حكومة عبد المهدي: رجال بريمر يعودون "تكنوقراطياً"!

 

علاء اللامي*

 

 

بعد مخاضٍ سياسيٍّ طويل، نال رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ثقة المجلس النيابي العراقي. قدم الأخير ثقته لـ14 وزيراً فقط من أصل 22؛ إذ لم يصوّت على الثمانية الآخرين، بعد نشوب خلافاتٍ حادّة حولهم بين الكتل النيابية الكبيرة، وخصوصاً حول الحقيبتين الأمنيتين الداخلية والدفاع.

عبد المهدي نفسه، مرَّ تكليفه بشيءٍ من السهولة، بعد توافق غير معلنٍ رسمياً بين أكبر كتلتين شيعيتين: الإصلاح بزعامة مقتدى الصدر، والبناء بزعامة هادي العامري ونوري المالكي، بوصفه مرشحاً تسوويّاً من خارج الحلبة البرلمانية. توافقٌ سهّله ما قيل عن موافقة المرجعية السيستانية على اسمه كرئيسٍ للوزراء، وعلى اعتبار آخر هو أنَّ المُكلَف مستقلٌّ حزبياً، علماً أنه لم يقطع صلته بآخر حزب سياسي انتمى إليه، وهو المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمّار الحكيم، قبل أن تنتقل رئاسته إلى همام حمّودي، إلا منذ فترةٍ قصيرةٍ قد لا تتجاوز العامين، وتحديداً بعد استقالته من وزارة النفط في آذار/ مارس 2016. أما اعتبار عبد المهدي من التكنوقراط فهو اعتبار غير دقيق، وقد لا يصحّ إطلاقه على الرجل، لأنّه لم يعرف ككادر تكنوقراطي، ذي تخصّصٍ أكاديمي رفيع، سوى أنه يحمل شهادة الماجستير في الاقتصاد، وهي شهادة يحملها ويحمل ما هو أعلى علمياً منها الكثيرون في الحكومات السابقة. تنقّل عبد المهدي في مناصب مختلفة ومتباعدة المواضيع، لا يؤكد هذا المعنى التكنوقراطي المراد، فقد شغل منصب وزير المالية في الحكومة المؤقتة التي شُكّلت برئاسة إياد علّاوي، من قبل الحاكم المدني الأميركي بول بريمر في 28 حزيران/ يونيو 2004، لتحل محل سلطة الائتلاف الموحدة/ قيادة قوات الاحتلال الأميركي، ثم منصب نائب رئيس الجمهورية في البلاد، لسنواتٍ عدّة، وأخيراً عُيّن وزيراً للنفط في حكومة حيدر العبادي حتى استقالته منها سنة 2016.

أما الوزراء الذين منحوا الثقة، فلا تنطبق عليهم صفة التكنوقراط ولا الاستقلالية الحزبية، بل ولم يأتِ أحدٌ منهم عبر النافذة الإلكترونية التي فتحها عبد المهدي للعامة. لقد فاجأت هذه النافذة الجميع، وهدد بعض الأحزاب بالانتقال إلى المعارضة إذا تم استخدامها فعلاً كبديلٍ للتوافقات/ الصفقات بين الكتل النيابية، إذ بلغ عدد المتقدمين عبرها إلى الوزارات 15184 مرشحاً، بينهم 1778 مرشحاً من حملة شهادة الدكتوراه، ومن حملة شهادة الماجستير 2200 مرشح. رغم ذلك، لم يمرّ وزيرٌ واحدٌ إلى الحكومة من بين أفضل 600 مرشح تم انتقاء سيرهم الذاتية ممن تقدموا بترشيحاتهم، والذين صدقوا حكاية النافذة الإلكترونية الديموقراطية!

أما من حيث الماضي السياسي، فإن الوزراء الجدد لا يختلفون كثيراً عن بعضهم، ولا عمن سبقهم، سوى أنّهم من رجال الصف الثاني في عهد بريمر خلال سنوات الاحتلال الأولى. فوزير الخارجية الجديد محمد علي الحكيم، والذي كان يُحسب على مجموعة إياد علّاوي، هو من أقطاب ومؤسسي حكم المحاصصة الطائفية.

