الهضبة التي أفسدت عرس نتنياهو في الخليج .. برق بين الغيوم السود

 

نارام سرجون

 

 

الاعراس التي تنتهي آخر مشاهدها باحتراق العرس هي أصعب وقعا على القلوب من الجنازات .. ويبدو العريس الذي يرتدي بزته البيضاء التي غمرها الهباب الاسود واسودت بالحرائق مثيرا للشفقة ويستحق التعزية .. ولكن الجنازات التي تتحول الى اعراس تستحق ان تصنف على انها مهرجانات اخراج الحي من الميت ..

أعترف انني كنت غاضبا من رؤية العرس الخليجي وحفلات الزفاف الجماعية التي يعقدها الاسرائيليون في الخليج العربي .. وهم يدخلون على مستعمرات الخليج واحدة واحدة .. يطأ نتنياهو عمان بكل معنى الكلمة من معنى الوطء في النهار وهو يطأ بقية أخواتها ليلا او عند الفجر .. فيما يدخل فريق اسرائيلي كامل بدولة خليجية دخولا كاملا ونرى الميل الاسرائيلي في مكحلة الامارات دون ان نحتاج شهودا .. اعراس اسرائيل وافراحها الصاخبة لم تفاجئ أحدا لكن وقاحتها انها تبتهج وبجانب الأعراس جثث عربية من اليمن الى فلسطين وليبيا وسورية والعراق .. واهل الخليج يسكبون الكؤوس ويرقصون ويغنون( هل رأى الحب سكارى مثلنا؟؟)

 ولكن قدر اسرائيل ان اذلالها يأتي من الشمال .. وأن جبروتها الذي تسقيه عظائم الامم تقهره القوى الصغيرة التي تستخف بها .. وان أعراسها الصاخبة تنتهي بفضيحة مخجلة .. وبحريق يحول ثياب العريس والعروس البيضاء الى سواد فاحم كأنها ثياب الجنازات .. والحفل الصاخب تكسرت فيه الطاولات وانقلبت فيه الكؤوس واندلق نبيذها وعصيرها ..

فبعد العرس والليالي الملاح قدم اهل الجولان هديتهم لنتنياهو وللعرب الذين دخل بهم في صباحية ليلة الدخلة .. وكان العرس العربي الحقيقي في الجولان .. الذي انهى العرس بين اللصوص والعبيد والجواري بكارثة وفضيحة مجلجلة ..

مافعله اهل الجولان قد لايفهمه الا نتنياهو وشعب الله المختار الذي كان مبتهجا بالفتوحات العبرية في جزيرة نبينا محمد .. ونتنياهو يعلم ان العرس الذي رتب له مع كابوس عمان ومستعمراته العربية قد انهته ثلة قليلة من الأبطال الجولانيين .. سكان أربعة قرى صغيرة في الجولان هدمت الاعراس الصاخبة لاسرائيل في الخليج الثري كله .. وبالمعنى السياسي لهذا الانجاز فان مافعله الجولانيون بسمعة نتنياهو ودولته بعد عرسه الخليجي واعلانه الانتصار يشبه ويطابق مافعله ابطال حزب الله بجيش شعب الله المختار الذي قهر في جنوب لبنان عام 2006 بعد ان ظن انه سيسحق عظام المقاومة فاذا بالمقاومة تسحق عظامه .. والذي منذ ذلك التاريخ وهو يعتبر فضيحة للجيوش لأنه يحصل على نخبة أسلحة العالم ونخبة ابحاث العالم العسكرية وهو الجيش المدلل والمؤلل ولكنه امام فئة قليلة من شباب حزب الله تقهقر وانقهر وكان يبكي ويستنجد ..

واليوم ليس عندي شك ان ضمير اسرائيل الذي لم يهتز لقتل الشباب الفلسطينيين على سياج غزة وهم مسلحون باطارات السيارات فقط .. لكن هذا الضمير اهتز بشدة وانتابه القلق الوجودي الذي يداهمه امام كل تحد يتلو بهجة .. لان القلق الوجودي لاتدفنه الاعراس مع المهرجين والدبيكة .. ولاتشفيه رقصات السيوف الخشبية المرحبة بأصحابه .. القلق الوجودي مثل الشجرة التي تقطع ويبقى جذرها في اعماق الشعور .. وكل قلق يسكب عليه كالماء يحييه ويبعثه ليورق ويعرّش على العقل والفكر والارق .. والماء سكبه الجولانيون على قلق اسرائيل ليكبر بعد ان غمره الخليجيون بالنفط كي يموت ..

