جنائن بابل المعلقة وعروبة وعراقية المعدان

 

علاء اللامي

 

عثرتُ مصادفة على تسجيل فيديو يعود لسنة 2015، كان الآثاري "الأركيولوجي" العراقي الراحل بنهام أبو الصوف قد نفى فيه وجود ما سمي "الجنائن المعلقة" التي يُحكى أنَّ الملك البابلي الكلداني نبوخذ نصر قد بناها إكراماً لزوجته الميدية "أميديا" والمسماة أيضا "سميراميس" ابنة الملك سياخريس الذي تحالف معه نبوبولاسر، والد نبوخذ نصر، واعتبرها المؤرخ والرحالة الاغريقي هيرودوتس ضمن عجائب الدنيا السبع القديمة، ويقول هيرودوتس إن الحدائق المعلقة كانت تزود بالمياه عبر أنابيب تمكنوا من إصعاد المياه إلى الأعلى وربما يعني ذلك أن البابليين كانوا يعرفون نظرية أرخميدس قبل أن يكتشفها أرخميدس الإغريقي والذي قتله الرومان في حرب سرقوسة بأكثر من سبعة قرون!

د.أ بو الصوف قال إنَّ ما سميت بالجنائن المعلقة لم تكن إلا قاعة بناها الملك نبوخذ نصر على شاطئ الفرات على هيئة سرداب أو رهرة "يبدو أنها كلمة تعني سردابا في لهجة الباحث الموصلية"، وبنى حولها وفوقها شرفات مزروعة بالأشجار"terasse gardin" مؤلفة من أربع طبقات أو جدران. وأكد الباحث الراحل أن الملك نبوخذ نصر لم يتزوج امرأة ميدية لأنه ببساطة كان عدوا لهم ودخل معهم في عدة حروب.

ولكن الباحث الراحل لم يوثق كلامه بأي أدلة مادية أو تاريخية تؤكد كلامه، ربما اعتمد على كونه عالما متخصصا في الآثار، له الكثير من الإنجازات العلمية وخصوصا دفاعه العلمي في أطروحته للدكتوراة عن أصالة الحضارات الرافدينية ضد نظرية أستاذه البريطاني ماكس مالاوين القائلة بأصل غير الرافديني لها والذي اعترف أخيرا بخطأ نظريته، وربما وجد العذر لعدم طرح التوثيق في كون اللقاء كان تلفزيونيا لا يسمح بالتفصيل، فاكتفى بعبارة "اكتشفنا وجود تيراس ...إلخ"  ولكنه على الأقل كان يمكنه الإشارة ولو سريعاً الى نوع الأدلة المكتشفة أو عرض أية صور أو مواصفات لها والأسباب التي دعته الى طرح ما طرح من فكرة تفند أحد أهم عجائب الدنيا السبع التاريخية، والتي أكدها المؤرخ الرحالة الإغريقي هيرودوتس التي لم يكن يفصله عن عصر الملك نبوخذ نصر إلا 137 عاما وهي فترة ليست بالطويلة في حسابات التاريخ الجيلي (أربعة أجيال فقط فهيرودوتس توفي بعد وفاة نبوخذ نصر بـ 137 عاما) وإذا كان أبو الصوف يصف قصة الجنائن المعلقة بـ "الدالغة" أو القصة الخيالية دون أن يوثق كلامه فيمكن أن يرد عليه الآخرون بأن كلامه أيضا قصة خيالية طالما ظل دون توثيق مادي أو تاريخي حاسم وملموس.

*وحتى بالحدود التي تكلم فيها الراحل عن صالة بناها الملك على شاطئ الفرات وأحاطها بأربع شرفات مزروعة بالأشجار ومسقوفة بسقف مزروع هو الآخر فالأمر يتعلق فعلا بجنائن معلقة أو بمبنى يلوح للناظر إليه من بعيد كالجنائن المعلقة ولكنها ربما لم تكن بالحجم الكبير الذي تخيله المؤرخون والرحالة والباحثون اللاحقون.

*وفي المناسبة فهناك وجهة نظر مختلفة حول الموضوع نمر عليها سريعا: فبعد 18 سنة من الدراسة، استنتجت الباحثة البريطانية بدرجة شرف في جامعة أوكسفورد استيفاني دالي، في كتاب نشرته، أن الجنائن كانت قد بُنيت من قبل الآشوريين في شمال بلاد الرافدين وليس من قبل أعدائهم اللدودين البابليين في الجنوب. وتعتقد السيدة دالي ان البحث الذي أجرته يبين ان الانجاز الهندسي والابداع الفني تحقق على يد الملك الآشوري سنحاريب، وليس الملك البابلي نبوخذ نصر. ولكن الباحث العراقي عامر حنا فتوحي فند نظرية السيدة دالي تفنيدا نهائيا وحاسما بأدلة لا تدحض في مقالة مكثفة وقصيرة بعنوان "جنائن بابل المعلقة ... في بابل، تفنيد مغالطة ستيفاني دالي".

