هل سيحول عبد المهدي العراق الى كتلة من العشوائيات؟

 

علاء اللامي

 

 

حول خطة عادل عبد المهدي الفوضوية والعقيمة لحل مشكلة السكن كتب الصديق العزيز منتظر ناصر (إن الرجل يتخبط!! من قال لعبد المهدي بأن أزمة السكن ستحل بتوزيع الاراضي؟! إنها ستفاقم المشاكل، وستخلق لنا مناطق أخرى محرومة وتعيسة وشبيهة بالعشوائيات الرثة، من قال له بأن مشكلة العراق هي الأراضي السكنية؟! فبإمكان اَي عراقي الحصول على قطعة ارض بثمن بخس... إن مشكلته الأساسية عدم توفر الخدمات الأساسية!! وهي لا تحل إلا بالاستثمار في البناء العمودي، فهو بالإضافة الى قدرته على حل أزمة السكن، فانه يسهم باستغلاله المساحات الشاسعة لتوفير الخدمات الأخرى، كالمدارس والمعاهد والحدائق والمنتجعات الترفيهية والأسواق، ويحصر البنى التحتية في بقعة جغرافية محدودة، ما يسهّل على الجهات المعنية توفيرها، ويشجع على جذب المستثمرين، ويضفي على المدينة شكلا من أشكال الجمال والحداثة(.

وكان لي على منشوره التعقيب التالي مع بعض الإضافات اللاحقة: المجتمع العراقي تعود منذ عقود على السكن الأفقي "الطابق الواحد أو الطابقين"، وعدم تحبيذ السكن العمودي "العمارات والأبراج متعددة الطوابق"، ولأسباب اجتماعية تحول ذلك الى تقليد، ولا حل مع الانفجار السكاني المنفلت، والذي لا يهتم به أحد من أهل الدولة، إلا بالسكن العمودي المرفق بالخدمات الأساسية والبنى التحتية اللازمة.

إن خطة توزيع أراض سكينة مجانا على ذوي الدخل المحدود والسكن العشوائي والذين لا سكن لديهم تجمعها مدينة كبيرة أو قطعت أرض كبيرة هو نفسه المشروع الجريء الذي خطط له ونفذه مؤسس الجمهورية العراقية عبد الكريم قاسم، ومدينة الثورة واحدة من تلك المدن الشعبية والأحياء المهنية كأحياء الضباط والمعلمين والمهندسين في بغداد والمحافظات، ولكن الخطأ الذي وقعت في حكومة قاسم هو أنها خضعت للتقليد السكني العراقي النافر من السكن العمودي فكان المشروع من النوع الأفق. وهناك محاولة صغيرة ناجحة لمقاربة السكن العمودي نفذها النظام السابق في شارع حيفا ببغداد، وعرقلت حرب الثماني سنوات والحصار بعدها تنفيذه في الرصافة ومناطق أخرى، وهناك أيضا محاولة أخرى مشابهة بعد الاحتلال، ولم تكتمل بعد، هي حي بسماية السكني الضخم المحاط بشبهات فساد كثيرة كما قيل. أعتقد أن مشروع عبد المهدي هو عودة الى مشروع عبد الكريم قاسم، مع أن عبد المهدي لا يطيقه ولا يطيق ثورته الجمهورية الشعبوية الجذرية وكان في الخندق الرجعي المضاد لها في حينها، ولكنه يعود إليها اليوم بعد أن قفز عدد سكان العراق من سبعة ملايين في بداية العهد الجمهوري إلى أكثر من خمسة وثلاثين مليونا اليوم. لقد كان مشروع قاسم إنقاذيا واضطراريا لتقديم سكن شعبي مجاني لسكان الصرائف في قلب بغداد. أما اليوم، من الضروري تقديم مشروع مختلف يراعي واقع الانفجار السكاني الهائل في العراق واقتراب عدد سكان العراق من خمسين مليونا في غضون عقدين من السنوات، وفي ظل الزحف على الأراضي الزراعية كغابات النخيل وبساتين الفاكهة وحقول الحبوب من قبل أهل النفوذ في دولة المحاصصة وتسمين طبقة المقاولين الجشعين وتكثير المناطق السكنية العشوائية فإن مشروع عبد المهدي هو تخريب بحت و"تخبط" يزيد الطين بلة كما قال الصديق منتظر، و هدف عبد المهدي وجماعته منه حصد شعبية هشة ومشكوك فيها والاستحواذ حتى على الراضي المزمع توزيعها على المحاسيب وذوي النفوذ!

إن من عوامل نجاح المشروع السكني العمودي الشعبي الذي ندعو إليه إحياء شركة المقاولات الإنشائية العراقية أو فروعها الثلاثة التي حلت محلها لاحقا، وتم إهمالها وتقزيمها وتخريبها بعد الاحتلال، بدلا من التعويل على الاستثمارات الأجنبية الخطرة والقروض من البنوك الدولية "كصندوق النقد الدولي" ذات الأجندات المعروفة، ومما يساعد على تنفيذ برنامج طموح كهذا وجود كنز مهم من الكفاءات العراقية الهندسية المدنية والمعمارية وستنهض هذه العوامل كرافعة حقيقة لأي مشروع حقيقي لحل مشكلة السكن المتفاقمة التي حولت العراق كله الى ريف أجرد زراعياً وكيانات متشظية ومتداخلة من الخرائب والعشوائيات عديمة الخدمات والسمات والمواصفات التي تليق بإنسانية العراقيين.