صرخة قلب في وجه "شيوخ الجريمة" من مسلم مقيم في الغرب

)هذه بعض آهاتٍ من قلبٍ اكتوى، بدأتُ في خَطِّها منذ أعوام، و كلُّ المقال يَصِلُكم لاحِقاً بإذن الله(

أحمد إدريس الجزائري

)جزائري مُقيم بدولة فرنسا التي أعيش فيها - لِغاية هذه اللحظة - محنة قاسية منذ قُرابة ربع قرن من الزمان(

 

ه"إذا لم تكن، أيها المسلم، في قلبك و فكرك و عملك رحمة للعالمين، فأنت على طريق غيرِ طريق رسولك محمد - صلَّى الله عليه و سلَّم -، فقد قال له ربه الذي أرسله : 'و ما أرسلناكَ إلا رحمة للعالَمين'." (عصام العطار)ه

ه"نعم لا دين مع ضعف العقل، و غِشِّ القصد، و إن طال القيام و الصيام." (محمد الغزالي)ه

       ه"أفنجعل المسلمين كالمجرمين ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟". هذا ما يُقرِّرُه القرآن الكريم. فما لَكُم كيف تحكمون يا مَن اِبْتَدَعْتُم ديناً بَشِعاً يَحُث على الجريمة و يُبَشِّرُ مُقترِفَها بِدُخول الجنة، مُسْهِمين بِفاعِليَّة رهيبة و مُذهلة في إشعالِ نيران فِتنةٍ هَوْجاء اجتاحت الأُمَّة و أتت على الأخضر و اليابِس في بعض أقطارها و طال لَهيبُها بل شَرَرُها مناطِقَ شَتَّى حَوْلَ العالَم، و ذلك لأن الكتاب الذي تستنِدون إليه تُلَخِّص تعاليمَه و وصاياه و أحكامَه هذه السورة الشيطانية : "و العصر إن الإنسان لَفي خسر، إلاَّ الذين خانوا، و ارتكبوا الموبقات، و تواصَوْا بالكذب، و تواصوا بالغدر" !

       أمِنَ الدين إشعالُ نيرانِ كراهيةٍ و حقدٍ و غضبٍ قد لا تنطفئُ إلاَّ بَعْدَ أن تُحرِقَ الأرضَ و مَن عليها لِتُصبِحَ بلدانُ الأمة بِكُل ما تحوي مِن بشرٍ و حجرٍ و شجرٍ رماداً تذروه الرِّياح ؟ أنسيتم إذاً أنَّ التسبُّبَ في قتل أُناس أبرياء آمنين كقتلِهم كِلاَهُما مرفوضٌ ديناً ؟ و أنَّ خَلْقَ البلبلة و بثَّ روح الكراهية و زَرْعَ بذور الفِتنة لا يجوز بأي حال ؟ ها هي الحقيقة، يا شيوخ الفتنة : الخيانة و التفاخرُ بها و ارتكابُ جميع المُنكرات و الموبقات و التواصي بالكذب و الغدر، تلك هي أهم مبادئ و مُقوِّمات الخريف الدموي الذي سُمِّي زوراً و بُهتاناً بالربيع العربي. إسلاميُّون غَبِيُّون و ديمقراطيون و إنتهازيون و عِلْمانِيون و أعراب و صُهيونيُّون و إرهابيون إنتِحاريون و وُصوليون و أوْباش و ليبراليون و إعلاميون و دِكتاتوريون و صليبيون إستعماريون في خندق واحد، يَطرَبون و يُصفِّقون و يُهلِّلون لِشيء واحد، يُجاهدون و يَطمحون و يَعملون لِهدف واحد، و لكِنْ لِلأسف ليس لِأجل اجتِثاث المجاعة و مُحاربة الأمراض الفتَّاكة و استِئصال الفقر مِن على وجه المعمورة و نُصرة كُلِّ المَظلومين في العالَم مع أنَّ هذا الذي كان ينبغي أنْ يَجمعَهم على قلبِ شخصٍ واحد : حقاً و فِعلاً الكفرُ مِلَّةٌ واحدة، إنها مِلَّة الراسخين في الشر. دون أيِّ اعتبار لانتمائهم أو عدم انتمائهم الشكلي لدينٍ ما. فالعِبرة فقط بالمُمارسات الواقِعِيَّة في عالَم الناس...

       إنَّ رفع كثير مِن المُعاناة عن كافة الخلائق ليس بالمُحال و لَكِنَّ هؤلاء المُغرَمين بحقوق الإنسان، لا وقت عندهم حتى لِلتَّنفُّس لِعِظَمِ ما هم فيه مِن شُغل فما بالكم بالسعي الجاد الدؤوب لِلدِّفاع و الذَّوْدِ عن كرامة الإنسان، و توفيرِ الشروط المادِّية و المَعْنوية الضرورية لِيَحْيا كلُّ فردٍ على وجه البسيطة العيشة التي تليق بالإنسان، إنَّ لدى القوم غايات و أولويات أخرى قد كشفها فاضِحو أَجَنْدَاتِهم المشبوهة مِن أحرار و شُرفاء بني الإنسان. وَسِيلتُهم الأولى و سِلاحُهم الفتَّاك تزييفُ بل قَلْبُ الحقائق، بِواسِطة ماكينة إعلامية جبَّارة في مُقدِّمتِها فضائيات الكذِب و الغِش و الفبركة الصَّحَفية بِصورة مُكثَّفة و دَؤوبة لامُنقطِعة، بِالأخص تِلك التي انطلقت مِن مَنابِرها على ألسِنَة مَحسوبين على الدين فتاوى القتل و قطع الرؤوس وسط صيحات التكبير، و بالدرجة الأولى الكفرُ لُغَة مَعْناهُ تَغْيِيبُ و كَتْمُ الحقيقَة. "كفرة" و مسؤولِيَّتُهم أمام الله و التاريخ كبيرة و ثقيلة جداً، الذين، مِن بَيْن أصحاب الكلمة المسموعة و التأثير الجماهيري على كافة المستويات، دلَّسوا و كذبوا و زيَّفوا الحقيقة، وَ هُمْ مُدرِكون بِشكل كاملٍ أو كافٍ لِلْحقيقة ؛ "كفرة" و مسؤولِيَّتُهم أمام الله و التاريخ كبيرة و ثقيلة جداً، الذين، مِن بَيْن أصحاب الكلمة المسموعة و التأثير الجماهيري على كافة المستويات، خرسوا و لم يصدعوا بالحقيقة، وَ هُمْ مُدرِكون بِشكل كاملٍ أو كافٍ لِلْحقيقة. بِصَرْف النظر عن المِلَلِ و النِّحَل التي ينتمي إِليها هؤلاء و أولئك فالمسألة عميقة و تتجاوز هذه الإعتبارات الشكلية.