هل أصبحت المشاركة في عمل الهيئات التي أسسها الاحتلال مأثرةً يُفتخر بها؟

وبقراءة سيرته الذاتية نعلم أنّه غادر العراق للدراسة عام 1976، وعاد بعد الاحتلال عام 2003، وحمل صفة نائب الأمين العام لـمجلس الحكم الذي شكّله بريمر بعد الاحتلال (يصف الحكيم المجلس أرقى ما يمكن سياسياً، كما عبّر في لقائه مع بي بي سي في شهر تموز/ يوليو من العام الجاري). وشغل الحكيم منصب وزير الاتصالات في الحكومة المؤقتة برئاسة علاوي عام 2004-2005، وعمل سفيراً في وزارة الخارجية العراقية، وشغل منصب مندوب العراق الدائم في الأمم المتحدة في جنيف ثم في نيويورك من 2013 حتى 2017. وكان له موقف سلبي وأقرب إلى التمرد على أوامر قيادته في بغداد، حين اجتاح الجيش التركي لمنطقة دهوك شمالي العراق، حيث امتنع الحكيم عن تقديم شكوى ضد تركيا إلى مجلس الأمن، كما طلبت منه حكومته. وأدلى بتصريحاتٍ كان لها أثرٌ سيئ على الموقف الحكومي العراقي المعلن، ما اضطر وزارة الخارجية العراقية إلى اتخاذ قرار مباشر وفوري بتقديم الشكوى! وأخيراً، فقد استهل الحكيم نشاطه بتصريح أكّد فيه لوزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، والذي كان أول المهنئين له بمنصبه، أنّه سيعمل على تطوير العلاقات المشتركة بين البلدين، مشيداً بـالدور المهم والحيوي الذي لعبته ‏الولايات المتحدة في دعمها للعراق.

أما وزير النفط ثامر الغضبان، فقد كان موظّفاً في وزارة النفط منذ 1973 حتى 1992، وقد اعتُقل في عهد نظام صدام حسين لفترة ثلاثة أشهر لأسبابٍ إدارية. ثم أصبح وزيراً للنفط في الحكومة المؤقتة التي شكّلها بريمر برئاسة علّاوي، وكان عضواً أيضاً في لجنة كتابة الدستور، وعضواً في الجمعية الوطنية الانتقالية التي شكلها بريمر، وعضواً في اللجنة الاقتصادية في الجمعية الوطنية الانتقالية.

وزير المالية فؤاد حسين، وهو من أنصار الزعيم الكردي مسعود البارزاني، شغل منصب مدير مكتبه لسنواتٍ عدّة، بعد أن استقال من حزبه حزب كادحي كردستان ملتحقاً بـالحزب الديموقراطي الكردستاني، وقد اتُّهِم فؤاد حسين علناً من قِبل أوساط كردية بأن له علاقات سريّة مع الموساد الإسرائيلي، غير أنّه نفاها. وعُرف حسين بموقفه المتحمس لمحاولة الانفصال عن العراق، والتي قادها البارزاني بدعم من دولة العدو الإسرائيلي من بين جميع دول العالم؛ وقال حينها حسين مقولته الشهيرة نحن لسنا جزءاً من العراق لنأخذ موافقته على استقلالنا أو انفصالنا. ومع ذلك فقد حاول البارزاني ترشيح فؤاد حسين لمنصب رئيس للجمهورية بمساعدة بعض حلفائه من الساسة الشيعة، لكنّه فشل في ذلك. ويعتبر تنصيب فؤاد حسين الآن في منصبٍ سيادي مهم كوزارة المالية جائزة ترضية ومكافأة سياسية للبارزانيين، من قِبل الكتل السياسية النافذة في بغداد!

