العراق: حكومة محاصصة وتوافق خارجي

كاظم الموسوي

 

 

 كشفت قيادات حزب الدعوة الإسلامية في العراق فشلا واضحا في إدارة دولة، وقدمت نموذجا سلبيا لحزب حاكم مما اصطلح عليه بالاسلام السياسي، الذي وصف به مع غيره من الأحزاب السياسية الأخرى المثيلة له، خلال وصوله إلى وتسلمه الحكم لفترة زمنية ليست قليلة. نتائج ما حصل وما يحصل اليوم تفضح طبيعة العملية السياسية وأحزاب الاسلام السياسي التي سُلمت السلطة لها على طبق من ذهب، لم تحلم بها ولم تتمكن عليها. (يحتاج حزب الدعوة خصوصا إلى دراسة تحليلية مستقلة لدوره خلال الفترة وتطوراته وطبيعة قياداته التي مزقته لمصالح غير حزبية ولا علاقة لها بالدين والتدين).  وتشمل النتائج ما جرى في الانتخابات، الفوز والخسارة والتزوير والاتهامات الاخرى،. كما تضم التقاسم والمحاصصة والانشطارات داخل الكتل والتيارات والأحزاب والتمثيل السياسي.

اصبح قادة الحزب الحاكم ومن مثله في السلطة عبئا عليه وعلى تاريخه ولو الى حين. وكانت نتائج الانتخابات اشارة اولى وتلحقها توابعها مع الزمن، فضلا عن الصراعات البينية وكسر العظم. وقدمت الانتخابات التشريعية في 12 أيار/ مايو 2018 إنذارا وتغييرات في لوائح ومواقع الفائزين ومن ثم حوارات الكتلة الأكبر عددا وتشبث قيادات الكتل السياسية والمتنفذين في العملية السياسية في التمسك بأكبر حصة من السلطة والثروة في العراق، وانتشار إشاعات أو تسريبات من داخل الكتل وقياداتها بالشراء والبيع في المناصب والمواقع الرئيسية وغيرها من الإجراءات القانونية والسياسية التي تثير الجدل وتفضح حقيقة الشعارات السياسية التي كانت تحملها بعض الكتل أو القيادات في الإصلاح والتغيير وانهاء المحاصصة والتقسيم الذي وضعته إدارة الاحتلال.

منذ موعد الانتخابات واعلان النتائج  والمصادقة عليها، بقيت الاخبار تتواتر عن رغبات في اصلاح وتغيير كبيرين في المشهد السياسي في العراق. الا أن المثير في التجربة العراقية أن الراي الغالب أو المتفق عليه عند الجميع، بعد الانتهاء من مخالفات وتزوير وتغليس عما آلت اليه الانتخابات، هو التناقض أو الازدواجية في شخصيات السياسيين خارج وبعد العمل في السلطة، ونموذج واحد يفضح مثل هذا التقييم. يختصر في اعتبار الفساد الآفة الاكبر التي نهبت الثروات ودمرت البلاد والوعود في القضاء عليه، ولكن يعرف أن المتنفذين في العملية السياسية هم المشاركون فيه أو المحتضنون له ويفتقدون الجرأة والقدرة على المعالجة الحاسمة، أو العمل على التخلص منه. فيكثرون من الشعارات البراقة، في محاربة المحاصصة ومافيات الفساد وغيرها، دون جدوى فعلية، أو يصرحون بأنفسهم في الهجوم على الفساد لفظيا وهم، أو أغلبهم، مشاركون فعليون فيه واقعا وعمليا. ولهذا فإن ما يحدث اليوم هو حصاد مر لسنوات مرة.

من خلال ذلك لم يفاجأ المراقبون من عملية التوافق السريعة على رئيس البرلمان، ومن ثم رئيس الجمهورية وطريقة الصراع حول المنصب أو الوصول إلى موقعه، ولاسيما داخل الكتلة الكردية التي أصرت على العرف السياسي وترشيح كل طرف فيها لمرشح له مع آخرين لفرض الصيغة والخروج من الحالة القائمة وبهذا الشكل المتسارع ايضا، رغم الادعاء بالسياقات الدستورية والقانونية وسياسة بوس اللحى السائدة عليهما.

ومثلما مررت رئاستا البرلمان والجمهورية بعرض مسرحي استكمل برئاسة الحكومة،  إذ تمت مباشرة بعد اداء قسم رئيس الجمهورية، حيث سلم كتاب التكليف لمرشح التوافق الخارجي، التسوية السياسية، وبطلب من كتلتين، ادعتا كل منهما، انها الأكثر عددا انتخابيا دون إعلان اي منهما الاكثر عددا برلمانيا ودستوريا. وتركتا المشهد السياسي مفتوحا أمام عملية سياسية مخطط لها ومنتظمة سلفا رغم تصريحات أو ادعاءات الفوز والغلبة لأطراف لا ينكر أثرها أو نفوذها في البلاد وخارجها.

