إيران في سوريا: الإعمار أم حرب تعم المنطقة؟

نجاح محمد علي

 

يبدو أن الأزمة بين روسيا وإسرائيل بشأن إسقاط طائرة استطلاع روسية بالدفاعات السورية لن تنتهي قريباً، وستكون لها تداعيات تأمل إيران أن يدفع استمرارها إلى تغيير قواعد الصراع الإيراني الإسرائيلي في سوريا لصالح محور المقاومة حتى مع وجود مساع أمريكية لتخفيف حدتها.

وإذ تضع إيران هذا الحادث ضمن المحاولات الإسرائيلية المستمرة للتأثير على مسار التطورات الميدانية على الأرض وعرقلة تحقيق الانتصار النهائي ومنع سوريا وحلفائها من استعادة ما تبقى من أراض من المعارضة المسلحة، خصوصاً إدلب إذ تنظر إيران إلى مصير إدلب، في السياق الطبيعي لتواجدها العسكري في سوريا باعتبارها الخط الأول للدفاع في مقابل إسرائيل فيما لو فكرت في شن اعتداء عليها، ولهذا تعتبر معركة إدلب آخر المعارك المصيرية في سوريا وأنها ستكون سبباً في حسم الكثير من المعادلات المرتبطة، ليس بمستقبل سوريا فحسب بل وستشمل أيضاً مستقبل دورها الإقليمي كاملاً فضلاً عن تحقيق جُملة المصالح الجيوسياسة في عموم منطقة الشرق الأوسط.

ورغم التنافر بين الطرفين، يعكس تقديم دونالد ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة الشكر لإيران في إطار شكره روسيا وسوريا وتركيا أيضاً للتوصل إلى اتفاق إدلب، اعترافاً أمريكياً لافتاً بالدور الإيراني في سوريا، وأن هناك تفاهماً يمكن تطويره ليصل إلى مفاوضات مباشرة وحلول للمسائل العالقة في المنطقة كلها وهو ما يتناقض مع تصريحات أخرى تصدر عن مسؤولين أمريكيين آخرين، منها بالطبع قول مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي جون بولتون إن إيران مسؤولة عن هجمات في سوريا ولبنان وإسقاط الطائرة الرّوسيّة، وقوله القوات الأمريكية ستبقى في سوريا طالما بقيت القوات الإيرانية خارج حدود إيران.

ولم يمنع هذا التصريح وأخرى وصفت بالعدائية أطلقها بولتون تجاه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني، من تأكيد قادة طهران أنهم سيبقون في سوريا حتى الانتهاء من الحرب على الإرهاب وبعد تحرير كافة الأراضي السورية من القوات الأجنبية في إشارة إلى القوات الأمريكية التي وصفها علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني الأعلى للشؤون الدولية بالقوات المحتلة

وبات واضحاً أن موقف إيران العسكري على الأرض كما تشير التصريحات الرسمية، ما عاد كما كان عليه قبل إعلان روسيا أنها ستمد سوريا بنظام صواريخ إس 300 أرض جو، رغم اعتراض إسرائيل بقوة، بعد اتهام موسكو لإسرائيل بالمسؤولية غير المباشرة عن إسقاط الطائرة، ما ينبئ بخلق وضع خطير بين إسرائيل وإيران في سوريا وقال أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إن استمرار اعتداءات الكيان الصهيوني على سوريا سيواجه ردود فعل تجعله نادماً.

وفي المقابل كان الشيخ حسن نصر الله أمين عام حزب الله هدد إذا حصلت معركة بين حزب الله وإسرائيل فان إسرائيل ستشهد أكبر خسارة في تاريخها. وقد رفع الحزب جهوزية صواريخه من 40 ألف صاروخ في حرب 2006 إلى 150 ألف صاروخ تم نشرهم هذه المرة على الأراضي اللبنانية وعلى الأراضي السورية وعلى الحدود العراقية السورية، حيث أن صاروخ فجر 101 يصل من الحدود العراقية إلى إسرائيل بسهولة ويطال تل أبيب وحيفا وحتى القدس، وسيكون على الطيران الإسرائيلي قصف مواقع في لبنان وفي سوريا وفي العراق لرد الصواريخ التي سيطلقها حزب الله على فلسطين المحتلة.

