مصير المنشق المختلف

صباح علي الشاهر

 

في النظام القبلي ( العشائري) يخلع المختلف والمتمرد على النظام القبلي من القبيلة ، وهذا يعني إهدار دمه في نظام حياة الإنسان فيه لا تساوي قلامة ظفر من دون أن يكون هنالك من يطالب بدمه ، والمخلوع لا دية له .

في النظم الدينية المختلف عن السائد الشائع المُتبنى من قبل الأقوى والمُتحكم ، مهما كانت درجة إختلافه  " مبتدع "، والبدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، والحكام المرتدون لرداء الدين لم ينتظروا نار الله في الآخرة ، فأحرقوا المرتد ، الزنديق ، الكافر ، المبتدع، بنارهم هم ، أو صلبوه ، أوجزوا رأسه ، ولم يحدث هذا فقط في القرون السالفة بل حدث ويحدث في قرننا هذا ، القرن الحادي والعشرين ، الألفية الثالثة !

***

من مُسلمات عالم العصابات ( المافيات) ، أنها لا تتساهل مطلقاً مع المنشق ، ليس خشية من إكتشاف أسرار العصابة ، فقد لا يكون المنشق عارفاً بإسرار العصابة ، قد يكون شخصاً هامشيا آثر في نهاية المطاف أن يبتعد عن عالم العصابات ، ليعيش حياته ، لكنه يقلل من هيبة وهيمنة العصابة ، وربما يقلل من هيبة الرأس " العراب" ، أو يشجع غيره على الخروج من العصابة ، لذا يكون الموت هو الحل ، هذا الإجراء وحده يجعله عبره لغيرة ، أي عبره لمن يعتبر .

في عالم الجاسوسية لا يختلف الأمر كثيراً ، عن عالم العصابات .

***

في التنظيمات والأحزاب الشمولية ، لا تختلف عقوبة المنشق المختلف عما سلف ، لكنها تتنوع من إبادة جسدية ، وقتل بوسائل القتل المعروفة في حالة هيمنة الحزب وقوته وتمكنه ، وبالأخص حينما يكون الحزب أو التنظيم في السلطة ،  إلى القتل المعنوي ، وتشويه السمعه ، إذا كان الحزب أو التنظيم عاجزاً عن التصفية الجسدية بحكم ضعفه أو هامشيته ، أو وجوده في المعارضة ، أو خارج السلطة .

وحتى لو كان الشخص متمسكا بكل قرارات التنظيم ، ومنفذا لها ، لكنه حينما يجهر بوسائل الجهر المعروفة عن بعض قناعاته التي يشم منها الإختلاف مع النهج السائد ، او السباحة بعيدا عن ضفاف النظرية السائدة ، فإنه سيكون مشروع مرتد ومنشق ، لذا توضع كل العراقيل أمامه ، وصولاً إلى إجباره على الخروج من التنظيم ، وبذا يصبح مرتداً ومنشقاً ، عندها ستفتح كل حنفيات العهر الفكري بوجهه ، وسيوصف بكل الصفات الرديئة ، وسيوضع بخانة العدو رقم واحد .

أصحاب البدع في كل دين هم الأعداء الرئيسين لمن ينصبون أنفسهم حماة لهذا الدين، حماة الدين يتحالفون ، ويتعاملون مع الذين ينكرون دينهم ، ويسخرون منه ، لا بل ينكرون ربهم ، لكنهم يحرمون التعامل مع من يسمونهم أصاحب بدعة وإن إتفقوا معهم في الأساسيات ، أو الأركان ، وأختلفوا في بعض الجزئيات، والتفاصيل الشكلية أو الثانوية .

هذا الأمر يشمل كل دين ، ولا يقتصر على دين محدد، تراه في المسيحية والإسلام ، وحتى في النظريات السياسية ( الأيدلوجيا) التي أرتقت إلى مصاف الدوغما العقائدية ، فمثل هذه الأيدلوجيات خلقت حماتها ، رهبانها وقساوستها ، كلفوا أنفسهم بالدفاع عن نقاء النظرية مثلما كلف حماة الأديان أنفسهم بالدفاع عن بيضة الإسلام ، أو نقاء المسيحية .

ولأن الهدف الأساسي ليس الدين ، ولا نقاوة النظرية ، لأن الهدف الرئيسي حماية المنتفعين من الدين والنظرية والتنظيم ، فإن التطوع بوضع المنشق المختلف في خانة الدين الآخر، أو الحزب الآخر المختلف ، أو النظرية المخالفة أو المعاكسة هو أسهل طريق لتشويه من جُعل العدو الأرأس ، ولا أبسط من القول إنه إنحرف، تماماً مثلما ينحرف الفتى الضال عن جادة الصواب !

بهذا يصبح الشيوعي المختلف الذي  أضحى منحرفاً ، برجوازياً ، أو متأثرا بالفكر البرجواي ، وفي أحسن الأحوال من مطايا البرجوازية العفنه . ويصبح القومي المختلف قطرياً أو عشائريا أو مناطقياً ، معاديا للأمة ووحدتها، مهادناً لأعدائها أو متواطئاً معهم ،  ويصبح الوطني لا وطنيا ، ومتأثراً بالأجنبي ، وربما عميلاً يستحق الموت ، ويصبح المتدين الذي يؤدي العبادات في أوقاتها مارقاً عن الدين وعدواً لله ورسوله !

***

تنظيمات تجعل المختلف في بعض التفاصيل، وحتى في أعمها، عدواً رئيسياً ، وكيانات هلامية لا تُعرف توجهاتها ، لا رؤية محدده لها ، ولا برنامج يحكم ويضبط تحركاتها، لها في كل يوم رأي مختلف ، وقناعات تتولد آنيا ، سرعان ما تغادرها من دون تبرير أو تسويغ مقنع .

وثقافة لا تؤمن بالإختلاف ، وتحجر على المختلف ، ثقافة تجتر وتستهلك ما لم يعد الذوق السوي يستسيغه ، ودين ونظرية وأيدلوجيا لا تستطيع تبرير نفسها ، والدفاع عن ذاتها، فتحتاج إلى حماة يدافعون عنها ، ويفرضون قيمها وأفكارها بحد السيف ، أو حبل المشنقة ، أو تقطيع الأوصال بمنشار يدوي أوكهربائي ، لم تعد صالحة لهذا الزمن ، ولعلها لم تكن صالحة لأي زمن .