عن مهرجان «القلق»

 

زياد منى

 

 

إضافة إلى ذلك، أخذت صراعات أجنحة النظام طابعاً عنيفاً جسدياً ولفظياً، بل إن الأمور وصلت إلى المساس بالذات الملكية (أي الإلهية!)، حيث يوصف جلالة سيدنا مليك البلاد علانية بأنه «قمرجي»، والشتائم نالت زوجه الفلسطينية رانيا واتُّهمت عائلتها بأنها مسؤولة عن خراب البلاد، ما فسح في المجال لشتم الفلسطينيين الذين يشكلون نحو 80% من سكان المملكة الكاريكاتورية، واتهامهم بأنهم باعوا بلادهم (وهي تهمة الصهاينة الأعراب وغير الأعراب لتسويغ تدافعهم للالتصاق بنعال العدو الصهيوني والتطوع لخدمته(

الفلسطينيون في الأردن منطوون على أنفسهم سياسياً، ولا يردّون على الاستفزازات خوفاً أو حكمة. الفضائح في المملكة المضحكة وصلت أخيراً إلى مستويات دنيا، وتحديداً بما جرى في احتفال «القلق» في مطعم «التلال السبعة»، حيث ظهرت تسجيلات لبعض جوانب الحفل، ومنها رقص دبكة لشباب مع فتيات لا يرتدين سوى الملابس الداخلية. هذا الأمر أثار ردود فعل كثيرة مختلفة يمكن المهتم بها الاطلاع عليها في مواقع على الإنترنت. بعضهم قال: هذا ليس من شيم النشامى، وآخرون أعادوا أسباب ذلك إلى مؤامرة صهيونية، وآخرون، ممن يتوهمون أن الله لم يهدِ غيرهم، ابتُلينا بهم وفق قول العلامة ابن خلدون، رأوا فيها من علامات الساعة!

في ظني أن ثمة أسباباً علمية يمكن الوصول إليها من دون الدخول في الغيبيات، ولا في نظرية المؤامرة وغير ذلك من اللامنطق. لنكن واقعيين. إن تصرفات طبقة محددة، أو حتى شريحة منها، لا تعني أنها تعكس قيم المجتمع كله، أي أن «الانحلال» الأخلاقي، كما قيل في وصف تصرفات المراهقين والمراهقات الذين ظهروا في التسجيلات المصورة، لا علاقة لها بقيم بقية الشعب عامة، وليس ثمة من داعٍ لإعلان حالة الطوارئ الاجتماعية. فنحن على ثقة يأن مراهقين ومراهقات من أبناء العمال أو الفلاحين أو من الطبقات المحدودة الدخل في الأردن لا يقبلون حتى مجرد الحديث عن مشاركة في المجون، وإن ذهب كثر للتفرج على عروض مباشرة لما هو غير مباح «لأن كل محظور مرغوب»! أما آباء المشاركين وأمهاتهم، فلا شك في أنهم سعداء بأن خلفاءهم في المملكة «مودرن».

حتى نفهم جذور بعض القيم التي وجدت طريقها إلى بعض الفئات، علينا، في ظني، النظر إليها من منظور الثقافة السائدة، التي ينشرها النظام أفراداً وجماعات. نظام عمان، منذ تأسيسه، فاسد لا يملك أي قيم صحية، ذلك أنه أقيم بهدف واحد هو حماية كيان العدو وطمس الهوية الفلسطينية بعد حرب تقاسم فلسطين عام 1948 بين أنظمة سايكس-بيكو، السابقة واللاحقة. بل أكثر من ذلك، لننظر في مؤلف ماري ولسن عن المليك المؤسس عبد الله «الأول» لنعرف عن قرب صفاته وأخلاقه. لقد ذَكَرت الباحثة الأميركية بعض نعوته في المؤلف، ومنها أنه «كان يغش عند لعب الشطرنج» مع آخرين، وأنه «كان يكره شقيقه فيصل»، وكذلك «كان يكره ابنه طلال (الذي كان حريصاً على التواصل مع القوميين العرب إبّان وجوده في بريطانيا بدلاً من مرافقة الإنكليز)»، ولذلك عزله وعيّن حفيده الحسين بعد تدخّل الأم الحنون بريطانيا. كبيرهم هذا، الذي علمهم الخيانة والابتعاد عن مكارم الأخلاق، كان عميلاً صغيراً للمستعمر الإنكليزي وللصهيونية التي كان يستجديها لإقامة مستعمرات في شرق الأردن. ومن باب العلم، هذا المؤلف الإنكليزي كان مذكوراً في موقع والد الملك الحالي بما يعني أن نظام عمان كان فخوراً بتلك النعوت، لكن السلطات الأردنية صادرت عدداً كبيراً من نسخ الترجمة العربية الصادرة في بيروت. ما قصدناه أننا لا نظلم نظام عمان منذ أسسته شعبة الشرق الأوسط في دائرة المستعمرات البريطانية التابعة لوزارة الخارجية، بل إننا «من فمه ندينه». أما نظام حسين، فخير ما قيل فيه «نظام وملك فاجرين»، والمقولة تعود إلى عبد الناصر.