أما المرشحون لوزارات حكومة عبد المهدي، والذين لم يُمنحوا الثقة، فثمة الكثير مما قيل بحقهم في معرض النقد لسيرهم الذاتية التي قدموها مبتسرة. كانت قليلة المعلومات، وغير موثّقة من حيث الشهادات العلمية، والتزكية من قبل القضاء وهيئة العدالة والمساءلة، والتي تهتم بتتبع المسؤولين في نظام صدام حسين ممن تورطوا بجرائم ضد الشعب:

-المرشح لوزارة النقل عبد الله اللعيبي باهض مثلاً، مسؤول حكوميّ مُتهم بالفساد وقد صدرت بحقه مذكرة استقدام من هيئة النزاهة، نُشرت على الوسائل الإعلامية العراقية، وشبكات التواصل الاجتماعي. هو شقيق وزير النفط السابق عبد الكريم اللعبيي باهض، والذي كشف تقرير نشرته هافينغتون بوست في آذار/ مارس عام 2016 أنه كان جزءاً من عصابة الفساد الكبرى في صناعة النفط العراقية، مشيراً إلى أن اللعيبي لعب دوراً في تأمين عقود النفط لشركات النفط الأجنبية مقابل رشاوى.

-المرشح لوزارة الداخلية فالح الفيّاض، والذي رأس أكثر من جهاز أمني ومخابراتي عراقي، إضافة إلى رئاسته لـهيئة الحشد الشعبي، اعتبر ترشيحه بمثابة مكافأةٍ له على انشقاقه عن زعيم تحالفه السابق النصر، بقيادة العبادي. كما سجّل عليه نواب ومراقبون انعدام الكفاءة والإنجازات المخابراتية، خلال قيادته لأجهزة المخابرات في فترة مواجهة المجموعات المسلحة لتنظيم داعش، حيث حدثت جميع الفظاعات، والجرائم، والتفجيرات الإجرامية، والعمليات العسكرية الكبيرة في قلب العاصمة بغداد في عهده، ولم تحرز تلك الأجهزة أية نجاحات مخابراتية مهمة في مواجهة العصابات التكفيرية.

ومن الظريف، أن الفيّاض يذكر في سيرته الذاتية المنشورة على موقع مستشارية الأمن الوطني أنّه كان عضواً في الجمعية التأسيسية التي شكلها الاحتلال ما بين عامي 2004 و2005، بعد انتهاء دور مجلس الحكم. ولكن، وبعد مراجعة قائمة أسماء أعضاء الجمعية، لم نجد اسمه بين الأسماء الستة وتسعين! فهل أصبحت المشاركة في عمل الهيئات التي أسستها قوات الاحتلال مأثرة يفتخر بها البعض لينال ما يصبو إليه من مناصب؟

ومن المرشحين للمناصب الوزارية الذين أثار ترشيحهم اعتراضات كتلٍ برلمانية متنافسة، يطالعنا اسم المرشحة لمنصب وزارة العدل أسماء سالم صادق، وقد رشحتها البناء أيضاً، ويقال إنها رُشِّحت لهذا المنصب الوزاري لأنها أخت ريان الكلداني زعيم مجموعةٍ مسيحية مسلحة تابعة لـالحشد. وقد انتقد بعض المعلقين هذا الترشيح، لأنه ينطوي على نوع من المحسوبية الحزبية، واعتبره آخرون تقسيماً عملياً للمسيحيين العراقيين بين موالين سياسياً لهذه الطائفة أو تلك؛ كما سجّل ناشطون على شبكات التواصل عدم مراعاته لـحساسية موقع وزارة العدل في بلد ذي غالبية إسلامية تصل إلى 97%، كان وزيرها بالأمس القريب من الإسلاميين الشيعة المتشددين والداعين لما يسمى قانون الأحوال الشخصية الجعفري الشيعي وهو الوزير حسن الشمري، فكيف تناط اليوم بسيدة مسيحية؟ ولكنني شخصياً لا أرى موجباً أو مبرراً معقولاً لهذا التحفظ، فوزارة العدل شأنها شأن جميع الوزارات في الحكومة العراقية ينبغي أن تكون مدنية ضمن دولة مدنية، ومن حق جميع العراقيين والعراقيات الترشح لقيادتها بغض النظر عن قوميتهم أو طائفتهم أو دينهم. ولكن صادق تفتقر للمؤهلات الخاصة بهذا المنصب وهي موظفة بسيطة سابقة في وزارة النفط، ولا علاقة لها بالقانون والحقوق، وتوصف عادة بأنها ناشطة مدنية.

