ناصر الغائب الحاضر

الدكتور كمال خلف الطويل

 

 شاعت طويلا مقولة أن واحداً من أبرز خصائص العرب تبارز دور الفرد غلاباً ومهيمناً على صنع الحوادث وسيرها قياساً لباقي الأمم وفي الغرب خاصة والتي يخفت فيها دور الأفراد لصالح المؤسسات، فلا تعرف السياسات تبديلاً إلا بتبدل بُنى المؤسسات بالانتخاب لا بصعود أو هبوط فردٍ مهما علت قيمته أو شمخت قامته ... أو هكذا الشائع!

       لكن استعراضاً سريعاً لتاريخ أفراد طبعوا القرن العشرين ببصماتهم يرى أي ناظر كيف كان لروزفلت الأمريكي وستالين السوفياتي وتشرشل البريطاني وماوتسي تونج الصيني وديغول الفرنسي وهتلر الألماني وتيتو اليوغوسلافي أكبر الأثر في صنع التاريخ وفق رؤاهم ، وكيف أن نهج جلّهم تبدّل ، وفق زوايا تباين إنفراجها وتفاوت أوقات قربها أو بعدها ، بغيابهم عن المشهد

في كل تلك الحالات كان لمغادرة أولئك مسارح بلدانهم وأقاليمها والعالم ، بالموت أم بالتغييب أم بالتقاعد ، وقع مهولٌ في نفوس بني أوطانهم ، بل والبشرية جمعاء في حالة بعضهم. لكن الوقع لم يتطور إلى يتم إلا في حالة العرب مع ... جمال عبد الناصر

لا يحتاج عربي فوق الأربعين من العمر لجردة تاريخ عن الرجل ، لكن فرادة حالته , حاكماً لوطن من أوطان أمته وقائداً لأمة عابرة لتلك الأوطان متخطياً سلط حاكميها ، تستحق وقفة محمّلة بالدلالات:

1-أنه المصري الأول الذي خرج من حدوده ، بعد إنحباس داخل تلك الحدود دام قرناً وسدسه ، متوجهاً شطر الشام ، ثم انداح سلطان قيادته عبر العالم العربي كله متجاوزاً سلط أقطاره ، لا بالقسر بل بالنموذج ، ولحينٍ إستمر خمسة عشر عاماً (55- 70) لم تستطع حتى هزيمة 67 أن تبتره كما أمِل شانّوها

2-وبرغم محاولات نخبوية مبكرة لتبيان بعد تبيّن - عروبة مصر (أحمد زكي وعلي علوبة وصالح حرب وعبد الرحمن عزام ، بل وأحمد حسين) ، إلا أنه هو الذي أتى بمصر إلى العروبة وأدخل العروبة إلى مصر

3-أنه في إنتشاره العربي إرتطم بحائط صلد من عداء الإمبرياليتين ، القديمة منها والجديدة ،عداءٌ تراوحت موجاته وأساليبه وأدواته لكنها كلها أجمعت على طلب رأسه ، لما في داخل ذاك الرأس من مشروع نهضة وتوحيد يربط القطري بالقومي

4-أن اختلال موازين القوى بين قدرات مصرِه وبين تلك القوى كان كفيلاً في نهاية المطاف بإضعافه بالنقاط ، ثم طرحه أرضاً بما لاح وكأنه ضربة شبه قاضية