اهل الجولان قدموا لنا عرضا رائعا في الوطنية .. وقدموا درسا في محو الامية للأمة الخليجية الثرية والمرفهة والمطهمة التي لم تتحرك لاسقاط هذا العرس واكتفت بمراقبة العرس والدعاء للعريس والعروس بليلة بهيجة .. واستوى اليوم اهل الجولان بأهل جنوب لبنان .. كل يحطم اسطورة اسرائيلية وعرسا اسرائيليا على طريقته وبسلاحه .. في حرب لبنان قدم الاسرائيليون الميركافا فأحرقها اهل الجنوب .. واليوم يقدم نتنياهو ميركافاه السياسية وهي دول الخليج التي تم زفافه عليها .. فأحرق الجولانيون ميركافاه السياسية .. ويبدو ان كل ميركافاه لها اخصائيون في الشمال يعالجون غرورها .. ويحرقون كبدها ..

ولكن من ناحيتنا كسوريين يجب ان ننظر الى التجربة الجولانية على انها ايضا تجربة تخصنا وحدنا وهي انجاز لنا وحدنا .. فرغم ان فراقنا لاهل الجولان مر عليه نصف قرن فاننا حافظنا على انتماء اهل الجولان وحفظنا ودهم ومودتهم ووطنيتهم التي لم تهرم ولم تصب بالشيخوخة وامراض الزمن تحت احتلال طويل .. وانهم أساتذة في الوطنية .. وهذا درس يجب ان نطوره وان نتمدد فيه .. وان يكون اليوم سببا في ان نعلن اننا لن ننتظر خمسين سنة اخرى من المفاوضات ومضيعة الوقت من اجل سلام من الاسرائيليين .. وان تتقدم القيادة السياسية ببرنامج ومشروع تحرير خلال مدة محدودة تعتمد فيه على القوى الحية الموجودة في الجولان بعد ان تم انشاء المقاومة في الجولان على يد المجاهدين جهاد مغنية وسمير القنطار ورفاقهم .. وهذا يجب ان يتحرك مع انتهاء تحرير ادلب القريب .. ومانحتاجه هو ان يتحول البقاء الاسرائيلي في الجولان الى بقاء قلق .. ولو بقذيفة هاون واحدة كل اسبوع .. نرد فيها قذائف الهاون التي اطلقها زهران علوش وعصابته على دمشق .. ومن نافلة القول اننا لم نتعهد لروسيا بضمان امن اسرائيل على الحدود لأن اسرائيل كان لها طلب واحد فقط هو الا تشترك ايران في اي صراع في الجولان .. وهذا سيطلق يدنا في اختيار الطريقة التي نعيد فيها الجولان الى الواجهة بعد ان وجدنا ان اهل الجولان لديهم هذا الوفاء العظيم لوطنهم .. وآن لنا ان نلبي دعوتهم العظيمة للتحرير ..

مارأيته في الجولان يجعلني احس بالتفاؤل الشديد .. ويحعلني احس بالنشوة بعد غضب الامس وخيبة الامل بالامس .. بل وصرت الآن اتابع اعراس الخليج القادمة والاسرائيليون يرقصون بعصبية وهم ينظرون شمالا .. فكل الفضائح تأتيهم من الشمال .. كل الاذلال يأتيهم من الشمال .. وكل الهزائم تأتيهم من الشمال .. وكل الحرائق .. وكل الأعراس المهدمة .. وكل الخراب ..

واظن ان علينا بعد مارأيناه في الجولان ان نعيد مراجعة تجربتنا كلها .. تجاه اراضينا المحتلة من لواء اسكندرون الى الجولان ونحن لدينا هذه الحاضنة الوطنية والجمر الكامن تحت الرماد .. فلا فرق بين جولان الشمال (لواء اسكندرون ) ولواء الجنوب (الجولان) .. وتركيا لها عقل اسرائيل .. فالاولى عقل ديني عثماني .. والثانة عقلها عبري استيطاني .. وكلاهما يمسك منذ عقود بقطعة من لحمنا النازف .. ولكن السؤال الذي يطرحه الثوار الجولانيون علينا هو عن سبب غياب استراتيجية تجاه لواء اسكندرون .. لأن اللوائيين كان يمكن ان يتحركوا ضد الاتراك مثل الجولانيين .. والتحركات الشعبية هي مولد الوطنية وهي طريقة لاطلاق الانتماء لأنها ستفصل المجتمعات المبتورة من اوطانها عن المجتمعات المستعمرة لها .. وأذكر للأسف ان ملف لواء اسكندرون كان مكلفا بالعناية به (الرفيق) عبدالله الأحمر .. واذكر في تلك الفترة ان عددا من اللوائيين المناضلين تم سجنهم لسنوات طويلة في السجون التركية وتم تعذيبهم بوحشية .. وبعد اطلاق سراحهم خرجوا هرمين محطمبن وأنصاف مومياءات .. ووصل احدهم الى دمشق وبدل ان تقام له احتفالية ويتحول الى رمز ملهم للوائيين .. ويقدم اسمه في الاحتفالات الوطنية ويضاف الى قائمة من تتحدث عنهم المدارس فقد تم استقباله بشكل باهت وتكريمه من قبل (الرفيق) الذي منحه اقامة مجانية في غرفة في المدينة الجامعية في دمشق مما يعكس بلاهة او سذاجة او لامبالاة ممن اجترح هذا الاقتراح .. ولا أعرف اخبار هذا المناضل اللوائي منذ ان دخل تلك الغرفة التي يبدو ان زنزاته التركية كانت افضل حالا منها .. !!