       أما آن لِشيوخ التحريض و التهييج و سائِر المُتورِّطين مِن النُّخب في الرَّبيع الوَهْمي القتَّال هذا أنْ يَتحَوَّلوا مِن الغَوْغائِية إلى العقلانية، و يتناولوا بالبحث و الدراسة المُعمَّقة المُجرَّدة عن المخاوفِ و الأطماع قضية هذه الثورات التي شَلَّت جُزْءاً هاماً مِن مِنطقتِنا العربية ؟ قناعاتُهم بهذا الشَّأن كلُّها نابعة مِن أوهام و ارتِباطات و لا صِلة لها بالواقع الموضوعي. لا يستحقُّ تسمِيَّة عالِم بالمعنى الكامل للكلمة و ليس حَرِياً بِأنْ يُنظَر إليه على أنَّه مِن خُدَّام و عُشَّاق الحقيقة، مَن يُغنيه في تعامُلِه مع أحداثٍ حاسمة و في غاية الخطورة و الجسامة و التعقيد، الشِّعاراتُ الرنَّانة المُبهِرة و القِراءاتُ السَّطحية المُغرِضة، التي كثيراً بل غالِباً ما أضلَّت بني الإنسان و ما أجدتهم شيئاً في تحسين أحوالهم، و غيرُ ذلك مِمَّا يدخلُ في مفهوم الكذب الذي هو كلُّ ما دَوْرُه أو وظيفتُه التزييفُ و الخِداع و إخفاءُ الحقيقة.

 

  إلى متى ستستمر حفلة الكذب هذه ؟

     الكذب مُجَانِبٌ للإيمان، هما على طَرَفي نقيض. كذب على النفس و كذب على الغير. جَلِيٌّ أنَّ الإيغال في الكذبِ و الزَّور جَلَبَ لأمتنا متاعبَ و كوارثَ تفوق الحصر - الآتي قد يكون أفدح و أعظم و لا حَوْلَ و لا قُوَّة إلاَّ بالله - و لا أمل لنا في أيِّ خلاص ما دُمْنا مُصِرِّين على رفضِ الإصغاء لِصَوْت العقل. التغيير المنشود و هو بالطبع الذي يأتي بالأفضل و الأحسن، لا يكفي فيه استبدالُ حاكم بآخر إذ يتطلَّبُ قبل أي شيء إيقاظَ وعي الأمة و ترشيدَ سلوكِها و تصويبَ حركتِها و إصلاحَ فكرها، و لا يكون بالعمالة للأجنبي و جَلْبِ الإحتلال لأرض الوطن : مُحال أنْ يجد و يجني الخير، مَن يستعينُ بناهبي الخيرات.

    و على ذكر استبدال أو تغيير الحكام أُنبِّه إلى حقيقة مُهمَّة لا زالت مُغَيَّبة عندنا و هي أنَّ الساسة ما عادوا - بل رُبَّما ما كانوا يوماً - في الواقع السادة و لا أصحابَ السلطةِ الفِعليَّة و القرار النهائي في البلدان التي تتشدَّق زوراً بالديمقراطية. نعم هذه الأمة في حاجةٍ ماسَّة إلى ثورة، الوحيدة التي ستأتيها بربيع إقلاعٍ حضاري جديد، الوحيدة التي سَتُمكِّنها من مُواجهة تحدِّيات العصر الراهن باقتدار و تحقيقِ حضورها الفاعِل و الواعي و المُؤثِّر إيجابياً في العالَم، الوحيدة التي بِدونِها فإن قِطارَ الزمن سَيُخلِّفها وراءه، ثورةٍ في الأفكار التي بِداخلِ العقول... و حتماً لن نتداركَ ما يُخبّئُه قادِمُ الأيام للأمة ما لم نَسْتفِقْ مِن سَكْرَتِنا التي طالت كثيراً و نَستوْعِب الدرس جيداً : الإصلاحُ الحقيقي لا يَتِمُّ بهذه الطريقة، بتخريب بُيوتِنا بأيدينا قبل أيدي أعدائِنا التقليديين، يا من تدَّعون أنكم ثُرْتُم بُغْيَة الإصلاح.

    لقد أسهم شيوخُ الهَبل بِمَوَاقِفهم الرَّعناء و الحمقاء في التَّسَبُّبِ بِطوفانٍ مِن الخراب، مسؤولِيَّتُهم في مَصائبِ أمَّتِنا المُتتالية تُعَادِل و ربما تَفُوق مسؤولية حكام الجَوْر و الإستِبدَاد و نُخَبِ السُّوء الأخرى، لقد أغرقونا في بِحار الإضطراب و الحِيرَة و أَوْصَلنا فَهمُهم لِلدين إلى حافة الفناء. إذاً الكفر البَوَاحُ بِهم و بِتفسيراتِهم الضَّيِّقة لِلدين، المُمِيتة القاتِلة لِروحه و الجالِبَة لِلكوارِث، فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ مَن يَحترِم آدَمِيَّته، حتى لَوْ لم يَكُن مِمَّن فازوا عِند الوِلادة بِلَقب مُسلم. هم صُنَّاع نكَد لا صُنَّاع أمَل. الأمور اسْتَفْحَلت و ما عاد يُطاق هذا الإنحِراف بل الضَّلال الذي ذهب إلى أبعد الحدود. لم نَعُدْ نستطيع التَّحَمُّلَ أكثر فالذي يَحدُث الآن، يُسمِع الأصمَّ و يُحيي الموتى و يُنطِق الصَّخر.

