التحدي الفلسطيني يواجه قابلية دول العرب للتبعية

محمد عبد الحكم دياب

 

 

 

تجدد الحديث عن صفقة القرن، وبدأت أجهزة إعلام أمريكية وصهيونية تروج لها من جديد.. ولا نريد أن نعيد كلاما مكررا عن أخبار ومشروعات وخطط ما زالت غير مؤكدة، وتبدو مثلها مثل حدود الدولة الصهيونية، لا تقبل تقنينا أو رسما، وتُترك مفتوحة بهدف استيعاب كل ما يُغتصب من الأراضي العربية بغرض التوسع المستمر، الرافض للتقنين أو الالتزام بحدود معينة، ومخطط غزة الكبرى، مثار منذ ما قبل زمن إرييل شارون، وفيه يتم تبادل أراض مصرية مقتطعة من سيناء مساحتها 600 كيلو متر مربع بأخرى أكبر قليلا؛ مغتصبة ومحتلة في النقب جنوب فلسطين، وذلك لمضاعفة مساحة غزة الكلية ثلاث مرات، واعتبارها بديلا لفلسطين، وعوضا عن استعادتها.

وبهذه الطريقة تبقى المستوطنات وأوضاع الضفة الغربية والأراضي العربية المحتلة برسم التهويد والصهينة، بالإضافة إلى الادعاء أن مصر ستستفيد اقتصاديا من الميناء والمطار المقترح إقامتهما داخل دويلة غزة الكبرى،. باعتبارهما حلقة وصل وتواصل مصرية إلى الخليج العربي وأوروبا، وتعزيز ذلك بمد طريق بري يُسهل مرور البشر والبضائع من وإلى المشرق العربي وإقليم الشرق الأوسط، بعيدا عن عبور الأراضي الفلسطينية المغتصبة.

ونشرت صحيفة يديعوت أحرونوت جانبا من الحديث المتجدد عن الصفقة، وعن رفض تل أبيب ما قيل أنه نسخة معدلة منها.. وأشارت إلى تقسيم القدس إلى قسمين، الغربي عاصمة للدولة الصهيونية، أما شرق المدينة المقدسة مرشح لأن يكون عاصمة لفلسطين.. وذكرت أن تل أبيب رفضتها وأن العرب قبلوها بالإجماع. هذا بينما ينتظر المراقبون الاعلان عن خطة سلام الرئيس ترامب؛ العائمة والغائمة حول ما فيها من معلومات وتفاصيل.

وعليه كتب الصحافي الصهيوني شلومو شمير الثلاثاء الماضي في صحيفة معاريف، عن الموقف المتوقع من خطة ترامب، وعن القدر الذي يمكن أن يؤدي لرفضها من تل أبيب، وإمكانية دخولها في مواجهة مع واشنطن قائلا:. حتى لو لم يتحقق ما قاله الرئيس ترامب بأن الخطة ستعلن بعد نحو أربعة أشهر، فليس ثمة ما يبعث على القلق.

معنى هذا أن الأمر إذا اقتصر على واشنطن وتل أبيب، فسيكون الكلام مجرد وسيلة معتادة لجس النبض والتسويف وكسب الوقت، لغياب حل عادل أو متوازن، في ظروف الاختلال المتجذر في ميزان القوى الصهيوني والعربي.. بالإضافة إلى أن معسكر اليمين الصهيوني الحاكم سيرفض الخطة، إذا وُجِدت أو اكتملت، وقُدِّمت رسميا إلى من يعنيهم الأمر.. وهنا يقول شمير إذا ما نشرت الخطة رسميًا بالفعل، فستسقط، وستذوي وتموت بعد أيام، وما نُشر مؤخرا من تصريحات عن احتمالات الحل السياسي للصراع لم يكن في أي مرة سبقت ضعيفا أكثر مما هو عليه اليوم

ويبدو هذا مدخلا لمناقشة قضية مثارة من عقود، حول انطباق فكرة القابلية للاستعمار على العرب، وكان قد أثارها المفكر والفيلسوف الجزائري الراحل مالك بن نبي.. ويرى أن الاستعمار من وجهة نظره نتيجة طبيعة لقابلية المجتمع به، وتفسخ أوضاعه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وفقدانه القدرة على الاستمرار في أداء دوره ونشاطه الوظيفي، فينتهى كائنا مستَعْمَرا، وتأتي لحظة بداية بواعث القابلية للاستعمار، وتتشكل في تفاصيل سلوك المستعمَر، ويعود بن نبي هنا إلى مؤرخ بحجم ابن خلدون؛ الذي صوَّر في كتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ما يدل على أن هذه القابلية مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية، ويعني بها الوظيفة التاريخية للمجتمع، التي تتوفر كشرط لضمان الاستمرار، وبالتالي ضمان القدرة على البقاء، والدفع بالمجتمع نحو التجديد، والتغلب على بواعث الركود المتوارثة من مراحل سبقت لم يكن قد توفر للمجتمع فيها بعد شرط الاكتمال.

