بدائية نظرية -الخلق- و-البدئية-الكونية

 

عبدالامير الركابي

    

 

 

يهتم العقل الانساني اهتماما استثنائيا، بمسالة مصادر الوجود، واصله وكيفية انبثاقه، ومثل هذا الاهتمام بديهي، اذا اعتبرنا ان مبعثه ذاتي، ومتصل بصورة مباشرة، بالظاهرة البشرية، وممكنات تفكرها الوجودي. قبل الكوني، باعتبارها مظهرا اساسيا من مظاهرعمليه التعرف على الكينونة ضمن الوجود.

وليس من المستغرب ان تتغير اساسيات مثل هذا الانشغال، وان يتبدل، بحسب الزمن، ومع تطور العقل الانساني، وتغير ممكناته، الامر الذي يوجب مبدئيا، ترك باب الاحتمالات مفتوحا الى مالا نهاية له، على العكس مما درج عليه الفلاسفة اولا، والعلماء في الميادين المختلفة في العصور الحديثة الاوربية منها تحديدا، مع افتراض الاطلاقية الصوابية، والكمال النهائي، بناء على ضخامة المنجز المتحقق في بضعة القرون الاخيرة، في المجال المعرفي الاجمالي، ماقد بررقفزة تقترب من تبرير مبدأ القول الفصل وتكريس النهائية.

ولا احد صار في العصر الحديث، يعتقد بان قفزة من نوع او مستوى تلك التي حدثت مابين الاعتقاد بتسطح الارض، وصولا لكرويتها، من الممكن ان تكون ماتزال مضمرة داخل البنية، او المنظومة التفكرية الحديثة، وبما يخص عملية الخلق او الوجود الاول، لم يسبق ان نوقشت على سبيل المثال، احتمالية نقض "العلية"، و "البدئية"، ومع ان العقل الحديث قد كشف عبر مجالات جوهرية، عما من شانه تغيير المنظور الكوني الاول التوراتي عن الوجود والارتقاء، مغيرا مفهوم واليات عملية الخلق، الا انه قد عزز موضوعة اخرى، اساسية، فمع ازدياد حضور السببية والعله في الشؤون الوجودية كافة، تكرست من حيث لم يكن مقصودا،ضرورة "الخالق"، او " الموجد"، كبداهة غير قابلة للدحض، مقابل الصدفة المقاربة للعبثية، والشيء نفسه ينطبق ايضا على مفهوم "البدئية"، اي حتمية وجود بدء لكل شيء، الامر الذي برر على نطاق واسع ومعتمد، نظرية من نوع "الانفجار الكبير".

ولايمكن للنظرية الانفة، ان تكون معقوله، او قابلة للنقاش، الا وفق ميكانزمات كينونة عقلية اولية، ويمكن وصفها بالبدائية، لاتريد، ومن المستحيل وفقا لنوع بنيتها،رؤية مالا بداية او مبتدأ له، كمثل افتراض "خلقية ابدية"، من المفروغ منه ان لاتقبل اليوم، لنفس الاسباب التي كانت ـ وهي مازالت لدى كثيرين ـ تمنع، وماتزال لدى اوساط لايستهان بها الى اليوم، قبول فكرة كروية الارض، ناهيك عن دورانها، وسبحها في الفضاء، هذا لان العقل نفسه، لم يتعود اخضاع صيرورته للاحتمالية، ناهيك عن ان يحولها الى فرع من العلم، او البحث المستقل، ماقد ضيع على الانسان، اهمية ودلالة مدخل من نوع "العقل الذي ينفي نفسه ويؤكدها بالتشكل المستمر" حيث لاثباتية ولا نهائية لعنصر العقل في الكينونة البشرية.

في القرن الثامن عشر، وفي اقصى جنوب ارض الرافدين، في سومر ، مبتدا المسار الانساني الراهن، جلست فتاة في التاسعة من عمرها، تهز مهد اخيها حسين الصويح، وقالت تصفه:

"دخيل الذي ماهزوه بمهاد

ولا لعب ويه ويلاد

خالق روحه بروحه

وقادر على كل ماراد"

انها الشاعرة الاعظم في التاريخ، " فدعة"، التي ستظل تنطق دائما، بالاحتمالية الوجودية الذاتوية، خارج المفهوم المبسط المتداول عن الخلق والخالق، وهو مايحيل الى الاحتمالية "اللابدئية"، بدل "البدئية"، البدائية بالاحرى، المعتمدة والشائعه، الى مستوى متدن من الاستيعاء العقلي، لصالح فرضية توافق المجال الكوني التفكري، باعتبار خضوعه لقانون"الخلقية الابدية"، حيث الاشياء والموجودات، ليست بنت موجد وخالق،كما انها ليست محكومة لمنظور الخطية الزمنية، أوالمرحلية التتابعية التاريخية، حيث يستسهل على سبيل المثال تسمية المرحلة الاسطورية من الافتكار الانساني التاسيسي، ب"طفولة البشرية، ياسقاط احتمالية توافقه مع الاشتراطات الكونية، او ينظر لتتابعية الوعي البشري، بحسب هيغل، على انها تحولات، من الاسطورية الى الدينية، الى الفلسفية.