    يا رب رُدَّ شيوخَ الفتنة إلى رُشدِهم عاجِلاً غَيْرَ آجِل، فقد بلغ سَيْلُ الدم المسفوكِ الزُّبى و قلوبنا المُثخَنة بالأسى ما عادت تحتمل المزيدَ من الدمار و الإقتِتال و الفوضى - فوضى هدَّامة لِدُوَلِنا و لِمُقوِّماتِها المادية و الروحية و لِطاقاتِها البشرية و لَكِنَّها خلاَّقة لِصالِح الإستِعماريين الجُدد -، أو استأصِل شَأْفتَهم و اقطع دَابِرَهُمْ عاجِلاً غَيْرَ آجِل. مُسَكِّنات المرض ما عادت تكفي، لِذا وَجَب اقتلاعُ الدَّاء مِن جذوره. الإصلاحُ مطلوبٌ و واجِب، في كل بِلاد العالَم، لَكِنه لا يَتحقَّقُ بهذه الوَسائِل. ربيع العار و الدمار قد أفَلَ نجمُه و ربيع الحق و الشرف قادِمٌ لا محالة... و سيعلم المُتآمِرون الخبثاء و المُتعاوِنون على الغدر و العدوان و الخيانة، أنهم الذين ضَلَّ سَعْيُهم في الحياة الدنيا و هم يَحْسَبون أنهم يُحْسِنون صُنعا. لأنهم انقادوا لأهوائهم التي كانت لهم بمثابة إله، و لذلك أفسدوا كثيراً و ما أصلحوا في الأرض.

 

  "الإله هو الذي يُذكر فلا يُنسى ويُطاع فلا يُعصى فإذا أصبح هوى الإنسان يأمرُ صاحبَه فَيُطيعُه و يُغريه بالشيء فيتبعه، أصبح عبداً له، فإذا أصبح عبداً له فقد اتخذه إلهاً. هذا الإله الخطير يعبده الناس في كل مكان، فإذا أردنا أن نحرر الإنسان من العبودية لا بد أن نحرره قبل كل شيء من العبودية لِهَواه أو أهواء الآخرين." (يوسف القرضاوي، "إتباع الهوى و مجاهدة النفس"- حوار على الإنترنت -، 2009(

   ه "كل خائن لا بد أن تعود خِيانتُه و مَكْرُه على نفسه، فهذا قانون إلهي ؛ فصاحب الخيانة لن يستطيع أن يُحقِّق أهدافه بهذا الفعل الشائن و سيفتضح أمره إن عاجلاً أم آجلاً (...). فمهما حاول الخائنون تنفيذ و تمرير خيانتهم و مهما حشدوا لها من كيد سياسي و إعلامي و ضخ بالمال و القُوَّة و التخويف فلن يُفلِحوا، لأنَّ سُنَّة الله ماضية إلى يوم الدين أنَّ الله لا يهدي كَيْد الخائنين." (مبروك الهاني، "سُنَّةُ الله في كَيْدِ الخائِنين" - مقال على الإنترنت -، 2013*

ه

   يا شيوخ الأمة

     أيا من تُلقبون عندنا بأصحاب الفضيلة، و المُخاطَبون هنا و فيما يلي هم تحديداً و حصراً أولئك الذين لعبوا دوراً مِحْوَرياً و حاسِماً في إيقاد و تأجيج نيران الفِتن التي عصفت بأمتنا مُنذ بِضع سِنين، و زرعت البؤس و التعاسة فينا كأفراد و أُسر و مجتمعات و دمَّرت أوطاناً بطريقةٍ مُنَسَّقةٍ و مُمَنْهجةٍ و لا زالت تفْتِك بالأرواح و تهْدِم العُمران في كل حين، أقولها لكم بصراحة و مِن دون مُوَاربة : التَّغييرُ الذي لا يقود إلى الأحسن و الأفضل، بل إلى نقيض ذلك تماماً لِحَدِّ أنه قد يُؤدي بِنا إلى حفر قبورِنا بِأيدينا، لا مرحباً به و سُحْقاً له إذ هو مُجرَّد تخريب. لا معنى لِمثل هذا التغيير الذي هو في واقع الحال ليس أكثر مِن عبث، أهوج و أحمق، يجعلُنا في نِهاية المطاف نتحسَّر بمرارة بل نبكي بحُرقة على ما سلف...

      ورد في الأثر أنَّ المؤمن ينظر بنور الله و ها أنتم كالعُميان لا تُبصِرون شيئا. لقد ظننتُم السَّراب ماءً عذباً و حَسِبتم ربيعاً ما هو خريف، مِن كثرة ما زيَّنتُم لأنفُسِكم و للآخرين الباطل، لقد كانت مُجَرَّد أوهامٍ هي اليوم تتساقط كأوراق الخريف. و الأدهى في الأمر هو أنَّنا في الواقع إزاء تعامٍ مُتعمَّد و مقصود عن الحق، بَيْنَما الكُلُّ يرى بِأُمِّ العَيْنِ النتائج الكارثية التي خلَّفها هذا الصُّدود عن الحق. لَعَمْري هذا هو الكفر في أبشع صُوَرِه إذْ هو جحودٌ و عَدَمُ اعتِراف أو إقرار و نُكْرَانٌ لِأشياء مُؤكَّدة بِمُوجِب كَوْنِها مَحْسُوسٌة مَشهودَة مَلْمُوسة و لَيْست مِن أنباءِ الغَيْب. فيا أهلَ العِلم المَزعومين، مَن الأَوْلَى بِوَصْف كافر : مُنكِرُ وُجود الشمس أم مُنكِرُ حُدوث البعث ؟ أيُّهُما قد يكون في إنكارِه معذوراً و أيُّهُما مِن المُحال أنْ نَجِد له عذراً ؟ منكِرو و جاحِدو الشمس، أي الحقيقة بِشأن ما يَحْصُل بالفِعل على أرض الواقع

- و التي هي الآن بل مُنذ مُدَّة طويلة بَيِّنة واضحة جَلِيَّة -، هم أنتم يا مَعْشر المشايخ. و كفيف البصر هو وحده من لا يُلام إنْ أنكر وجود الشمس...