ولعل حالة المرشح لمنصب وزارة الدفاع ناصر الجربا الشمري، مثيرة للاهتمام أكثر من غيرها. فقد قيل إنه من مرشحي كتلة إياد علّاوي، ولكن الأخير نفى ذلك رسمياً، واعتبره البعض بعثيّاً سابقاً من الدرجات الحزبية العليا ولا يجب أن يُمنح الثقة. ولكنَّ المعروف أن الرجل كان مناوئاً ومقاوماً للتنظيمات التكفيرية كالقاعدة وداعش، وهو من دعا إلى محاسبة دولة قطر عن دعمها لتلك التنظيمات التكفيرية الإجرامية، ولا يُستبعد أن الذين وقفوا ضد ترشيحه لهذه الوزارة من مجموعة الساسة العرب السُّنّة كانوا من الممولين من قطر، أو من الراغبين بحيازة هذه الوزارة كمغنم ومنجم ذهب، للصفقات وأموال العقود التسليحية الضخمة.

 

خلاصات واستنتاجات

 

في ضوء هذا العرض السريع والمكثف لتفاصيل ولادة الحكومة العراقية الجديدة، يمكن الخروج بالتصورات والاستنتاجات التالية:

1-إن هذه الحكومة ــ ربما ــ ستكون الأسوأ في تاريخ العراق الحديث، ويُتوقع أن تكمل مسيرة التخريب والخراب والفساد والإفساد التي تفاقمت بعد الاحتلال الأميركي، وستكون الأسوأ بين حكومات عهد نظام حكم المحاصصة الطائفية التي تشكلت منذ عام 2005 وحتى الآن. والمرجح أنها لن تكمل عهدتها الدستورية، وقد ترحل قبل ذلك بكثير.

2-يمكن اعتبار هذه التشكيلة، وفي جزء مهم منها، عودة قويّة لرجال الصف الثاني ممن عملوا مع الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، فيما لعبت المحاصصة الطائفية والعلاقات القرابية الأسرية أو الحزبية دورها الأهم في ترشيح آخرين من بينهم إلى الوزارات.

 

3-تراجع أسماء رجال الصف الأوّل، من حلفاء الاحتلال الأميركي، وعدم ترشيحهم أو تجديد الثقة بهم في وزاراتهم. وإذا كان البعض منهم قد غيبه الموت فإن الآخرين قد احترقت أوراقهم بسبب الفشل المتكرر والفساد المسكوت عنه، وبعضهم يحاول البقاء في الصورة لكي لا تطاوله الدعاوى القضائية أو حملات التطهير الكيدية بين الأجنحة والمليشيات والعوائل والبيوتات السياسية المسيطرة على النظام.

4-تساوت الكتلتان الشيعيتان الكبيرتان من حيث حجم الفساد والمحسوبية والتعامل مع رجال بريمر وتبنيهم، فإذا كانت كتلة سائرون قد دعمت ترشيح الحكيم والغضبان وحتى عبد المهدي نفسه، وهؤلاء كلهم من رجال واشنطن، فإن كتلة المالكي ــــ العامري رشحت أقارب ومحاسيب بعض حلفائهم على حساب النزاهة والصدقية والكفاءة، وحتى على حساب دماء شهداء الإجرام التكفيري في العراق.

5-سيستمر تدوير عدد من ساسة فترة الاحتلال بعد كل انتخابات مزوّرة، وذات نسبة مشاركة منخفضة، ولا عزاء لمن نادى بمقاطعة غير مجدية للانتخابات في أجواء التزوير الشامل، ولا عزاء أيضاً للداعين إلى المشاركة الكثيفة في انتخابات لا يثق الناس بها ولا بمن يديرها!

سيستمر الحال على ما هو عليه إن لم ينحدر إلى ما هو أسوأ. فلا بديل لدى واشنطن غير الاستمرار في ما دعته بـالفوضى الخلاقة، والتي ظهرت أخيراً كفوضى حاف لا هي خلاقة ولا يحزنون. ومثلها لن تجد طهران بديلاً غير ما تقوم به الآن من حماية ودعم حلفائها المحليين العراقيين من العرب الشيعة، والأكراد الطالبانيين، ومعهم تحمي النظام الحاكم نفسه، وهذا أمر يؤخر بكل تأكيد ساعة خلاص الشعب العراقي، ولكن ليس إلى الأبد.

 

* كاتب عراقي