هذا مع انه من المفروض النظر التقييمي للعقل الانساني، على مستويين: ارضوي، وكوني. والاخير هو هدف وصيرورة، يلغيها ويمتنع عن مقاربتها، العقل الارضوي البدائي بمختلف فتراته ومراحله، وياتي هذا الرسوخ المعتقدي، من نكوص عقلي اصلي، يخرج العقل من دائرة الصيرورة التاريخية، او الاحتمالية التطورية الفعليه، لا الاحادية المتاتية من قوة هيمنة البنى المجتمعية الاحادية، المقفلة، والتي ترى الانسان كائنا ابديا، مستبعدة كليا احتمالية "التحولية" او الانتقالية النوعية، من الجسد، او بقايا الحيوانية الملتصقة بالانسان من الطور الحيواني المنقضي، مع انبثاق العقل.

ان مسارات العقل، بالترابط مع الغائية الكونية العليا، قد تكون هي الفاعلة والمتحكمة الرئيسية بمسارات الانسان الارضي، وصولا الى الافق الكوني، ولاجل الالتحام به، وهي من هذه الناحية، مرتهنه لواقع مجتمعي مضمر ومغفل، مازال العقل عاجزا عن ادراكه، بالضبط كما بقي لعشرات القرون، عاجزا عن التوصل لمايعرف ب "علم الاجتماع" الذي هو احدث علوم الانسان، لم يزد عمره بعد على اكثر من قرن ونصف القرن بكثير، حين غدت الظاهرة المجتمعية معطى للبحث والتقييم السببي العلي.كمقدمه قبل تبلور علم المجتمعيات وانماطها وماتنطوي عليه من ممكنات دالة على الذهاب الى الكونية،وعلى وجه التحديد انطواء الظاهرة المجتمعية، او احداها على العناصر "التحولية" الضرورية، كينونه وبنية.

هذا النوع من الانتقال، او القفزة بالعلم المجتمعي، سيكون محطة انقلاب، ليس في المجال المجتمعي لوحده، بل في حيز العقل وصيرورته، ان نظرية دارون في الارتقاء، مرشحة هي الاخرى والحالة هذه، الى الاستكمال البديهي، فما افترضة دارون من توقف نمو العضو الانساني بسبب الاكتمال، قد ينطبق على العضو المادي الحيواني الاصول، وهو بالذات الذي حال بين عالم النشوئية الداروني ورؤية الطور، او الصيرورة النشوئية الثانية، المكملة للطور الحيواني الصائر الى انسان بظهور العقل، اي "العضو" الذي يخرج عن نطاق ودائرة المفاعيل المنطبقة على صيرورة العضو الحيواني، وحيث الانسان بعد ظهور العقل ثنائية ( عقل / جسد) فان قوانين النشوء، المنطبقة على الطور الاول تصبح باطله، وغير فاعلة عند التطبيق على العقل وصيرورته، وعلى الكائن الحالي المزدوج/ الانسان.

يبدأ طور النشوئية الثاني، من انتصاب الكائن الصائر الى انسان، على قائمتين، وظهور القل، وينتهي بافتراق العقل عن الجسد، باعتباره بقية باقية من طور منته، هو طور النشوئية الاول، المنطوي على صيرورة الحيوان عبر التحول الى "انسان"، واهم محطات الانتقال التحولي الثاني، عملية تشكل العقل، وارتقائه من الارضوية الى الكونية، وهذا هو بالضبط هدف المجتمعية، منذ ان ظهرت مكتملة في ارض الرافدين، بصيغة كيان المجتمعين المتحدين في كيان واحد والمتصارعين ابدا، اللادولة و الدولة القاهرة، مع انطواء بنية "مجتمع اللادولة" على المقومات البنيوية للتحوليّة، غير الممكن تحققه ساعة تبلوره، والمكتوب له ان يظل ينتظر، ويتنقل بين الدورات والانقطاعات الحضارية، لحين توفر مقوماته الانتقالية المادية الانتاجية،مع القفزة التكنولوجية، والانتاج المعرفي.

ليس من ممكنات العقل الارضوي كما هي ممثلة في الذروة الاوربية الحديثة، تصور اللابدئية واللاخلقية، او الخلقية الذاتية، "خالق روحه بروحة" على حد النبوءة الكونية ل"فدعة"، هذا ناهيك عن الاحتمالات الزمنية، والوجهات الايقاعية المخالفه كليا لتبسيطية العقل الارضوي، المفعم بتبجحات الملموسية العقلية، ومقابلها مفهوم الربوبيه الاستعبادية الابراهيمي، وهما منطلقان نابعان من نفس اسباب النكوصية ازاء المدى الهائل للمحركات الكونية، ومفعول الصيرورة، او النشوئية الثانية.

العقل محكوم منذ انبثاقه لعملية تشكل وصيرورة، مجتمعية هذه المرة، مبثوثة ومضمرة في انماط المجتمعات الرئيسية، المزدوجة، والاحادية، وفي الديناميات الشاملة، المصممة من الغائية الكونية العليا التي تنتظمها / الديالكتيك الكوني/ الصعودي، بالعقل من الارضوية الى الكونية... ليست المجتمعات بنى موجودة لذاتها، بل لغرض مقرر لها، بصفتها قوة واساس تحولي . بالامس كانت عناصر الصيرورة الاولى، المادة الحية/ومن ثم الحيوان ـ الطبيعة، اليوم تخضع الصيرورة لتفاعلية المجتمعية ـ العقل، وقوة التحولية الكونية، الاساس، والفاعلة في كل حقب الصيرورة ومراحلها، من الحيوانية الصائرة للانسان العاقل، الى العقل المستقل، المنفصل عن الجسد باعتباره بقية عالقة من طور سابق، انقضى.