     إحقاقُ الحق و إبطالُ الباطل، تلك هي مُهِمَّة العالِم الصادِق : أين أنتم مِن الصدق و مِن الربانية ؟ إلى متى سَتَستمِرُّ حفلة الكذب و الزور و الخيانة و الإفساد في الأرض ؟ فيا أدعِياء التَّديُّن الذي بِنَظرِكم لا يَصِحُّ أبداً ما عداه أنسيتم سُنَّة الله الماضية إلى يوم البعث و الحِساب أنَّه لا يُصلِح عمل المُفسِدين ؟ ألم يَأْنِ لكم أنْ تخشع قلوبُكم لِذكر اللَّه و ما أنزل مِن الوَصايا في القرآن ؟ أمَا قَرَأْتُمْ في كتابِ الله : "وَ أنَّ الله لا يَهْدي كَيْدَ الخَائِنين"، "لا تُفْسِدوا في الأرضِ بَعْدَ إِصْلاحِها، و ادْعُوهُ خَوْفاً و طَمَعاً، إِنَّ رحمةَ اللهِ قريبٌ مِن المُحْسِنين"، "اتَّقُوا الله وَ كونوا مع الصَّادِقين". كونوا مع الصَّادِقين و لا تكونوا مع الكاذِبين ! و اجْعَلُوا نُصْبَ أَعْيُنِكم هذه الوصية مِن النبي الذي كان قومُه يُنادونَه قبل بِعْثتِه بالصَّادق الأمين : "دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلى ما لا يَرِيبُكَ، فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأنينة و إنَّ الكَذِبَ رِيبَة".

     الكذب قد يُفيد مُؤقتاً في إقناع أي خداع بعض أو رُبَّما كثيرٍ من السُّذج الغافِلين، لكِنَّه في النِّهاية سيكون وَبالاً على صاحبه عندما يَفتضِح أمره و تظهرُ الحقيقة. و هذا ما سَيَحدُث لا مَحالة، سواءٌ أطال الزَّمن أم قصُر... يا قوم إلى متى هذا الطَّيْشُ و الْخَبَل و قِصَرُ النَّظر ؟ جَلِي أنَّ مصير أوطانِنا و مُوَاطِنيها في مَهَبِّ الريح : هل يُفرِحكم هذا يا سادة ؟ هل مِن العقل و الحكمة و النَّباهة أنْ يُخْرب المرئُ بيته بيده و يَزُجَّ بِنفسِه في دَوَّامةِ فِتنةٍ هُوَ في غِنىً تام عنها و لن يَخرُج مِنها إذا استطاع ذلك إلاَّ مُثْخَناً مُحْبَطاً خائر القُوَى، هل مِن الدين أنْ تستغِلوا مشاعرَ و قِلَّة وعي و مشاكلَ بعضِ الفئاتِ الإجتماعية في أوطانِنا لِتهييجها و تثويرِها ضد أنظمةٍ دون أخرى في انْتِقائيةٍ مُريبة أفقدتكم كُلَّ مِصداقِيَّة ؟ هذا الجنون لم يُحَقِّق و لن يُحَقِّق شيئاً إيجابياً. أقلِعوا عن هذا العبث المُخْزي لَكُم و المُزْري بِكُم دون تأخيرٍ أو إبطاء !

      ما سِرُّ و تفسير هذا التَّكالُبِ المسعورِ مِنكُم على رئيسٍ شابٍ مغضوبٍ عليه مِنْ قِبَلِ طَوَاغِيتِ الأرض لأنه يُدافِع عن بلاده ضِدَّ هجمة شرسة لم يسبق لها مثيلٌ في التاريخ، إِذْ لم تُستَخدَم فيها الجيوش النظامية كالمُعتاد و إنَّما جحافِل جرَّارة مِن المقاتلين غَيْرِ المِهَنيِّين و المُدَرَّبين جيداً الذين استُقدِموا مِن مُختلف أنحاء الدنيا تحت إشرافِ مُخابَرات الأنظمة المُتآمِرة عليه، مُتَواطِئين بصورة مفضوحة مع جَمْعٍ مِن الإمبريالِيين المجرمين و الصهاينة المُتَهَوِّرين الذين يَجُرُّون العالَم بأسره نحو هاويةِ حربٍ كونية تمهيدًا لِمَجيء مسيخِهم الدجال ؟ انتِماؤُكم المُعلَن الصريح لِزُمْرَةِ أعداءِ الإنسانية و السلام العالَمي شَكَّلَ بالنسبة لي مُفاجَأة العمر. لقد بالغتُم و تمادَيْتم في ظُلْم ذلك الحاكم دون وجه حق، تماماً مِثلما فعلتُم مع الزعيم الذي صفَّاه حلفاؤُكم الصهاينة - مُستعينين في ذلك بِضِباعٍ بشرية سُمِّيت في الإعلام ثواراً -، و أنتم تعلمون أنَّ توَخِّي العدل أمرٌ إلهي واجبُ التنفيذ : "إنَّ الله يأمر بالعدل". هذا الأخير كانت له محاسِن و مساوِئ كسائر البشر، لكنه بنى بلداً العيشُ فيه ـ قبل الفتك به بإسم الحرية و حقوق الإنسان ـ لائقٌ و كريم بشكل عام، أما قَتَلتُه و شُركاؤُهم في الجريمة فماذا قدَّموا لِلْبشر ؟ و الله صِرْتُ أتساءل : هل حقاً تُؤمِنون بالله ؟