ماذا بخصوص المعدان: إنَّ إنكار الباحث الراحل أبو الصوف لوجود الجنائن المعلقة بهذه الطريقة  ليس الهفوة الأولى له، والتي لا تقلل من شأن منجزه العلمي المعروف، فقد سبق له أنْ وقع في هفوة أخرى  أقدم منها زمنا، خلال لقاء معه في برنامج قناة الشرقية "أطراف الحديث" بتاريخ 19 تموز سنة 2012، حين  كرر مزاعم إعلام النظام السابق حول أصول العرب المعدان العرقية في أهوار العراق، والقائلة إنهم ليسوا من أصول عراقية وعربية كما هو ثابت في التراث العربي القديم بل هنود جاء بهم الفاتح محمد بن القاسم الثقفي مع جواميسهم من إقليم السند. بخصوص اسمهم نقرأ في أقدم وأشهر معجم لغوي عربي هو "لسان العرب" لابن منظور وهو من أهل القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي ما يلي ( والنسب إليه مَعْدي، فأما قولهم في المثل : تسمع بالمُعَيْدي لا أن تراه؛ فمخفف عن القياس اللازم في هذا الضرب؛ ولهذا النادر في حد التحقير ذكرت الإضافة إليه مكبراً، وكان الكسائي يرى التشديد في الدال فيقول: بالمعيدّي ، ويقول إنما هو تصغير رجل منسوب إلى معد يضرب مثلا لمن خبرُهُ خيرٌ من مرآته ، وكان غير الكسائي يخفف الدال ويشدد ياء النسبة ، فقال ابن السُّكيت : هو تصغير معدي إلا أنه إذا اجتمعت تشديدة الحرف وتشديدة ياء النسبة خففت ياء النسبة، والتَّمَعْدُدُ: الصبر على عيش معدّ، وقيل: التمعدد التشَظُّف، مُرْتَجَل غير مشتق. وتَمَعْدَدَ: صار في مَعَدّ. وفي حديث عمر: اخْشَوْشِنُوا وتَمَعْدَدُوا...ومَعْدِيٌّ ومَعْدانُ: اسمان. ومَعْديكَرِبَ: اسم مركب؛ من العرب من يجعل إِعرابه في آخره ومنهم من يضيف مَعْدِي إِلى كَرِبَ ...وقال الشاعر :

    ضِلِتْ حلومُهم عنهم، وغَرَّهمُ ..... سنُّ المعيديِّ في رعيٍّ وتعزيبِ

وقال آخر : مثّل لنَفسك شخصي إِنَّنِي رجل ... مثل المُعيدي فاسمع بِي وَلَا ترني

  إن مزعم الخطاب العنصري الطائفي أن المعدان في أهوار جنوب العراق الذي يلوك مقولة أن المعدان (هنود جاء بهم الفاتح محمد بن القاسم الثقفي مع جواميسهم من إقليم السند) يتعارض تماما مع ما أكده الباحث الشهير ومؤسس علم السومريات نوح كريمر في كتابه "مهد الحضارات"، والذي يعرفه الراحل أبو الصوف جيدا كما ذكر هو نفسه، وأثبت - كريمر - فيه وجود حيوان الجاموس والبيئة المجتمعية التي عاش فيها مربو الجاموس وحتى بيوتهم القصبية المبنية على هيئة المضايف العربية المستعملة حتى اليوم في الأهوار العراقية. وكنت ناقشت مفندا هذه "الأسطورة الأيديولوجية المسيئة" في مقالة سابقة نشرت سنة 2011، دون ان انكر احتمال استجلاب مجموعة محدودة من مربي الجاموس من مكان آخر خارج العراق كالسند، وقد ذابوا بمرور الزمان كما ذابت قبلهم أقوام نازحة ومستجلَبة كثيرة في شعب الرافدين، ولم يغيروا الطبيعية الديموغرافية الأصلية للسكان، وتجدون رابطين يحيلان الى نصها الموثق بصور الألواح السومرية التي يظهر عليها الجاموس العراقي القديم والمضيف في ثاني تعليق.

*أما الاكتشافات الحديثة في علم جينولوجيا الحمض النووي، والتي تطرقنا لها في دراسة نشرت مؤخرا، فأكدت أن جنوب العراق يعتبر من الناحية السلالية الجينية - كما أكدت البروفيسور الروسي كليوسوف - هو الأكثر سامية "جزيرية" وبالتالي هم الأكثر عروبة من غيرهم في بقاع العالم العربي. ففي الجنوب العراقي تصل نسبة المجموعة الجينية "السامية" الأساسية ج1 إلى 83% مقابل 73% في اليمن، 43% شمال العراق، من30 إلى 40% في السعودية، الأردن، الإمارات، فلسطين، ويمكن اعتبار هذا الكشف العلمي الموثق بالتحليلات المختبرية الجينولوجية آخر حفنة تراب تهال على هذه الخرافة الأيديولوجية العنصرية في العراق!

 

*رابط الفيديو للحديث مع المؤرخ والآثاري "الأركيولوجي" العراقي الراحل بنهام أبو الصوف، حول الجنائن المعلة" في الدقيقة 13 و 34 ثانية

https://www.youtube.com/watch?reload=9&v=w_uinHoMzTI&feature=share

*رابط يحيل الى تسجيل الفيديو للحديث مع المؤرخ والآثاري "الأركيولوجي" العراقي الراحل بنهام أبو الصوف الدقيقة 18 و20 ثانية. فكرته عن أصول المعدان في أهوار الجنوب.

https://www.youtube.com/watch?v=ppM87OrK1SY

ربط يحيل الى نص مقالتي المشار إليها أعلاه حول عروبة المعدان في أهوار العراق:

الرابط الأول

http://www.albadeeliraq.com/node/366

رابط الصفحة المقتبس عنها من لسان العرب لابن منظور:

http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=7902&idto=7902&bk_no=122&ID=7913