خسر في الداخل ولم يخسر في الخارج

 

د. عصام نعمان

 

 

مستحيل إقناع دونالد ترامب، بأنه خسر في الانتخابات النصفية الأخيرة. صحيح أن الجمهوريين خسروا أكثريتهم في مجلس النواب، لكنهم احتفظوا بها في مجلس الشيوخ. ترامب يعتبر هذه النتيجة نصراً هائلاً له.

هل هي فعلاً كذلك ؟ ليس تماماً. بفوزهم في مجلس النواب، أصبح الديمقراطيون أقوى في الداخل من الجمهوريين عموماً، ومن ترامب خصوصاً. أقوى منهم ومنه في التشريعات المالية والاجتماعية وفي معظم ما يخصّ الأقليات والملونين والفقراء. لكن الجمهوريين يبقون الأقوى في مجلس الشيوخ وفي كل ما يتعلّق بالشؤون الخارجية والدفاع والأمن القومي، كما في التعيينات لملء المناصب العليا في الوزارات والإدارات والسفارات. مع ذلك، يبدو الديمقراطيون أنهم الأقوى لسببٍ بسيط هو أن فوزهم بأكثرية مجلس النواب مؤشر قوي مبكر إلى شعبيتهم وبالتالي إلى قدرتهم على حرمان ترامب من الفوز بولاية رئاسية ثانية.

ترامب سيخسر بالتأكيد في مجلس النواب بكل ما يتعلّق بتشريعات الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والرسوم والضرائب، وخاصة منح الميسورين والأغنياء المزيد من الإعفاءات الضريبية. لكن ليس من المنتظر أن يخسر في الخارج بكل ما يتعلق بالعقوبات ضد إيران وبحربه التجارية ضد الصين وروسيا وألمانيا وغيرها.

إسرائيل ستخسر بين جمهور الديمقراطيين وممثليهم في مجلسيّ الكونجرس. فالجيل الجديد من الشباب الديمقراطيين لا يشبه كثيراً جيلي أصدقائها التقليديين من طراز السيناتور ونائب الرئيس السابق جون بايدن أو زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب نانسي بيلوسي.

ليؤر فاينتروب، مدير المنظمة الإعلامية مشروع إسرائيل The Israel Project وسابقاً الناطق ورئيس طاقم سفارة إسرائيل في واشنطن، يؤكد أن الجيل الجديد من الديمقراطيين أقرب إيديولوجياً إلى بارني ساندرز، السيناتور الديمقراطي الاجتماعي، الذي كاد ينتزع من هاليري كلينتون ترشيح الحزب الديمقراطي له للرئاسة منذ سنتين. كما يؤكد فاينتروب، أن بعضاً من الشباب الديمقراطي معادٍ ل إسرائيل بصورة جوهرية (مقالته فيY net 2018/11/6).)

ماذا عن انعكاس نتائج الانتخابات النصفية على سياسة ترامب الخارجية، لاسيما إزاء الصراع العربي-الإسرائيلي؟

للرئيس الأمريكي بحسب الدستور الفيدرالي صلاحيات واسعة، وهو بصورة عامة، لاسيما في الشؤون الخارجية والأمن، أقوى من مجلس الشيوخ لدرجة أن في وسعه إعلان الحرب من دون إجازة الكونجرس إذا ما تعرّض أمن البلاد أو مصالحها الحيوية إلى هجوم طارئ. غير أن ذلك لا يحول دون ممارسة الكونجرس بمجلسيه، لا سيما مجلس النواب، تأثيراً قوياً عليه في الشؤون المالية على وجه الخصوص. وعليه، من المتوقع أن يتمسّك ترامب بسياساته ومواقفه حيال إسرائيل والفلسطينيين وإيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية، لكنه سيتعرض إلى نقد واعتراضات كثيرة في هذا المجال من النواب الديمقراطيين.

لتعويض ضعفه في مجلس النواب سيركّز ترامب على القضايا الخارجية، لاسيما تلك التي يعتقد أنها ستنعكس عليه إيجاباً في الداخل. من هنا تتضح أرجحية مثابرته على طرح مشروع صفقة القرن والسير بها إلى نهاية مؤاتية للولايات المتحدة ولإسرائيل.

متى يبدأ ترامب بالخسارة في الخارج ؟

الجواب: ليس قبل انتخاباتٍ عامة قادمة. ذلك أن خبراء إسرائيل الميدانيين، وفي مقدّمهم فاينتروب، يعتقدون أن رقاص الساعة السياسية يتحرك طوال الوقت، وأنه عاجلاً أم آجلاً، سيستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلسيّ الشيوخ والنواب وعلى البيت الأبيض. ففي السنوات الأخيرة تدهورت مكانة إسرائيل وسط الجمهور الديمقراطي، وخاصة في صفوف الأقليات الأثنية وذوي الأصول اللاتينية والملونين (الأفارقة) وذوي الأصول العربية والمسلمين عموماً.

الأكيد أن بنيامين نتنياهو يدرك الآن أنه إذا ما تسنّى له أن يخاطب الكونجرس، كما فعل خلال ولاية الرئيس السابق باراك أوباما، لن يصفق أعضاؤه 50 مرة أو أكثر وقوفاً وتأييداً له وتهليلاً، كما فعلوا في الماضي نكاية بأوباما الذي لم يستشيره أحد من زعماء الحزبين الديمقراطي والجمهوري قبل أن يقرروا دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى مخاطبة الكونجرس.