     وَحِّدوا الله يا عِباد الله : فأنتم عاكفون على عبادة مَوْروثاتِكم الفكرية و أهوائِكم الشخصية و مُؤسَّساتِكم الكَهَنُوتِية و كذلك البترودولار النجس الخبيث ؛ و لقد بات معلوماً لدى الجماهير سواء مِن خاصَّة النَّاس أو عامَّتِهم أو حتى مِن الغِلمان، أنَّ طائفة كبيرة منكم مُستخدَمون مُوَظَّفون مأجورون لِتضليل و تخدير و استحمار و استعباد هذه الأمة بإسم الله، عن طريق السيطرة على عقول سواد الشعب بإلْهائِه بمسائل دينية ثانوية أو بصراعات عفا عليها الزمن، و أنَّ تلبية طلباتِ حُكَّام العهر و التآمُر عَبْرَ فتاوى مدفوعة الأجر مُقدَّمة لَدَيْكم على إرضاء الله ؛ فأنتم غارقون إلى الأذقان في شِرْكٍ جَلِيٍّ بَشِعٍ دونه بكثير مِن حَيْثُ خطرُه و عواقِبُه ما كان عليه العرب في جاهليتهم القديمة. أصنامُ الأهواء التي تظلون لها عاكفين جلبَتْ من الوَيْلات ما لم تُسبِّبه عبادة أصنام الأحجار.

 

جيل ضحية أفكار مجرمة سامة

)أنصح بسماع هذا الفيديو

: https://www.youtube.com/watch?v=1dcLgOJQ3K0)

أنصح بقراءة هذا المقال

: http://www.albasrah.net/ar_articles_2011/0711/basami_140711.htm

الكثيرون مِن الذين سمَّمتُم عقولَهم صاروا يعتقدون أنهم سيفُ القدر، و أنَّ الخالق قد أوْكَلَ إليهم مُهِمَّة تُعطيهم الحق في قطع رقابِ البشر. هزيمة العقل عندنا أنتجت أمساخاً بشرية تتحرك دون وعي و على غَيْر بصِيرة، قد نبذت كُلَّ القِيَم السماوية و الإنسانية و مع ذلك تزعم أنَّها وحدها تُمثل الإسلام. هَلْوَساتكم الفكرية خلقت جيلاً مُشَوَّهاً مُهلِكاً لنفسه و للمجتمعات التي يحيا فيها لأنه يكاد لا يُمَيِّز بين الخير و الشر و لا يُفرِّق بين الصديق و العدو، لِذا سَهُلَ على هذا الأخير أنْ يجعل مِنه سلاحَ دمارٍ مُسلَّطٍ على العديد مِن دُوَلِنا التي تعطَّلت كلُّ مشاريعها التنموية بسبب صِبيانِكم مَسلوبي العقول : زَرْعُ الموت هو مشروع العمر بالنسبة لهم، و نشرُ الدمار هدفُهم الأسمى في هذه الحياة. يا مَن تتوهَّمون أنكم و القطعان التي تسير خلفكم تنعمون وحدكم دون سائر الورى بِتمام الهِداية، الويل لكم فقد اقترب اليوم الذي ستُدرك فيه شعوبُنا المنكوبة بكم حقيقة ما أنتم عليه مِن الضَّلالة. ها هي الحقيقة الصارخة التي ينطق بها واقع الحال و التي ستشهد عليكم يوم القيامة :

     كثير مِمَّن تُمْعِنون في الإنتقاص منهم عَبْرَ نَعْتِهم بالكفرة أو المُشركين، لا يستطيعون إيذاء بعوضة، بينما أنتم جعلتم مِن قتل الآدميين شعيرة دينية بل الطريق الأمثل لإرضاء الخالق ؛ هيهات أنْ ترقوا إلى مُستواهم الأخلاقي و الروحي و الإنساني، فهؤلاء الذين أشَرْتُ إليهم، لا يَصدُر عنهم إلاَّ الخير و لا يُتوَقَّع منهم إلاَّ البِر حتى بِمَن ينعتونهم بالكفرة أو المشركين ! فلتعلموا يا مغرورين أنه لَوْلاَ عِظات و كِتابات بعض هؤلاء لهلكتُ منذ زمن. الجنة التي يدخلها أمثالُكم و يُحرَم منها أمثالُهم أكيداً ليست الجنة ! أحداث بالغة الخطورة و في غاية المأساوية ليس مُمكناً حصرُها فضلاً عن تَعدادِها و شلاَّلات دماء لا تتوقَّف هنا إلا لِتَثُورَ هناك و ما دفعكم ذلك كلُّه إلى مراجعة نقدية جادَّة و عميقة لِتعاليم و تَصَوُّرَاتِ قد أثبتت التَّجرِبة العملية أنَّها قتَّالة.

