فائدة تراثية/ كربلاء أخرى شبه مجهولة لحسين آخر قرب مكة

علاء اللامي

 

 بعد موقعة "الطف" المأساوية بكربلاء العراقية واستشهاد الإمام الحسين بن علي، سِبط النبي العربي الكريم محمد، في العاشر من محرم، سنة61 هـ (10 أكتوبر 680 م) وصحبه الشهداء، استمرت ثورات العلويين تندلع وتُغْرَقُ بالدماء، واشتهر العديد منها، ومنها ثورة زيد الشهيد سنة 122 هـ وثورة ابنه يحيى بن زيد سنة 125 هـ من الفرع العلوي الحسيني في العهد الأموي. ثم ثورات الفرع الحسني في العهد العباسي ومنها ثورة محمد النفس الزكية في المدينة سنة 145 هـ وثورة أخيه إبراهيم في البصرة في السنة ذاتها، وهي امتداد لها وجزء منها، وثورة محمد بن طباطبا في الكوفة سنة 99 هـ وثورة الحسن بن زيد الحسني في طبرستان، ثورة يحيى بن الحسن في اليمن سنة 288 هـ، وهناك ثورات علوية لم يقم بها ويقدها علويون كثورة المختار الثقفي في الكوفة وغيرها، ولكن واحدة من تلك الثورات العلوية الحسنية المهمة لم تنل حظها من المعرفة والشيوع وظلت شبه مجهولة هي وأبطالها: إنها ثورة الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، والمعروف في متون التراث باسم "الحسين بن علي العابد".

*نشبت هذه الثورة بعد أن أساء الوالي العباسي على المدينة في عهد الخليفة موسى الهادي معاملة بعض العلويين وأغلظ لهم القول فثاروا ضده، وانتقلت الثورة إلى مكة بعد أنْ أعلن الحسين البيعة لنفسه، وأقبل الناس عليه يبايعونه. فسارع الهادي إلى إرسال جيش كبير إلى مكة لقمع هذه الثورة قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى.

*موقعة فخ: وبتاريخ (8 ذو الحجة 169 هـ - 11 حزيران -يونيو 786م) وعلى مسافة ثلاثة أميال من مكة، بمكان يدعى "فخ"، حدثت المعركة بين الجيش العباسي و الثوار العلويين بقيادة الحسين. حينها كان الثوار مُحْرِمين، وفي طريقهم إلى إكمال أداء فريضة الحج، وتصادف ذلك مع يوم التروية. وقبيل المعركة، طولب الثوار بالاستسلام ومبايعة الهادي العباسي، فرفضوا وقاتلوا ببسالة، وانتهت المعركة بمقتل الحسين وصحبه في مواجهة عسكرية غير متكافئة، وفعل الجيش العباسي ما فعله الأمويون من قبل، فقد حُمِلَ رأس الحسين وجيء به الى الخليفة العباسي الهادي ببغداد، فاستنكر الهادي فِعْلةَ قواده ووبخهم على قتل الحسين وصحبه بلا أمر منه.

*كان مع الحسين بن علي العابد من بني عمومته: إدريس وسليمان ويحيى أبناء عبد الله الكامل، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وقد استشهد سليمان وإبراهيم في المعركة، ونجا إدريس ويحيى وتمكنا من الانسحاب والهرب؛ أما يحيى فقد اتجه شمالاً شرقياً نحو بلاد الديلم - شمالي إيران اليوم - وحاول قيادة ثورة مسلحة هناك، وعرف بيحيى صاحب الديلم، ولكن ثورته فشلت وأسر حياً وسجن ببغداد وكانت وفاته في حبس الرشيد سنة 175هـ، وعمره 65 عاما.

*وأما إدريس فقد هرب من الحجاز إلى مصر، ومن مصر هرَّبه صاحب البريد المصري وكان من أنصار العلويين إلى القيروان في "أفريقية" أي تونس، ومنها إلى طنجة في شمال بلاد المغرب الأقصى ومنها سافر الى مدينة زرهون (وإليها ينسبه المغاربة حتى اليوم فيقولون: مولاي إدريس زرهون)، حيث نجح في إقامة دولة علوية إدريسية هناك. ويَعتبر العرشُ المغربيُّ القائمُ اليوم في المغرب نفسه امتدادا لها. بويع الإمام إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب من قبل القبائل البربرية بمدينة وليلي يوم الجمعة 4 رمضان 172 هـــ / 6 شباط 789 م، توفي اغتيالا بالسم سنة 174 هـ / 791، أي بعد خمسة أعوام تقريبا على نجاته من مذبحة "فخ" الحجازية، وقبل عام أو أقل من وفاة أخيه يحيى في سجون بني العباس، وكان عمره حين وفاته 47 عاما.

*اتُهِمَ بتدبير اغتياله إبراهيم بن أغلب مؤسس الإمارة الأغلبية الموالية للعباسيين. والأغالبة أو بنو الأغلب سلالة عربية من بني العنبر من قبيلة بني تميم، حكمت أجزاء مما نسميه اليوم المغرب العربي (شرق الجزائر وتونس وغرب ليبيا) مع جنوب إيطاليا وصقلية وسردينيا وكورسيكا ومالطة. ولكن خطة الأغلبي فشلت سياسيا فلم يقضِ على الدولة العلوية الإدريسية رغم نجاحه في اغتيال إدريس الذي أصبح رمزاً مقدساً عند المغاربة يسمونه "إدريس الأكبر" و "مولاي إدريس زرهون"، وله ضريح كبير في مدينة زرهون بضواحي مدينة مكناس، يقام له فيه موسم احتفالي استذكاري كبير كلَّ عام حتى عصرنا هذا.