5-أن قلة خبرة المصريين (وهم من طال قبوعهم داخل حوض الوادي ما ينوف عن قرن) في شؤون محيطهم العربي ساهمت في سوء إدارة ملفات خاض فيها عبد الناصر بصائب عزم: قرار الوحدة مع سوريا كان في ميزان الجيوستراتيجيا ضربة معلم ، لكن إدارة شؤونها سلِّمت لمن لم يكن بها جديراً ، ووصلت معه الأمور إلى يسرة وتيسير فصم عراها ... قرار مساندة ثورة اليمن عسكرياً كان في معيار الجيوستراتيجيا صحيحاً بالتمام والكمال ، لكن تسيير شؤون الحرب ُسلمَّ لذات الرجل فأدارها بطريقة إستعراضية مكلِفة وغير ذات جدوى لم يستفق منها إلا بعض إنقضاء ثلاث سنوات ونصف من تبديد القوة ... قرار نفض اليد من عبد الكريم قاسم ، حتى بعد أن قلّم أظافر الشيوعية مع مطلع عام 60 وأعاد التوازن القومي الشيوعي للعراق ، كان قراراً غير حكيم: لقد كان قاسم وطنياً بامتياز ، وإن استبدت به تهاويم غيرمبررة وغيرةٍ لابدةٍ في لاشعوره من عبد الناصر ، لكن تَحمُّل ذلك كان في المقدور طالما هو يخوض ببسالةٍ معارك، شرّفته وتاريخه ، مع أخطبوط النفط الأطلسي وصولاً للقانون 80: ماكان أمثلَ من عام 60 فرصةً لوصلِ ما انقطع، بما فيها من مراعاة حساسيات يستوجبها الحال ... قرار التصعيد في مايو 67 إستجابة لتحدي وصول إسرائيل حافة امتلاك السلاح النووي وقتها كان الصواب ذاته شرط أن تكون على قمة جيشه قيادة محترفة تفهم قواعد العلم العسكري وتطبّقها.. وبعلْمِ أن التصعيد يحمل في طياته إحتمال حرب مسلحة يتفاوت من 20% إن إقتصر على الحشد.. إلى 50% إن اقترن بسحب القوات الدولية.. إلى 80% إن أغلق خليج العقبة.. وصولاً إلى 100% إن دخلت القوات العراقية الضفة الغربية

6-أن هزيمة 67 - وهي من كانت فداحتها ممكنة التوّقي حتى على الحال الذي كانته مصر عشيتها - لم تَحُتَّ من صخرة مقاومة عبد الناصر لمفاعليها ، بل وشحذت همته ليقود مواجهةً ضرب فيها طوق نار حول إسرائيل , من الناقورة إلى الزعفرانة ، تواصل سنوات ثلاث كانت بالحقيقة والبرهان سنوات مجده الكبرى ، والتي عبرها وصلت واشنطن للقناعة الجازمة بأن لا مناص من التفاوض معه وفق ممكناته ، سيّما وقد أتى بالسوفيات جيشاً لسماء مصر ومائها وأرضها ، ثم وقد وفّر لنفسه عمقاً في الأرض والبحار- فضلاً عن قدرة مضافة - بوصول أنصاره للحكم في ليبيا والسودان ، ثم وقد أحكم تأمين تنسيق فاعل مع الجبهة الشمالية في سوريا إستعداداً لحرب قادمة ، معطوفاً على حمايته للمقاومة الفلسطينية من تجاوز الملك حسين عليها , بل ومن نفسها

    وبرغم شوشرة المزايدين الذين أرادوا إفهام الخلق أن مبادرة روجرز بوابةُ إستسلام ، لم يترك ذلك أثراً على سمعة قيادته يذكر

 

 لم تكن 5 يونيو قد أضحت ، مع عام 70 ، إلا فصلاً بائساً من تاريخ أمة طُويت أكثر من نصف صفحاته ، وبقي أقلّها للطيّ عند معركة لن يطول أوانها

دخلت الأمة طقس اليتم عند الرحيل رغم ما توالى عليها من أطوار مسح الذاكرة وتتفيه الماضي وتشويه السيرة وتزيين نواقضها بما يكفي لتخريب الذهن الجمعي لأمم بحالها فضلاً عن واحدة. بدت غلالات نجاح هنا وهناك لم تلبث إلا وتناثرت مع خدشها بأظافر الحقيقة

والأهم أن القاع الذي أوصلت "التبعية العربية" الأمة إليه كان وما فتىء الحاضن الرئيسي لتجدد بل تواصل طقس اليتم ، ولمجرد إنعقاد المقارنة بين وعدِ ما كان وعُهرِ ماهو حاضرْ

والحال أن الشعور الدافق باليتم وصل ذراه مع نهاية العشرية الثانية للقرن. هنا توقفت أمة جزعة عند سؤال الأسئلة: ما الذي دهانا، وكيف سمحنا لزمرة من الفاشلين أن يودوا بنا إلى الدرك الأسفل , وما الذي ينقصنا , مقارنةً بجيراننا ، ونحن الذين كنا قبل ثلث قرن قادة العالم الثالث ، بل وممثليه في سلطة القرار العالمي ... حسب وصف أندريه مالرو؟

تلاه سؤال أمّر: إلى أين يمضِ حس اليتم بأمة العرب؟

لم تعد هناك دولة - قاعدة ... ولن تكون واحدة بمفردها بعد

ليس هناك قائد فرد في الواقع أو في المنظور

ثم هناك رواسٍ من صنيع حكامها انتصبت ما بين بعضٍ من شعوب هذه الأمة وبعضها الآخر

 وهناك - وهو أهم المهم عصبةُ من حلفاء الإستعمار تحكم معظم ديار العرب ، لا لصالحها كأسر حاكمة فقط بل ولصالح حامي الحمى ومقدّر الأقدار

