الحلبوسي يشي بحكومة خصخصة وتفتيت قادمة

صائب خليل

 

 

 

في المقالة الأولى عن الحلبوسي (الحلبوسي- كيف يهزم الشعب دون خوض معركة؟ -1) (0) بينت انه يمثل هزيمة كاملة للشعب العراقي لأن الخيار الآخر خالد العبيدي - كان أسوأ بكثير، وهذا يعني أن هزيمة الشعب كانت مقررة مسبقاً بغض النظر عمن يفوز. تحدثنا عن طريقة انتخابه وعن أولوياته المشبوهة في حماية النواب من الصحافة، وكذلك تصريحاته التي تشي بتكامل مؤامرة على الديمقراطية المحتضرة أساساً والنية في القضاء عليها. وفي هذه المقالة ستركز كما وعدت، على نقطتين تكشفان الاجندة التي جاء بها الحلبوسي ومن يدير الأمور وراء هذه الترشيحات المقيتة.

النقطة الأولى تتعلق بالنظام الاقتصادي الموعود للبلد. فالرجل يعلن صراحة انه يقف مع اقتصاد السوق بلا أي تحديدات أو تحفظات. إنه يقول: "نحتاج رؤوس أموال ومستثمرين من كل العالم".. "النظام الاشتراكي بعد ما يخدم".. الخ من العبارات التي تشي بأن القادم سيكون اتجاها نحو ما يسمى بـ "الرأسمالية المتوحشة"، ونتوقع هجمة اقتصادية شديدة قادمة على الفقراء والتقاعد واجور الحد الأدنى والرعاية الاجتماعية والصحية، والتي ترافق مثل هذا التوجه دائماً. ويمكننا ان نرى بوضوح أن كلام الحلبوسي، كلام "مقاول" (وهي مهنته الأساسية) يبحث عن فرص استثمار، وليس رئيس مجلس نواب انتخبه الشعب لحل مشاكله.

الدعوة المحمومة لاقتصاد رأسمالي حر، و تجميل غير مسبوق لـ "الاستثمار" و "الخصخصة" التي تملأ الإعلام العراقي المرئي بشكل خاص، تؤكد هذا الاستنتاج، وتشي بأن الحكومة القادمة ستكون "حكومة خصخصة" وليس حكومة خدمات وتنمية وإنتاج ورفاه وتطوير للمجتمع.

طبعا يتوجب التعتيم على هذه الحقيقة لأطول فترة ممكنة، حتى يغرز "الاستثمار" مخالبه جيدا في البلد. يجب إقناع الناس حاليا بالعكس، لكن ذلك ليس سهلا. لذلك يناور الحلبوسي وبمراوغات تصل حد الغرابة في وقاحتها أحيانا.

فهو مثلا، لا يجد مشكلة في ان يناقض كل علم الاقتصاد، ويدعي ان في اقتصاد السوق الحل للبطالة، ومن خلال "تفعيل القطاع الخاص". الرأسماليين في العالم لا يكونون عادة بهذه الصلافة في التناقض. إنهم يعترفون ان الخصخصة تزيد البطالة، وأن حرية السوق تسبب تقليصاً في الضمان الاجتماعي والصحي، (وهي من المطالب الصريحة للبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي). لكنهم يسعون لخداع الناس واقناعهم أن "الضمان يسبب الكسل" وأن العاطلين عن العمل سيجدون فرصاً أخرى ويكون لهم حافز لإبداع شيء جديد، إلخ من الكلام الذي لم يثبت صحته في يوم من الأيام، ولا في أي بلد من البلدان.

الحلبوسي يؤكد أن لا حل سوى الاستثمار، لأن الحكومة لا تملك ما يكفي للجميع، فيقول: "هل تتمكن موازنة الحكومة من كل هذا.. يجب ان يدخل القطاع الخاص والاستثمار والمستثمرين". وان الاستثمار سيوفر العمل ويحل المشكلة، ملمحاً إلى أن مشاكل "البصرة وغيرها كلها هي البطالة"، ومذكراً بأن "البطالة تحولت الى إرهاب" وان الحل هو في ترك القطاع العام وتسليم البلد الى الخاص.