خرج تنصيب الرئاسات الثلاثة، التي عرف بها، عن صفقة السلة الواحدة، وخارج رموز  قيادات الأحزاب الإسلامية العربية والقومية الكردية، كما اريد لها أن تقدم نفسها في السلطة وتوزيع المغانم، والاهم فيها ايضا إخراج حزب الدعوة الإسلامية سلميا من رئاسة الحكومة، مما يعني في الوضع العراقي، أن صفقة أخرى بشكل اخر، فرضت من توافق خارجي ذي سطوة وسلطة وقدرة. وكشف حينها من خلال وجود مسؤولين امريكان وايرانيين وسفراء اجانب وعرب، انهم يلعبون ادوارا تحت الطاولة ووراء الابواب. واسهم كل من هؤلاء، جماعيا أو فرديا، شخصيا أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي،  في تعزيز الانشطارات والانقسامات داخل الكتل السياسية والأحزاب وحتى داخل الحزب أو الكتلة الواحدة. فضلا عن أن القادمين للرئاسات من المشاركين في العملية السياسية القائمة ومن المراهنين على التوافق الخارجي حولهم والعملية السياسية في العراق والمنطقة، ومن المنشقين أو المعترضين على تنظيماتهم أو أحزابهم أو تجمعاتهم التي حملتهم باسمها الى السلطة والواجهة السياسية. اي انهم اختيار عاجل لخيارات مطلوبة أو مستمرة في احسن الاحوال رغم كل التحديات والتوقعات المستقبلية.

من بين ما إبتدع المكلف بالحكومة الترشيح الالكتروني لاختيار الوزراء، وكان قد قدم رسالة مطالبا بها تاييده للتفرغ لتشكيل حكومة تكنوقراط وكفاءات مستقلة، ونال على اثرها وبعد التوافق عليه مساندة واسعة من أغلب الجهات صاحبة القرار السياسي على الاقل في العراق. بمن فيها السفراء والكتل السياسية. وحين تقدم بقائمته الاولى للبرلمان، زكى البرلمان 14 وزيرا وإعاد له ثمانية مرشحين لأسباب متعددة ومختلفة، منها اعتراض جهات واطراف متناقضة ومتصارعة ومدعاة استغراب عما تفعله وتقول به بشأن المواصفات والمعايير. ولم يسلم الذين مررهم البرلمان من مثالب لا تسمح لاستمرارهم في مناصبهم ، فضلا عن اتهامات أخرى، فاضحة ومتعاكسة مع كل ما تقدم من شعارات ووعود وطموحات، لم يرد عليها رئيس الحكومة ولا من رشحهم له.

وعاد الفساد يطل برأسه من جديد دون حل أو حسم أو توجه وطني صادق لانهائه نهائيا، وتجدد حتى في تشكيل الحكومة، والبرلمان، وتوزيع المناصب وإدارة الدولة، مما يعني ألا جديدا فعليا وأن ما ادعي أو رفع من شعارات ومطالب هو لكسب الشارع واضاعة القضايا وتسويف الأمور وتمرير اجندات عام 2003   دون تغيير حقيقي.

لقد وصف نائب في البرلمان عن كتلة تيار الحكمة ( وكالات 2018/11/16 ) أن الحكومة الجديدة هي حكومة عوائل، قائلا : نستطيع القول ان حكومة عبدالمهدي هي حكومة عوائل، فكل زعيم سياسي جاء بأحد اقاربه واعطى له وزارة معينة، واختيار الاقارب كان بعيدا عن الاختصاص، فأصبحت حكومة عبدالمهدي حكومة عوائل وليست حكومة كفاءات ومستقلين. واضاف ان حكومة عادل عبدالمهدي فيها وزراء عليهم شبهات كثيرة من فساد، بل وحتى اتهامات ارهابية...". ومن جهة أخرى لم تنته الصراعات السياسية حول اكمال مجلس الوزراء، بين ما أعلنه عادل عبد المهدي ولم ينفذه، وبين العودة والتوزيع على الكتل النيابية الفائزة وفقا للاستحقاقات الانتخابية. والى أن يتم ذلك تبقى حكومة عبد المهدي نصف حكومة محاصصة ونصف حكومة توافقات خارجية. كما يبدو أن رسائله المبطنة وتهديده بالاستقالة لا تغير في وصف ما حصل. وفي كل الأحوال حتى ولو تمت فإن سير وخطوات الحكومة الى الآن تعري واقع الحال كثياب الامبراطور في القصة المعروفة.