      أنا أؤكِّد أنَّكُم أنتُم المُشرِكون و لَكِنْ لا تشعرون يا مَن أضَعْتُم الأُمَّة. أنتم أكفر مَن مشى على ظهر البسيطة مُنذ بَدْءِ الخليقة و ما في زَمَنِنا هذا أكفر مِنْكم ! يا مَن لا تَنْتَهُون عن هذا الزعم الباطل و السَّمج جِداً بأنَّ لُحومَكم مسمومة، حتى لا يتجاسر أحد على نقدِكم أو بالأحرى كَشْفِ حقيقةِ أمرِكم أمام الأمة : أفكارُكم لا لحومكم هي المسمومة و المُسمِّمة فِعلاً للعقول و الأرواح. إنَّ ما يقوم به بعض مُريدِيكم مِن أعمال عُنف مجنونة و فظيعة، كإزهاقِهم بالجملة لأرواح أُناس أبرياء مِن مُختلِف الأعمار هنا و هناك مع إحداثِ أكبر قدر مُمكن مِن الدمار المادي و المعنوي، هو أبْلَغُ دليل على صِحَّة ما أزعم و أنِّي فيه غيرُ مُجافٍ للحقيقة. و هنا يَجدُر التذكير بِعِبارةٍ بليغة : "شَرُّ إلَهٍ عُبِد في الأرض الهوى". و أنتم حالِياً بِلا مُنافِس في عِبادة هذا الإله الشِّرير، إذْ تُقدِّمون له يومياً وَ بِلا حساب القرابين البشريَّة. و على خِلاف الغالِبية الساحقة من أفراد النَّوْع البشري، مناظرُ الدماء و الأشلاء صارت فيما يبدو مألوفة لَدَيْكم : ما عادت تُحرِّك فيكم أيَّ إحساس.

       بعضُ مَن يقولون عن أنفسِهم إنهم لا يؤمنون بوجود إله، و الله أنتم أقزام بالمقارنة معهم مِن ناحية النُّبل الإنساني. أنتم ستُستقبَلون فَوْرَ خروج الروح بأكاليل الوُرود، و هم سيُبَشَّرون فَوْرَ خروج الروح بالويل و الثُّبور : إن كنتم تتخيَّلون هكذا مآل الأمور، فأنتم واهمون جداً يا أيُّها الشيوخ ! أنتُم الوباءُ و الكارثةُ الحقيقية و الطَّامَّةُ الكُبرى، يا مَن تَطمَحون لِأستاذيةِ الدُّنيا و إرشادِ الوَرى. كيف يكون هادِياً إلى سواء السبيل و لِلآخرين ناصِحاً أميناً و مرشِداً روحياً، و راعِياً رائِعاً لأنه ذو إنسانية فيَّاضة و وعيٍ نافِذ و بالتالي هو فِعلاً قُدْوَة للجميع، شخص يَتَزَيَّا بالدين و هو في حقيقة أمره عَبْدٌ لِهواه و خالٍ مِن أيَّة روحانية ؟ هالة الطهرانية و القداسة و النَّزاهة التي تحيطون بها أنفسَكم، زَيْفُها تجلَّى بِوُضوحٍ لا لَبْس فيه و ما عادت تنطلي على أحد. فمُستوى الوعي العام يتنامى على نَحْوٍ سريعٍ و مُتَواصِل مع مرور الزمن في أوساطٍ مُجتمعية و فكرية واسعة بين ظَهْرَانَيْ الأمة. انتهى إلى غير رجعة عهدُ الوِصايةِ على الضمائر و التَّوْقيع عن الله ! و السؤال الآن :

     هل ستعتذِرون للأمة و تتوبون مِن تخريبِكم لِوَعْي الكثير مِن أبنائِها و تتَّعِظُون قبل فَوَات الأوان، و تَكُفُّون عن تصرُّفاتٍ و سلوكاتٍ لا مُبَرِّرَ لها مَنْطِقياً و أخلاقِياً و غيرِ سَوِيَّة بِمِقياس الشَّرع و الإنسانية و العقل، يا مَن تُحاضِرون في الفضيلة و أيديكم تَقْطُر بِدماء الكثير مِن أبنائِنا و تَعِظُونَ بصفاقةٍ في كل آن ؟

    معشر المشايخ : لا خير فينا إنْ لم نَقُلْ بصراحة و دون وجل ما نعتقد أنه حق، و لا خير فيكم إنْ صمَمْتُم آذانَكم عن سماع ما تشعرون في قرارة أنفسكم أنه حق ؛ و لا خير فينا جميعاً إنْ رددنا و نبذنا أو خاصمنا و حاربنا الحق، لا خير في أي كائن آدمي يَضَعُ عِصابة سوداء على عينيه لكي لا يرى الحق... و لكِنْ حتى لَوْ بقيتم مُعرِضين عن حقيقةٍ ساطعةٍ مثل الشمس و مِن ثَمَّ مُصِرين على أفظع صُوَرِ الكفر، فإنه يَطِيبُ لي أنْ أختِم كلامي المليء بالمرارة و الأسى و الحسرة بصرخةِ قلبٍ نابعةٍ من يقين الإيمان : سينجلي لَيْلُ الباطل الذي طال، و سيُغْسلُ بالحق وجه الأرض. أرجو أنْ يكون ذلك قريباً.ه

 

ه"وَ قُلْ جاء الحقُّ و زهق الباطلُ إنَّ الباطلَ كان زهوقاً." (قرآن)ه

ه"متى يصحو العرب مِن هذه النَّوْمة العميقة التي خدَّرت العقول و أعمت الأبصار و فلَّت العزائم ؟ متى ينتصحون بالنصيحة التي أسداها إليهم رسول الله - صلوات الله و سلامه عليه - حين قال : 'لا ترجعوا بعدي كفاراً يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعض' ؟ نرجو أنْ يكون ذلك قريباً." (إدريس هابي، "دمعة حارَّة على حوَاضِر عربية دُمِّرت تدميرا"، 2015)ه

ه"إنَّ في ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كان لَهُ قَلْبٌ أَوْ ألقى السَّمْعَ وَهُوَ شهيد." (قرآن)ه