يؤكد "خبير الاقتصاد" الحلبوسي أننا سنصل إلى القضاء على البطالة بالقضاء على النظام الاشتراكي لأنه: "بعد ما يخدم"!، منطلقاً في حديثه عن "الاستثمار" بغزل يكاد يعبر عن حالة عشق، وليس بحثا عن نظام اقتصادي (1)

لكن الغريب أنه في كل العالم، فأن المكان الوحيد الذي كان خالياً من البطالة هو حيث كان النظام الاشتراكي. ومن يقرأ التاريخ القريب يعلم أن حتى اعتى الرأسماليين يعترف بذلك، وليس محبي الاشتراكية فقط. فبعد الدروس التي تلقاها هؤلاء الرأسماليين من تفشي البطالة الشديد بعد الكساد العالمي بين الحربين العظميين، وانتشار الغضب الشعبي مما أوصلته إياه سياسات حرية السوق من فقر، وانتشار الشيوعية بشكل كان مرعباً لهم، حرص هؤلاء على تطعيم اقتصادهم بعناصر اشتراكية مما انتج ما يسمى "الاقتصاد المختلط" والذي خفض البطالة في العالم الرأسمالي إلى حدود 1.5% مع نمو ورفاه أسماه المؤرخ الكبير هوبزباوم بأنه "العصر الذهبي للرأسمالية" والذي امتد من الخمسينات (بعد نهاية الحرب العالمية الثانية) الى سبعينات القرن الماضي.

لكن زمن التهديد الشيوعي قد ولى، فالشيوعيون العراقيون لا يفتحون فمهم في الموضوع وقد تبنوا أيديولوجيات ليبرالية في احسن الاحوال. لذلك يشعر المقاولون أن الفرصة مواتية تماماً لإطلاق العنان لجشعهم بكل حرية من جديد. والحكومة القادمة يخطط لها إجراءات لم يعرفها الغرب في كل رأسماليته بكل مراحل توحشها. فالبلد تحت الاحتلال المباشر، وهو ملغوم بما زرعه فيه هذا الاحتلال من عصابات إرهاب. وهو يمتلك الإعلام تماما، والشعب يعاني من نقص الثقافة والمعرفة لتجارب الشعوب الأخرى اللازمة للمناعة مما يخطط له، إضافة إلى إعادة توجيه عدائه نحو الداخل ونحو جيرانه بدلا من الاحتلال.

يقول الحلبوسي ان القطاع الخاص سوف "يساعد الحكومة" لتحمل أعباء البلد، فهي لا تستطيع ذلك لوحدها! فيؤكد ان خزينتها من النفط لن تكفي لبناء كل المدارس والخدمات المطلوبة. فكيف سيساعد القطاع الخاص الحكومة برأي الحلبوسي؟ إنه لم يذكر لنا سوى طريقة واحدة لتعاون الحكومة مع القطاع الخاص، وهي أن تشمل مسؤولية الحكومة تقاعد كل الموظفين والعمال العراقيين، حتى العاملين في القطاع الخاص! في كل العالم، يدفع صاحب الشركة كل تكاليف موظفيه وعماله، ولا تلعب الحكومة إلا دور الرقيب. فمن مبادئ الرأسمالية ان يتم حساب كلفة السلعة بشكل كامل ويتم تغطيتها. وجزء من كلفة السلع المنتجة من قبل القطاع الخاص (إن انتج شيئا) هو التقاعد والضمان الاجتماعي للعاملين على انتاجها. وتدفع الشركة جزء من هذا المبلغ ويكلف الموظف بدفع جزء منه من راتبه الشهري. أما في رأسمالية الحلبوسي ومن وراءه، فأن القطاع الخاص يقوم بمساعدة الحكومة بأن يحملها تقاعد موظفيه! لماذا؟ يقول الحلبوسي: "راح اضمنله تقاعد فيتشجع المواطن يروح للقطاع الخاص"! يعني أن المواطن للقطاع الخاص، الذي يحصل على أرباح عمل المواطن مادام قادراً على العمل، ليعود ويصبح من حصة الحكومة لتتكفل به عندما يصبح شيخاً عاجزاً!

