آل خولة

ابراهيم الحريري

 

 

لست ادري لماذا طفر هذا العنوان اسما لهذا المنشور، لعله يعود الى التصاق هذاالاسم " خولة " به منذ اول التقائي به، اوائل عام 1954.

كان ذلك في سجن بعقوبة. اول ما لفتني فيه، طوله القارع، سمرته الداكنة، كانه سليل اسرة من المولدين، طريقته في الحديث، يحكي متأنيا، مقطعا الجملة، كأنه يريد ان يتأكد انها الكلمة المقصودة قبل ان يخرجها، يمشي هادئا ( كدت اقول ملكا!).

لم اره، مرة، منفعلا، و لا غاضبا، اكاد اقول اني لم اسمع منه كلمة نابية، بحق اي من خصومه، على كثرتهم، في الحزب و خارجه، ولطالما سُلِقِ بحداد الكلام...

لا ادعي اني كنت قريبا منه، لعله بسبب الفارق، فارق العمر، و فارق الشخصية.

كنت، متوثبا، سريع الحركة، حد التهور، احيانا، و لعلي، على التقدم في العمر، ما ازال...

شتت بنا المسارب، و المواقف، حتى التقينا، مرة واحدة، في دمشق، عند مغادرته كردستان ( ذكرته بهذا اللقاء و " ملابساته " كتبت عن ذلك، مؤخرا!)

لنعود فنلتقي، في اقاصي السويد.

كانت تكونت له عشيرة، ابناء و بنات، احفاد و حفيدات، لست ادري لماذا ذكرني بالجد الأسطوري، في " مائة عام من العزلة "، تظلله وفروخه، تلك النخلة العراقية الصامتة ( اثر جلطة)، لم تفلح في اطفاء عينيها المتقدتين.

لم تفلح السنين و لا الأرزاء، في احناء هامته. خسر بعضا من امتلائه، لكنه طل رمحا منتصبا، قد تميل به الريح يمنة او يسرة، لكنه يظل عصيا على الكسر، يفرض هيبته و احترامه على من يحيط به، حتى لو اختلف معه.

************

كان لثاء حميما ، ودودا، من غير عذال!.

هنا، ايضا شتت بنا المسارب و الذكريات: الأشخاص الأحياء منهم و الراحلون، المواقف، بينها الأليم.

************

عمل تحت قيادة الخالد سلام عادل في لجنة الفرات الأوسط، ثم انتقل للعمل تحت قيادته، في بغداد بعد ثورة تموز عام 1958، عاصر العواصف الداخلية و الخارجية، كان قريبا من " المشاهير"، لكنه لم يسع الى الشهرة، ما كان هذا همه. كانت له بصماته البارزة في صياغة مواقف الحزب السياسية، لكنه ظل، بالأساس، رجل تنظيم، رجل ظل.

عندما احس، اواسط الثمانينيات، انه خسر حظوته عند مركز القرار، و ان المناكب تتدافعه، آثر الأنسحاب.

قفز الى ذهني، عفو الخاطر، عمل دويتشر الهائل عن تروتسكي " النبي مسلحا، النبي اعزلا، النبي منبوذا.."

لا! ليس منبوذا! الأصح القول: "منفيا "رمحا منتصبا. وسط اعاصير الجليد في اقاصي  السويد. ( في بالي ان اجري لقاء مظولا معه، اذا سمح زمني و زمنه)

كان الوقت ازف

شعرنا انناـ بعد 65 عاما من اول لقاء لنا، بتنا اقرب الى بعضنا، اكثر فهما، الواحد منا للأخر، اكثر تفاهما

التفت. كانت العينان الحنونان تودعاني بصمت. تمليت طويلا بشرتها النضرة النقية، فتنتها الأسرة، رغم انها جاوزت السبعين

انحنيت، لثمت كفيها. طفرت من عينها دمعة. همهمت محتجة.

لم اكن قرأت، بعد، سيرة ابو خولة، باقر ابراهيم، لو كنت قراتها وعرفت مآثر ام خولة، زوجة، رفيقة و اما...

لو كنت عرفت

لكنت ركعت و قبلت قدميها...