ويشدنا ذلك إلى واقعنا الحالي حيث ارتاحت أجهزة الحكم ومعها قطاعات عريضة من سكان القارة العربية، ارتاحت إلى التسليم بقابليتها بالتبعية، وكسبت إلى جانبها أنصارا ومؤيدين.. والقابلية بالتبعية في الظروف الراهنة هي المقابل للفكرة التي قال بها بن نبي.. فإذا كانت فكرة القابلية للاستعمار قد رأت النور عام 48 من القرن الماضي، في كتاب لبن نبي صدر الفرنسية.. وتُرجم للعربية في عام 1957، فخلال سبعين عاما مضت تقدمت مجتمعات، وتدهورت أمم أخرى.. وأبرز أشكال التدهور هو ما وصلت إليه دول القارة العربية، بعد صحوة سرعان ما خبت.. وجاءها التطور المذهل في أجهزة ووسائط الاتصال والتواصل، ليقرب المسافات ويفتح العالم على المعارف والمعلومات والاتجاهات والأفكار، وفي الوقت ذاته مكنه من متابعة حال التوحش غير العادية المصاحبة لذلك.

ومع تماهى دول القارة العربية مع التبعية، والارتباط بكل ما هو استعماري وعنصري وهمجي، فإن من معضلات هذه القابلية هو إقرار كل الأطراف المتعاملة مع صفقة القرن أو قل صفعة القرن المبهمة، والأطراف المدعوة إليها، إقرارهم جميعا بالانحياز الكامل إلى المصلحة الصهيونية.. وهو انحياز أفقد المجتمع وظيفته، وأسقط كيانات اجتماعية ـ غير تاريخية ـ تتكسب من الدمار والاقتتال والحروب والعمل لنصرة الأعداء، وفي مقدمتهم من اغتصبوا الأرض وشردوا الملايين.. وبذلك اختفى تقريبا أي فعل إرادي لحلول ولو مرحلية تُسقط هذا الانحياز.

وهناك من يتصور أن هذا لن يستمر ونحن منهم؛ انطلاقا من قناعة مؤداها أن العالم وليس العرب فقط يعيشون نهايات مراحل وبدايات عصور، من المتوقع أن تكون في مضمونها وآلياتها وأشكالها مغايرة تماما لما هو موجود الآن.. والدليل هو فعالية وصلابة الموقف الجماهيري الفلسطيني ولا أقول الموقف الرسمي.. فالموقف الرسمي متخلف فراسخ وأميال عن الموقف الجماهيري.. المواصِل والمصر على استمرار مسيرات العودة منذ يومها الأول في نيسان/ إبريل 2018، مع ما يبدو من ظروف غير مواتية. وأهم ما قامت به المسيرات هو تجاوز فلسفة الإنتظار المهيمنة على العقل الرسمي العربي، وأهمها إنتظار الحلول الوافدة والمعلبة والمصهينة، الآتية من خارج أصحاب الشأن الحقيقيين، وكلها ليس لها إلا هدف واحد؛ هو إزاحة العقبة الفلسطينية من الطريق، واستباحة القارة العربية كلها وشطب القضية الفلسطنية نهائيا من سجلات الواقع والتاريخ.

والقراءة الصحيحة تقول بأن التعويل على الفعل الجماهيري المقاوم، ودخول عصر الشعوب، يثبت ما تأكد من قبل عن إمكانيات لا محدودة لهذا الفعل في تغيير المعادلات والموازين الاجتماعية والسياسية، وتصحيح وجهة البوصلة نحو جوهر الصراع.. الذي لن ينتهي إلا بتحرير فلسطين وعودة اللاجئين وإقامة الدولة مهما طال الزمن. وبوادر التصحيح بادية في ارتباك وغرق قوات الاحتلال الصهيوني، واستهدافها صدور المشاركين العزل، وقتل وجرح المئات بدم بارد، في محاولات مستميتة لإخماد هبَّة هذا الحراك الجماهيري الكبير، وهو تطور اجتذب إلى جانب فلسطينِيي غزة والضفة أبناء الشتات، من لبنان وسوريا والأردن ومصر، ومع اضطراد تطور مسيرات العودة سيكون من الصعب منعها من اختراق الحدود إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 في ساعة بدت قريبة