النقطة الثانية التي ستكلف بها الحكومة الامريكية القادمة في العراق، كما يستشف ذلك من الحلبوسي هي تفتيت العراق بأقصى ما يمكن. الحلبوسي يركز، إضافة إلى الخصخصة، على "اللامركزية". و "اللامركزية" حالها حال "الأقاليم"، ليست سوى خطوات باتجاه ابتعاد أجزاء العراق عن بعضها، وإضعاف للشعور الوطني وتقليل المصالح الاقتصادية والنفسية بين تلك الأجزاء، استعداداً لفصلها.

كيف يدافع الحلبوسي عن هذا الهدف غير الشريف؟ مثلما دافع عن القطاع الخاص بشكل مقولب، بأنه الذي سيساعد الحكومة بتحميلها تقاعد موظفيه، فهو يدافع عن "اللامركزية" بالمقلوب فيؤكد انها ستزيل "تصادم الصلاحيات بين المحافظ والوزارات" فيحتار "المواطن على من يشتكي" فلا أحد يدري "من المسؤول عن هذا الملف او ذاك" وأن "البوصلة قد ضاعت".(2)

والكلام هنا أيضا على العكس من الحقيقة. فالمركزية (رغم بعض ما فيها من مساوئ) هي النظام الأقل توزيعا للمسؤوليات وبالتالي اقل ضياعاً، وأكثر تحديداً للبوصلة من أي نظام لامركزي. في النظم المركزية لا يتم اللجوء إلى صلاحيات المحافظات إلا في الأمور البسيطة. والنظام اللامركزي (بشكله الكونفدرالي مثلا) الذي يحاول الامريكان والحلبوسي تجميله، لا يتبع في اية دولة، إلا إذا كانت الدولة مكونة أصلا من اتحاد ضعيف لدول مختلفة، وأن هذه الدول ترفض ان تفقد استقلاليتها تماما، عندها لا يكون هناك خيار سوى القبول، وليس ان تتحول دولة إلى محافظات تتمتع باستقلالية عالية، بإرادتها. 

لنلاحظ ان النقطتين: "اقتصاد السوق"، و "اللامركزية"، ليس لها ما يبررها، ولا يتوجهان لحل أي مشاكل العراق، بل العكس تماما. فجزء أساسي من المعاناة الاقتصادية للعراق هي بسبب انفتاحه كسوق "حرة" للجيران وغيرهم، مما قضى على الصناعة والزراعة المحلية فيه فتضاعفت البطالة. كما اننا نرى ان وزارة الصحة التي طبقت اللامركزية بقيادة وزيرتها المدانة بالفساد عديلة، من أسوأ الوزارات في خدماتها على الاطلاق!

ولنلاحظ أيضا أن هاتين النقطتين في الحقيقة ليست من اختصاص لا الحلبوسي من ناحية شهادته، ولا من مهامه الجديدة كرئيس لمجلس النواب. فهذا المنصب في كل العالم، إداري بحت، مهمته الأساسية إدارة الجلسات بأكبر قدر ممكن من الحيادية، حتى أن من يتسنمه عادة يحرص على أن لا يعبر عن أفكاره الخاصة بسياسة البلد، لكي لا يعطي انطباعاً أنه قد لا يكون امينا في إدارة الجلسات كأن يعطي وقتاً أكبر لاتجاه معين دون الآخر، وهو انطباع لا يخدمه.