والحاصل أن حس اليتم المتراكم أفضى بمجموعات متزايدة الاتساع من الشباب العربي إلى احساس بالعجز متعاظمٍ دلف بها إلى "قبو" بدا أكثر أماناً وتمكيناً من "الشارع" للتعبير عن قهره وطلبا لردّه: اسمه الجهادية

وإن كان لي من محاولة استشراف في هذا السياق فهي أن تلك الظاهرة قد تُضرب مرةً ومرّات ، لكن قيامتها مرجّحة مرات ومرات طالما جذر العلّة الرئيس قائم: الهيمنة وحلفاؤها ، وجذر السبب الموازي ثابت: الفالق السني-الشيعي

لكن ذلك وغيره من أشكال الإعتراض لا يجيب على سؤال الوجود .. تجيب عليه عودتنا الى استئناف المشروع النهضوي التوحيدي بما يعنيه من جبه - وصولاً الى عكس - شرطي الخراب: الهيمنة والتجزئة ، وتلواً ، تحرير مجتمعاتنا من احتجاز تطورها الحضاري بسببهما

 

من يتذكر دعوة عبدالناصر عام 64 ، في مؤتمر عدم الانحياز الثاني بالقاهرة ، إلى التكافؤ السعري بين سلع الغرب المصنّعة وسلع الجنوب الخام يدرك مدى تهديدها لأصحاب الهيمنة (بالمناسبة ، فقد أطاحت لانغلي بنكروما بعدها ب15 شهر). وكم مهمٌ ان نتذكر ذلك ونحن وسط بحر متلاطم الأمواج من العقوبات الأمريكية يخبط عشواء كل من مانع وقاوم ، من بحر الصين الى الدردنيل ، بل وفنزويلا ، ولعمري فهي من أقسى أشكال الهيمنة

ولأن طريق استعادة المشروع يبدأ بخطوة واحدة فهي: التبشير. لقادة الرأي وصنّاعه دور خطير في صوغ مِطلّات جديدة لمشروع أصيل ، وبما وفّره العصر من سبل .. فالفراغ واسع والهجمة كاسرة والتيه سائد ، ومعاشرنا ليست في أبهى حلّة

والحق أن التبشير هو أضعف الإيمان. فإن متغيرات الزمن على حال من التدافع والسيولة غير مسبوق ، كما أن موازين القوى تتحرك بسرعة ضوئية مما لا يدع لأحد عذراً في تحليلها إلا حركياً لا بالسكون. والشاهد أن المشاريع الاقليمية الأربعة ، كما الكونيان ، أسطع أمثلة على ما قصدت: التركي والإيراني يتعرضان لحصار وتطويق الأمريكي ويتناسبان عكساً مع كل من الاسرائيلي والسعودي ، وطرداً مع الروسي. والروسي يتحول الى جوكر المنطقة ماداً سواعده صوب الاقليميين الأربعة بتفاوت , ومتناقضاً مع الأمريكي في الجذر طالما ينبذ شراكة ندية معه. ولأن السعودي بذاتية قوته وطبيعة بنيانه وتحالفاته غير قادر على قيادة مشروع أمة. ولكون كل من التركي والإيراني عاجز عن قيادة عالم الإسلام دون شريك عربي فاعل

وعلى خلفية العداء الاستراتيجي الصفري بين مشروع الامة والمشروع الصهيوني .. فخلجان وشقوق ومتعرجات هذه المشاريع توفر فرصة فريدة لنفاذ مشروع عربي قادر , طالما هو أوراسي الإتكاء: أي بينه وبين ثلاثة من ستة مشتركاتٌ تطغى على ما يفرّق , لكن عماد المسألة هو قيامة المشروع وصلابته وإرادته المستقلة ، أولاً وقبل أي اّخر ..... القصد هو أن التبشير قطرة لكن الغيث بعدها ممكن

وكما كان لقائد المشروع في زمانه وعدْ: الكفاية والعدل .. التخطيط .. تكافؤ الفرص .. العمالة الكاملة .. التصنيع .. مجانية التعليم بكل مراحله .. الاستقلال الوطني .. التوحيد القومي .. الحرب على الاستعمارين القديم والجديد ، فراهنية روح رسائل الوعد تلك مازالت مقيمة بيننا .. في انتظار من يجيب