وتزامن حادث إسقاط الطائرة الروسية في سوريا، مع الهجوم الإرهابي الذي استهدف العرض العسكري للقوات المسلحة الإيرانية في الأهواز في ذكرى الحرب العراقية الإيرانية والذي أدى إلى سقوط ضحايا مجندين ومدنيين بينهم نساء وأطفال، ما يضع روسيا وإيران أمام تحدٍّ كبير عما يمكن أن تسفر عنه المرحلة المقبلة في ضوء تهديدات غير مسبوقة أطلقتها إيران ضد السعودية وإسرائيل وربطت بينهما وبين الاعتداء في الأهواز .

ومن شأن هذا الوضع الجديد أن يزيد من التعقيدات المرتبطة بعملية استعادة إدلب والمخاوف الأمريكية والإسرائيلية (كما ترى طهران) من أن يؤدي ذلك لاحقاً إلى ضمان نهاية الحرب، وبالتالي خروج أمريكا وإسرائيل ومعها دول حليفة أخرى من معادلة التأثير في المعادلات الإقليمية ذات الصِّلة بإيران، وتعزيز موقفها الذي تحسن دولياً في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن عندما أيدت 14 دولة من 15 موقف إيران الملتزم بالاتفاق النووي والقرار الدولي رقم 2231 عدا أمريكا رئيس المجلس التي انتهكته في سابقة خطيرة.

وبينما يشكك البعض في نظام الجمهورية الإسلامية ببقاء التعاون بين طهران وموسكو قوياً في سوريا، ويقولون إن أي خطوة تتخذها روسيا في سوريا لن تغير من واقع العلاقة الروسية غير العدائية مع إسرائيل ، يرى آخرون أن حادث الطائرة سيجعل روسيا تتخلى تدريجياً عن استراتيجيتها المحايدة بالنسبة للصراع بين محور سوريا وإيران وحزب الله مع إسرائيل، وفي حال تخلت عن هذه الاستراتيجية، سوف يظهر ذلك عسكريا من خلال التزامها بالكامل بتقديم كافة عناصر النجاح الفنية والتقنية لمنظومة إس 300 بِمَا يشمل توفير الحماية أيضاً للمقرات الإيرانية والتابعة لحزب الله في سوريا.

وفي هذا الواقع يمكن القول إن إيران تعمل في سوريا وكأن الحرب فيها حسمت، وما عاد تواجدها العسكري هناك ضرورة قصوى، ويمكن التفاوض بشأنه استعداداً لجني ثمار مشاركتها في مرحلة ما بعد الحرب والإعمار، لكنها بالطبع تعمل في الوقت نفسه على حماية أمنها القومي من خلال تعزيز دفاعات الدولة السورية، فزودت دمشق بقدرات صاروخية تفوق ما أعلنه حزب الله عن قدراته، إلى جانب تزويد حلفائها في العراق بما أصبح يملكه أنصار الله في اليمن، تحسبًا لأي عدوان هددت إسرائيل بشنه عليها.

وقد لا ترد إيران في المدى المنظور على استهداف إسرائيل المتكرر لمصالحها العسكرية في سوريا لأنها لا تريد الوقوع في فخ الاستفزازات الإسرائيلية لغاية في نفس يعقوب، لكنها بالتأكيد ستشعل حرباً ستعم كل المنطقة وخارجها، إذا كانت الحرب عليها لتغيير النظام، وهذا ما يفسر إصرار الأوروبيين على بقاء الاتفاق النووي رغم أن منافعه الاقتصادية لأوروبا أقل بكثير من المصالح الاقتصادية الأمريكية، عندما اعتبرت المفوضة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، أن انهيار الاتفاق النووي مع إيران سيعرض أمن أوروبا والمنطقة للخطر.