مُلحَق

   ه"إن المسلم عضو نافع في أمته، لا يصدر عنه إلاَّ الخير، و لا يُتوقَّع منه إلا الفضل و البر، فهو في حركته و هدأته شعاع من نور الحق، و مدَدٌ مِن روافد البركة و اليُمن. يسعى في هذه الحياة و قلبه مفعم بالمحبة، و لسانه رَطْب بالودِّ و المسالمة، و يده مبسوطة بالنعمة يُفيئها على من يلقاه، و يقدِّمُها من غير تكلُّف إلى سواه. (...) هو خير كله، يتألَّق في جبينه الشرف، و تلتمس في سيرته المروءة، و يُقبل عليه من يعرفونه و من يُنكرونه، و هم واثِقون من نُبْل خصاله. صلته بالله تجعله مرجُوَّ الخير مأمون الشر، يُحقِّق الصالح العام، و يُرتقب في ظله الأمان." (الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله و غفر أخطاءه -، في كتابه "جدد حياتك")ه

     ه"المسلم هو الذي يقدس الحق، و يعيش له و يموت في سبييله. فالحق في اعتتقاد المسلم إسم من أسماء الله، و قيمة عليا من قيم دينه. و المسلم، باعتباره فردا، مطالب بأن يعرف الحق و يؤمن به و يدعو إليه و يصبر على ما يلقاه في سبيله. و المسلمون، باعتبارهم أمة، مطالبون أن يقيموا الحق في الأرض و يتواصوا به و يهدوا

إليه (...). إن صيحة الحق لا تذهب سدى. إنها تترك أثرها في ضمير الوجود، و إن لم تسمع لها دويا، و لم تلمس لها أثرا مباشرا. و هي إن تذهب اليوم مع الريح، فغدا تذهب بالأوتاد، و هي إن ضاعت عند الناس فلن تضيع عند الله." (الشيخ يوسف القرضاوي - هداه الله و سدَّد رأيه -، في كتابه "الناس و الحق")

 

    أيا شيخنا لَوْ كُنتَ فِعلاً عاشقاً و خادماً مُخلِصاً لِلْحق، راجياً مُبتغِياً فقط وجه الله، لاسْتَجبتَ على الفَوْر و بِلا تأخُّرٍ لِهذا النِّداء الأخوي :ه https://www.youtube.com/watch?v=x9ZjlQLljmo

    للأسف بدل أن تستمع و تستجيب للنصيحة، قتلتَ الإنسان الذي أسدى لك هذه النصيحة. نعم قتلت هذا الرجل بواسطة فتوى مجرمة أوحى بها إليك هواك أو هوى أميرِك المُفدَّى الذي كان عليك أنْ تزْجُرَه قائلاً بل صارخاً : "أتأمُرون الناس بِالْبِرِّ و تنْسَوْن أنفُسَكم ؟". أحد مُوَاطِني إمارتك الديمقراطية زُجَّ به في السِّجن لِسنين عِدَّة لأنَّه نَظَم أبْيَاتاً مِن الشِّعر، أعْرَبَ فيها عن رغبتِه بِأنْ تصلَ نسائمُ و بركات "الربيع العربي" إلى حَيْث يُقيم ثوْرَجِيٌّ فذ لا نظير له هو فضيلتك، و لَكِنَّ لِسانَك الفصيح الطَّلق القوي المُسَلَّط على دُوَلٍ بِعَيْنِها ما استطاع التنديد بِهذا الفِعل... لقد خرَّبتْ بل أماتتْ ضميرَك أهواءُ السِّياسة - و أموالُ السَّاسة خاصَّة أمراء الذَّهب الأسود. و عندما يموت ضمير الإنسان، لم يَبْقَ أي معنى لِما يُسمَّى دين : لا إيمان لِمَن لا ضمير له ! تعلَّمنا جميعاً و نَحْنُ صِغار أنَّ مَن غشَّنا فليس مِنَّا و أنت غَشَشْتَ و خدعتَ و دمَّرتَ هذه الأمة. إنه الواقع الموضوعي و الحقيقة المُرَّة التي لا يُنكِرها إلاَّ طائفة مِن الصُّم العُمي، و أعني زُمرة المشركين الذين اتَّخذوك و هم لا يشعرون رباً معبوداً مِن دون الله. عُذْرُك الوحيد هو أنْ تكون قد رُفِع عنك القلم مُنْذ أمد بعيد...

    في حقيقة الأمر مشكلتي مع شيوخ أقحموا نفوسَهم، بلا رَوِيَّة و مِن غير تَحَرٍّ جاد للصواب، في أمور سياسية خطيرة تتلخَّص في تساؤلٍ بسيط : كيف يجتمع إيمان صادق بوجود الله و النفور من الحق في قلب إنسان ؟ ذلك لأنني أتعجَّبُ و أستغرب بشِدَّة و أتساءل كيف يجْتَرِئ إنسان يجحد حقائق مَرْئِيَّة، على أن يعتبرَ كافراً مستحِقاً لِعذاب أبدي لامُتناهٍ مَن عجز عن التصديق بأشياء غَيْبِيَّة !