بالعودة إلى الظروف التي قادت إلى أحداث مهرجان أو مطعم «قلق»، نقول إن ما جرى يمثّل أخلاقيات أو لا أخلاقيات طبقة محددة أو شريحة من طبقة ملتحمة عضوياً بالنظام بل حتى بالعائلة الحاكمة، وفضائحها اللاأخلاقية تاريخياً معروفة. إن قيام النظام المتصهين في عمان بالتحالف مع العدو الصهيوني وبِرهن اقتصاد البلاد ومصادر دخلها للصوص وللمستعمر وتشجيعه العدمية وثقافة الاستهلاك ونشر المسلسلات التي تروج للنظام النيوليبرالي وما إلى ذلك، لا بد أن تنعكس في المجتمع أو بعض فئاته، عاجلاً أو آجلاً. ولا بد من أن ترتبط البنية الفوقية بالقاعدة ارتباطاً وثيقاً، ويتم التعبير عن ذلك في تحلّل البعض أو حتى كثيرين من الضوابط الاجتماعية أو المقاييس الأخلاقية التي كانت سائدة.

في ظننا، وجب الابتعاد عن النفاق والكذب على الذات. فلا فرق بين الدعارة السياسية والاقتصادية والفكرية من جهة والدعارة الجنسية من جهة أخرى. فكلتاهما تعكس وضعاً فكرياً لا قَعر له!

أخيراً، من الصعب عليّ فهم سبب الدهشة من أحداث المهرجان الفاضحة، ذلك أنها تعبير طبيعي عن أخلاق وانحطاط ممارسات نظام عمان الكاريكاتوري المهترئ. لذلك إنني مندهش من تلك الدهشة! أمين العاصمة (أمين على ماذا) بالمناسبة رفض السماح بنشاطَين في ذلك اليوم، أحدهما إقامة احتفال بمناسبة الذكرى المئوية لولادة الرئيس جمال عبد الناصر، والأخرى لمناسبة ذكرى استشهاد القائد الفلسطيني أبو علي مصطفي، لكنه سمح للحفل الماجن (وفق ما أورده د. أسامة فوزي في قناته على يوتيوب)، تعبيراً عن مستواه اللاأخلاقي ومستوى النظام الذي يمثله. أما صرخات بعض رموز النظام المستنكرة، فإنها جزء من عدة النصب كما يقال، ووجب قولها لتكتمل «التوليفة»، أما أفضل ما يقال فيهم: «القحبة، ما أبلغها عندما تحاضر في العفة»

أما المراهقون والمراهقات الذين شاركوا في الاستعراض «الفضيحة»، فلا أظن أنهم يفهمون الضجة المثارة حوله، لأن قيمهم المجتمعية مأخوذة من أوساطهم الملاصقة لهم، ولذا لم يحرص كثر منهم على الاختباء وراء أقنعة، بل على الأغلب أنهم يرون أن ما قاموا بهم «كوووول/ cooool»، و«بِعقِّد» وفق المفردات السائدة.