتهم بهذا الشأن، قررت في التقرير الجزئي الذي اصدرته في 1975 بأنهم عملوا وفقا لتقديرات الاستخبارات العسكرية. التي تقول إن احتمالية اندلاع حرب منخفضة. اللجنة قررت أنه في اساس تقدير الاستخبارات الخاطيء وقف "التمسك الشديد" لرئيس الاستخبارات ورئيس قسم ابحاثه بـ "المفهوم"، الذي يقضي بأن مصر لن تشن حرب قبل حصولها على انظمة قتالية معينة، وسوريا لن تشن حرب بدون مصر.

          في 1993 اصدر رئيس الاستخبارات في تلك الحرب في حينه، ايلي زعيرا، روايته التي تقول إنه في اساس فشل التحذير لم يكن التمسك بالمفهوم الذي أكل الدهر عليه وشرب، بل نتيجة عملية محكمة من الخداع المصري، الذي نفذ بواسطة من كان المصدر الافضل للموساد اشرف مروان، صهر جمال عبد الناصر، والمقرب من السادات. ولكن في عدد من وثائق لجنة اغرينات التي سمح بنشرها تبين أنه ليس فقط زعيرا هو الذي تمسك بذلك المفهوم، بل بسبب ذلك هو ايضا لم يقم بنقل معلومات حاسمة عشية الحرب لرئيس الاركان ووزير الدفاع ورئيسة الحكومة. لذلك السبب هو ايضا جعلهم يفهمون أن وسيلة جمع المعلومات التي كان يجب أن تحذر بشأن خطر اندلاع حرب، تعمل ولم تظهر أي شيء. في حين أنه عمليا امتنع عن تشغيلها.

          هذه المعلومة لم تقنع محققين آخرين. اثنان من كبار رجال الموساد كتبا كتاب قالا فيه إنه كانت لاسرائيل مصلحة في حرب تمكنها من ضرب جيش مصر وجيش سوريا ضربة قاضية، وأن تردعهما عن شن حرب اخرى.

باحث ثالث قال إنه في اساس الفشل وقف اعتقاد غولدا مئير وموشيه ديان بأن الولايات المتحدة ستطرح قريبا خطة سياسية كبيرة في اساسها اعادة شبه جزيرة سيناء لمصر، لذلك فان السادات لن يشن حرب سيهزم فيها.

          باحث رابع كتب كتاب كامل عن الخداع الذي حاكه، كما يتخيل، السادات ومروان، والذي استهدف تخدير اسرائيل. في السنة الاخيرة نشر كتابان، احدهما ادعى أن وزير الخارجية الامريكي هنري كسينجر والسادات وديان اتفقوا على حرب صغيرة يكون فيها لمصر انجازات عسكرية محدودة بحيث تمكنها من العودة القوية الى طاولة المفاوضات. الكتاب الثاني ناقش ادعاء المؤامرة هذا واظهر الخطأ الكامن فيه.

نتيجة هذه التفسيرات هي أن الجمهور الاسرائيلي الذي تضرر جزء منه في تلك الحرب، آخذ في الضياع داخل سيل الآراء المتناقضة، وليس قادرا على أن يفهم لماذا امتنع كل من غولدا مئير وموشيه ديان ودافيد اليعيزر عن تجنيد واسع للاحتياط في حينه.

الثلاثة ماتوا في العقد الذي جاء بعد الحرب، لكن أمراً واحداً تركوه خلفهم مع ذلك وهو تفسيرات مفصلة عن اعتباراتهم عشية الحرب التي قدمت تحت القسم في اطار شهاداتهم امام لجنة اغرينات. من هذه الشهادات ومن شهادات نائب رئيس الحكومة يغئال الون والمستشار المقرب من غولدا والوزير بدون حقيبة اسرائيل غليلي تبين أنهم استندوا الى الوعد الصريح لرئيس الاستخبارات العسكرية بأنه سيعطي انذار بشأن اندلاع حرب في وقت يمكن من تجنيد منظم للاحتياط.

          رئيس الاستخبارات العسكرية اوضح في شهادته في لجنة اغرينات بأنه اعطى وعده استنادا الى الاعتقاد بأن "وسيلة جمع المعلومات الخاصة" التي بدأ استخدامها في السنة التي سبقت الحرب، بأنها ستقدم انذار وقت الحاجة عن نية مصر شن حرب. متخذو القرارات عرفوا هذه الوسائل عن قرب، ووثقوا عليها.

          كل الشهادات امام لجنة اغرينات سمح بنشرها في السابق، لكن معلومات كثيرة تتعلق بـ "وسيلة الجمع الخاصة" بقيت غامضة. النتيجة هي أنه يصعب فهم اعتبارات متخذي القرارات في حينه. وليس غريبا أن جزء كبير من التفسيرات للفشل في تجنيد الاحتياط لا يتطرق أبدا لهذه المسألة التي هي الأهم في فهم اصل المفاجأة.

          في هذه الايام التي فيها تفاصيل عمليات غريبة للموساد، وفي الوقت الذي فيه وسائل جمع معلومات تكنولوجية متقدمة وحديثة تباع لدول اجنبية، يبدو أن جهود اخفاء اللون الاسود لدورها في خلق الفشل لوسيلة جمع المعلومات التي عمرها اكثر من 45 سنة، هي أمر زائد.

          بالتحديد في العصر الاعلامي الذي يوجد فيه ايضا "معلومات كاذبة"، وحيث نظريات المؤامرة التي لا أساس لها تحولت الى قاعدة لنقاش جدي، يجب على الاجهزة الامنية نشر كامل الشهادات ذات العلاقة وتحريرها من ارشيف اللجنة، بما في ذلك شهادات رجال الاستخبارات من اجل معرفة مرة والى الأبد لماذا تصرف مسؤولو الامن عشية حرب يوم الغفران كما تصرفوا.

          ليتفضل اعضاء لجنة انغلارد والمسؤولون عن الموضوع. بدلا من التعتيم، عليهم أن ينشروا ما نستحق أن نعرفه جيدا.