وحيدا على السطح

 

اورلي ازولاي

 

 

 

يديعوت مقال افتتاحي - 26/9/2018

وقف دونالد ترامب على المنصة في الامم المتحدة، وفي خطاب مكتوب جيدا، وبلا اي خروج عن النص تقريبا، أزاح من على رأسه تاج زعيم العالم الحر الذي كان محفوظا دوما للرؤساء الامريكيين قبله. لقد كان هذا التاج في وضع مهزوز من اليوم الذي انتخب فيه، ولكنه عرض امس بشكل متواصل ومرتب عقيدته التي تقوم اولا وقبل كل شيء على الفرضية الاساس بان "امريكا اولا".

ليس مثلما في خطاباته السابقة، التي كانت جملة من الصرخات والعبارات المجزوءة التي لا ترتبط بقول أو بفكر، وضع أمس الامور على الطاولة بهدوء نسبي، وبشكل جدي كي لا يكون بعد اليوم شك لدى احد في أنه ضد العولمة، ضد المساعدات الاجنبية الا اذا تلقت امريكا مقابلا لها. وهو مع الوطنية العميقة ومع الحماية المطلقة للسيادة الامريكية.

أكثر مما تحدث ترامب الى مشاركي الجمعية، اسمع صوته لناخبيه: في ضواحي بنسلفانيا وفي قرى اوهايو سيهتفون لسماع خطاب ملتهب، يركل فيه رئيسهم بساقيه الخلفيتين العالم ويعطيهم ما ارادوه دوما- امريكا منعزلة، محوطة بالمياه ومنغلقة، ومن ناحيتهم فليحترق العالم.

لقد كانت الفكرة الامريكية القديمة مبنية على أن الولايات المتحدة تساعد العالم ليس فقط انطلاقا من سخاء دولة غنية، بل انطلاقا من الرغبة في تحقيق قيم منشودة للحرية والديمقراطية. وانطلاقا من الفهم بان مثل هذه المساعدة يمكنها أن ترفع مكانة الوطنيين المكافحين في البلدان الاخرى ايضا، وتقربهم من الولايات المتحدة بشعور من الامتنان واعتراف بمكانتها كرائدة عالمية. لقد أيدت امريكا العولمة لان هذا كان الى هذا الحد أو ذاك هو الحل، وان لم يكن الحل الكامل، لمساعدة الفقراء، المهمشين، اولئك الذين لم تؤخذ منهم الفرصة بل لم تعطى لهم ابدا. اما أمس ومن على منصة الامم المتحدة لم يرفع الرئيس امريكا بل الترامبية: في خطاب بدا وكأنه كتب من افضل الدعائيين اليمينيين، عرض بفخار امريكا الجديدة، وباستفزاز. امريكا التي لن تمد يدا للمصالحة بل توجه للعالم قبضة مشدودة.

لحظة حرجة سجلت في بداية الخطاب عندما أظهر العالم لترامب ما الذي يفكر به عنه: الرئيس الامريكي تباهى بانه في اقل من سنتين انهى مهاما اكثر مما أنهى كل رئيس آخر قبله. ومع ان الضحك كان مكبوتا ولكن ترامب سمع. غير ان هذا من ناحيته لا يغير شيئا: فقد خلق لنفسه فقاعة منعزلة عن الواقع ويؤمن بان ما يفكر به عن نفسه وانجازاته - هو الواقع. فهو لا يهمه العالم. وهو يستهدف انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، ويعرف بانها ستكون مثابة استفتاء على شكل ادائه. لقد استهدف هذا الخطاب ايقاظ ناخبيه وتذكيرهم بما يحبون. بانه يمكنه أن يهدد ايران بمزيد من العقوبات وأنه يعرف كيف يروي ان روحاني طلب لقاءه وهو رفض، رغم ان روحاني قال امس ان ترامب بالذات هو الذي طلب لقاءه. ثمانية مرات. ولكن ماذا يهم ما هي الحقيقة حين يكون على اي حال كل شيء ملفقا، وناخبوه يقولون في الاستطلاعات انهم لا يتأثرون على الاطلاق من أن الرئيس يكذب.

لاول مرة عرض ترامب خطا سياسيا مرتبا يبعد امريكا عن العالم. سرت اسرائيل حين نقل السفارة الى القدس وانسحب من الاتفاق النووي، ولكن عندما تنسحب امريكا من قيادة العالم، فان هذا هو الامر الاكثر فظاعة الذي يمكن ان يحصل لاسرائيل. هذا يعني أن امريكا ضعيفة في أسرة الشعوب، وان واحدا آخر سيأخذ الدفة ويبقي ترامب في منصب الشرطي الامريكي الغاضب.