      هل في عالَم الناس اليوم مَن بإمكانه إنكار هذه الحقيقة التي هي أسطع مِن ضوء الشمس : ما أكثر "المشركين" الذين فيهم بَعْضُ أو رُبَّما كُل هذه الخصال : عُقلاء عُظَماء شُرفاء، ذوُو أخلاق جميلة، يستقبحون الخيانة و الغدر و العدوان، صادقون مع أنفسهم و مع الناس، أصحاب ضمير حي، و فكرٍ سليم مُتنوِّر بنَّاء يتناسق مع فِطرة الإنسان و يُواكِب حركة الحياة بتطوراتِها و مُستجداتِها و تحدِّياتِها و آفاقِها المُستقبلية، ذوُو قلب نظيف رقيق حانٍ، أصحاب نظرة دينية مُتسامحة قائمة على مفهوم الحب و الإخاء بين البشر - نظرة دينية تقبَلُ الآخر المُغاير و تحترمه و تُقدِّره -، أصحاب وعي يقِظ و ذهنية مُنفتِحة و أُفُقٍ واسع، أصحاب سيرة و سريرة طيبة، يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، صالحون و مُصلحون في الأرض، نافِعون لأنفسهم و لِغيرهم بفِعْلِ الخير و اجتناب فعل الشر ؛ و ما أكثر "المسلمين" الذين فيهم بَعْضُ أو رُبَّما كُل هذه الخصال : سُفهاء وُضَعاء لُؤماء، ذوُو أخلاق دميمة، يستحسنون الخيانة و الغدر و العدوان، كذَّابون على أنفسهم و على الناس، أصحاب ضمير ميِّت، و فكر سقيم مُظلِم هدَّام يتصادم مع فِطرة الإنسان و يُعاكِس حركة الحياة بتطوراتِها و مُستجداتِها و تحدِّياتِها و آفاقِها المُستقبلية، ذوُو قلب عَفِن غليظ قاسٍ، أصحاب نظرة دينية مُتشدِّدة بعيدة عن مفهوم الحب و الإخاء بين البشر - نظرة دينية ترفُض الآخَر المُغاير و تحتقِرُه و تُعَيِّرُه -، أصحاب وعي نائِم و ذهنية مُنغلِقة و أفق ضَيِّق، أصحاب سيرة و سريرة خبيثة، يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف، فاسدون و مُفسدون في الأرض، ضارون لأنفسهم و لغيرهم بفِعْلِ الشر و اجتناب فعل الخير.

       باختصار : ما أكثر "المشركين" الذين هم رحمة للعالمين، الذين هم أصدقاء للإنسان و الحياة و الحضارة و السلام ؛ و ما أكثر "المسلمين" الذين هم نقمة على العالمين، الذين هم أعداء للإنسان و الحياة و الحضارة و السلام. أيُّ الفريقين أكرم عند الله، يا مَن تنعتون دون تفكير و غالِباً باسْتِعلاء أو ازْدِراء مُعْظَمَ سُكَّان العالَم بِلفظ الكفار مع أنه لا دَخْلَ لهم الْبَتَّة في أمورٍ وقعت بجزيرة العرب في زمنٍ سحيقٍ غابِر، أيُّ الفريقين أحَبُّ إلى الله ؟ فللأسف لقد استقرَّ في ذهن و مُعتقدِ هذه الأمة أن أشرارَها و فُجَّارَها أعَزُّ على الله، أعَزُّ عليه مِنْ أخيار و فُضلاء غيرها من الأمم و أسْلَمُ مِنهم عاقبة في الدار الآخرة. لا ريب عندي و لا تردُّدَ إطلاقاً أن الشياطين هِي مَن أوْحَى إلَيْنا بِكذبة مُرَوِّعة و بغيضة سائدة في مُجتمعاتِنا، رضعناها مع حليب أمهاتنا بل غُرست في عقولِنا منذ الولادة، و كلما كَبُر أحدُنا إزداد استِمساكاً بها و قد يَصِل به ذلك إلى التضحية بحياته في سبيل أنْ يُقنِع بها كافة البَرِيَّة : كل مَن سِوانا مآلُهم الحتمي في الدار الآخرة، بالطبع لا فرق في ذلك بين مُحسنِهم و مُسيئهم باعتبار القوم قاطبة كافرين، نار أبدِيَّة لأننا وحدنا المُؤهلون لِدُخول الجنة. متى نتخلص من هذا الوهم القاتل ؟ه

      ذلك لأن كُلَّ فردٍ مِن بني الإنسان هُوَ في صميم كِيانه عالَم بِحَدِّ ذاته، بالتالي ليس مِن العدل و الإنصاف في شيء أنْ نَحصِر الآخَر بِشَكل قاطِع في تصنيفات وَضَعَتْها عقولُنا المُعبَّأة بأحكامٍ مُسَبَّقة كثيراً ما تكون مُجْحِفة و لا مُبرِّر لها، و عليه لا يَجُوز اختصارُ إنسانٍ ما أياً كان في عُنوانٍ ديني أو غيره. الخالق سبحانه لَوْ شاء لَجَعل البشر جميعاً أُمَّة واحِدة أو نُسَخاً متطابِقة، لكِنه أراد أمراً آخر تماماً ـ القرآنُ واضح بهذا الشأن -، و ذلك لِحكمةٍ تخفى على العقليات الضيِّقة المحدودة و الألباب العاطِلة : مَشايِخَنا الأجِلاء و مُرشِدينا في سَيْرِنا إلى الله، كفى إذاً سَخَطاً و تَذمُّرا و اسْتِياءً مِن إرادة الله ! فلِلأسف ما زال عَصِياً على أذهان الكثيرين مِنْكُم، إدراكُ قيمة التَّنَوُّع - إذ هو قانونُ الحياة -، و أنه بركة لِلناس و نِعمة عَظيمة مِن فاطر الكون. فَلِكُلِّ ما في الوجود أهمية و دور في ضمان توازن و استمرار الحياة في هذا الكون...

      أختم هذا المُلحَق بكلمة بليغة للإمام محمد الغزالي المُعاصِر و هو يتحدث عن الحقيقة : "لا أعرف مظلوماً زُهِدَ في إنصافِه كالحقيقة." و بكلامٍ فائق الأهمِّية للشيخ الذي كُنَّا نحسبه مِن أئِمَّة الدين و أئِمَّة التقوى و الإستِقامة الفكرية أيضاً في هذا الزَّمن : "لا يكون الإصلاح حقيقياً إلاَّ إذا تمَّ بإرادتنا و بأيدينا، و مِن منظورنا، و لِتحقيق أهدافِنا و مصالحِنا. أما الإصلاح الذي يفرضه الآخرون علينا، لِتحقيق أهدافِهم، و لِيُنفَّذ بأيديهم أو أيدي عملائِهم، فيستحيل أنْ يكون إصلاحاً." (يوسف القرضاوي، "كلمات في الوسطية الإسلامية و معالمها"، 2007)