ودعوني اقول ان لواء اسكندرون (جولان الشمال) فيه ولاء وطني كامن يحتاج ان نضع استراتيجية لتحريكه واطلاقه شعبيا على مراحل .. فكما ان الاكراد مضطهدون في تركيا فان السوريين مضطهدون في تركيا .. لكن الاكراد تنجذب اليهم قوى كبرى لأن لها مصلحة في التلاعب بهم واستخدامهم .. في حين ان السوريين في تركيا تخشاهم القوى الدولية لأنهم سيكونون قوة اضافية للشعب السوري يجب ان توقف .. ولذلك لا أمل لهم الا بدولتهم الام سورية التي قدرها ان تنقذ ابناءها الذين ضيعتهم عاصفة الاستعمار الغربي والعثماني .. بل ويبدو عجيبا كيف ان تركيا خلقت لنفسها قاعدة عثمانية عند شريحة من السوريين الذين تحولوا الى حاضنة لطموحاتها فيما ان قطعة من قلبنا السوري في اللواء لم نفكر في ان نضخ الدم السوري فيه ونشعله بالوطنية السورية في أحشاء تركيا كي يتحرك اللوائيون كما يتحرك اهل الجولان وكأنهم مربوطون بالشريان الابهر لسورية رغم كل عملية التقطيع التي تمارسها اسرائيل لهذا الارتباط .. وهنا دعوني اعترف اننا لم نقدم مشروعا فعالا لابقاء جذوة الحنين في اللواء رغم ان الارضية والحاضنة في اللواء تواقة لهذا المشروع واحيانا بشكل يفوق مانتصوره .. فانا سمعت من بعض اصدقائي الذين زاروا اللواء عن أشخاص كانوا يكلمونهم على انفراد وبشكل سري وصوت خافت .. وبلهجة سورية ولغة عربية يقولون وهم يتلفتون خوفا من ان تراهم السلطات التركية انهم سوريون حتى العظم ولكنهم مقموعون وممنوعون .. بل انهم يحظر عليهم الحديث باللغة العربية علنا لأن جنود السلطان سيعاقبونهم بالعقوبات العثمانية .. وبعض الاسر تعلم ابناءها اللغة العربية سرا في البيوت ..

شكرا لكم .. ياأهل الجولان أنكم هدمتم عرس النتن مع النتنين وجعلتمونا نبتسم بعد ان تجهمت وجوهنا .. شكرا لأهل الجولان الذين اقاموا لكل سوري عرسا على هضبتهم .. واقاموا دروسا مجانية لجماهير العرب ولكل المسلمين بمئات ملايينهم في الوطنية .. وسخروا من ليالي الخليج الحمراء الساخنة مع نتنياهو وليالي الدخلات .. ووضعوا شحما اسود على ثياب النتن ياهو البيضاء التي كان عائدا بها من عرسه الخليجي ليحتفل ويلتقط الصور التذكارية .. فحولوا العرس في اسرائيل الى مأتم .. وجنازة للتطبيع .. وهم بهذا العرض الوطني الرائع بعثوا لنا رسالة صريحة .. وهي اننا نستحق هؤلاء الابطال .. وانهم يستحقون الحرية .. وأن من المستحيل ان نتركهم تحت الاحتلال بعد الآن .. بل ومن العار ان نحرر حلب وادلب والغوطة ونتوقف عند الجولان ..

الجولان لم تعد مجرد هضبة .. بل هي ايفرست سورية الشاهقة وأعلى نقطة فيها .. وفي الأعالي لايوجد الا الهواء النقي .. ومافعلوه اليوم هو انهم كانوا البرق الساطع من بين الغيوم السوداء التي أحاطت بنا .. فطوبى للبروق الساطعة .. التي تومض .. من الجولان العربي السوري ..