الحلبوسي الخادم للأهداف الامريكية صراحة، سيفقد شعبيته كما يبدو وبسرعة. لذلك فمن الأفضل القاء تبعته على... إيران! صحيفة العرب تنشر مقالا بعنوان "محمد الحلبوسي مقاول مغمور تسلق قبة البرلمان برافعة إيرانية"! رغم ان الرجل سني وان كتلته ابعد ما تكون عن إيران! كيف؟ "النفوذ الهائل لإيران" أجبرها على ذلك! والدليل؟ انه صرح بأنه يرفض الحصار الاقتصادي على ايران! وطبعا لم تقل الصحيفة أنه اردفها برفضه لما اسماه التدخل الإيراني في سوريا، رغم انه ليس له أية علاقة بسوريا. والحلبوسي لا يسمي الاحتلال احتلالاً، بل يسميه "تحريراً، رغم ان الاحتلال نفسه قد اعترف باسمه الحقيقي يوما. الحلبوسي ينكر تماماً وجود أي انتقاص في سيادة العراق واستقلاله رغم أنه يشهد حضور السفير الأمريكي جلسات البرلمان ويناقش مع السيدة طالباني من سيكون رئيس الجمهورية القادم. ورغم ان هناك قوات تركية تحتل أراض عراقية وتقيم فيها قواعد عسكرية وتهين حكومتها علنا وصراحة. ما يشغل بال الحلبوسي هو الأهداف الأمريكية: القطاع الخاص والخصخصة من ناحية واللامركزية من الناحية الاخرى!

بقي ان نذكر ان فكرة تحميل الحكومة العراقية تقاعد القطاع الخاص، هي فكرة طرحها صندوق النقد الدولي على العبادي ضمن شروطه او اقتراحاته. كما ان اللامركزية كانت موضع الحاح جميع السفراء الامريكان ومندوبي الأمم المتحدة الذين يتم اختيارهم دائما من بين "أصدقاء إسرائيل" في المنظمة الدولية. كذلك كان تفتيت البلد من أول مهمات حكومة العبادي بخطة "الحرس الوطني" التي فشلت بفضل الحشد او الحظ.

هذا كله يفسر اهتمام الحلبوسي بأمور تبدو بعيدة عن عمله واختصاصه، إلى درجة انه يفشل في تقديم أي دفاع معقول عنها. وهو أيضا دليل على ان هذا توجه عام قادم لكل مرشح لمنصب في الحكومة القادمة. إننا مقبلون على فساد اكبر بالتأكيد، ولذلك يستبق الحلبوسي الأمر بتهديد الصحافة. إضافة إلى ذلك نلاحظ ان الانتخابات الأكثر تزويراً في العراق، قد أزاحت جميع النواب "المشاغبين" تقريبا!

الحلبوسي ليس سوى واحد من الكوارث القادمة، والتي ستمثل العقوبات التي ستنزل بهذا الشعب لعجزه عن إيصال قادة يرعون مصالحه هو، وترك الامر لأعدائه ليفعلوا ذلك، بينما تم الهاءه بأمور تافهة.

قد يظن البعض اني ابالغ في تشاؤمي، وآمل ذلك. لكني اراهن إننا لن نسمع غداً إلا عبارات "اللامركزية" و"الاستثمار" و "الخصخصة". إنهم يبحثون اليوم عن اشخاص مناسبين لوزارة من نوع جديد، يقاس نجاح الوزير فيها ليس بالإنتاج أو الخدمات، بل بمقدار النسبة التي استطاع بها ان يخصخص وزارته خلال فترة توزيره! سيكون لدينا "وزير الخصخصة لشؤون الصناعة" و"وزير الخصخصة لشؤون الإعمار" و "وزير الخصخصة لشؤون النقل" و"وزير الخصخصة لشؤون الصحة"، بل وحتى "وزير الخصخصة لشؤون الدفاع"!

 

(0) الحلبوسي والنظام الذي جاء به- هزمنا دون معركة!.

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2010052549051804

 (1) برنامج دائرة حوار الضيف رئيس البرلمان محمد الحلبوسي تقديم كريم حمادي - الاستثمار

https://youtu.be/WTaoEoUJOfg?t=581

(2) برنامج دائرة حوار الضيف رئيس البرلمان محمد الحلبوسي تقديم كريم حمادي - اللامركزية

.https://youtu.be/WTaoEoUJOfg?t=2403