مقابلة مع جورج صليبا : العلوم لا تأتي للحضارة من خارجها

 

ابتسام عازم

 

* تناولت في كتابك المترجم إلى العربية "العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية" العديد من المعتقدات السائدة، بين المستشرقين ويكررها حتى الكثير من العرب والمسلمين، حول جذور العلوم الإسلامية وتطورها الذي ينسب بشكل رئيسي إلى ما بعد الترجمات عن اليونانية في القرن التاسع الميلادي، وتعترض عليها بشكل قوي، لماذا؟

 

- هذه النظرة الكلاسيكية التي حدثنا بها المستشرقون، تقول إنه لم يكن هناك فكر عربي مستقل إلا بعد حدوث الترجمات عن اليونانية في القرن التاسع الميلادي. ما أقوله إن النظر إلى مجريات الأحداث والتطورات في الحضارة الإسلامية يجعلنا نستنتج أمراً آخر؛ وهو أن الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية أجبرت الحضارة الإسلامية منذ بدايات تأسيسها، على النظر والبحث والترجمة وإيجاد الحلول بوقت مبكر من أجل المضي قدمًا والاستقلال وإدارة نفسها.  وهذا أمر لم أكتشفه أنا، بل كتب عنه النديم صاحب كتاب "الفهرست" في القرن العاشر الميلادي، الذي حاول فيه رصد تاريخ العلوم. استقاءًا منه، استلهمتُ عملي. فهو الذي وجّه نظري أنه لا يمكن أن ننتظر أن تأتي العلوم لأي حضارة من الخارج، بل الحضارة تطلب وتجلب العلوم. ومن غير المعقول أننا في الحضارة الاسلامية انتظرنا حتى القرن التاسع ليكون عندنا انتاج علمي وفلسفي. ونلاحظ هذا بشكل واضح في النصوص المكتوبة والمترجمة. وعند القراءة لمؤلفين ومترجمين في القرن التاسع، كالكندي وحنين بن إسحاق والحجاج بن مطر، نجد هناك مفردات وعبارات كاملة ناضجة في جميع المجالات، مما يجعلنا نستنتج أنها جاءت نتاج معرفة تراكمت عبر سنوات ولم تهبط عليهم من السماء. إذا أخذنا اليوم مثلا، مكتب التعريب الذي أنشئ من قبل جامعة الدول العربية في الخمسينيات، حيث حاولوا تعريب الألفاظ التقنية وغيرها القادمة من اللغات الغربية كالفرنسية والإنجليزية، فإن لهذا المكتب أكثر من خمسين عامًا وهو يحاول اللحاق بركاب ترجمة المصطلحات العلمية ويواجه صعوبات شتى. وقياسًا على ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أننا لو أخذنا واحدًا من أهم كتب الفلك المترجمة آنذاك في القرن التاسع الميلادي عن اليونانية، وهو كتاب "المجسطي"، بترجماته العديدة، واخترنا ترجمة الحجاج بن مطر، نجد أن عبارات بن مطر في الكتاب، عن علوم الفلك، عبارات عربية سليمة ناضجة مستقيمة، لا تتعثر ولا تبحث عن مفرداتها، كما أن الفكر التقني مستقر ومفهوم. والنديم  يقول في كتاب الفهرست عن هذه الترجمة، إنها لم تكن أولـى الترجمات. ويقول قبلها تُرجم الديوان على أيام عبد الملك بن مروان. ويردنا إلى الفترة الأموية، ويقول إن هذا جاء لأسباب تتعلق  بإدارة الدولة، وهذا أمر مقنع ومنطقي جدًا.

* أنت ترى، أن عبد الملك بن مروان والفترة الأموية، هما أساس الحضارة الإسلامية العربية والقاعدة الأهم لتطورها، وأن العباسيين جنوا ثمارها وساعدوا على دفعها. هل لك أن تستفيض؟

-  صحيح، الدولة الأموية، أيام عبد الملك بن مروان وبعده، انتشرت على أوسع بقعة من الأرض، كما لم تسبقها حضارة أخرى من قبل. امتداد الدولة الأموية كان من أواسط آسيا إلى الأندلس. وإدارة دولة من هذا القبيل تتطلب وتجلب تحديات كثيرة وحاجات، من بينها معرفة علم المساحة وإدارة الأراضي والرياضيات والطب وكل هذه الأمور. وهنا  كان التعامل بالديوان باللغتين الفارسية واليونانية، وهذا بحد ذاته شكّل عائقاً. كان في الديوان، في تلك الفترة التي نتحدث عنها، عدة دوائر أو إدارات من بينها الجيش والأموال والخراج وغيرها. وكل إدارات الدولة كانت تأتيه من الشرق، بالفارسية من بلاد فارس. ومن الغرب، من بلاد الشام وشمال إفريقية وغيرها باليونانية. وكان الخليفة بحاجة لأن تترجم وتعرب له كل هذه الأمور لكي يفهمها هو وغيره، وفهمها يحتاج كذلك لدقة تقنية. لذلك كانت هناك ضرورة لأن تترجم هذه الإدارات ويتم تطويرها، ليس فقط من أجل إدارة الإمبراطورية ولكن من أجل تطويرها. وبدأ هذا مع عبد الملك بشكل مكثف وليس مع العباسيين.

* أنت من الباحثين المشككين بوجود ما يسمى بـ "بيت الحكمة" في العصر العباسي في زمن هارون الرشيد وابنه المأمون. هل لك أن تشرح؟

-ليس فقط أشكك، بل أقول إنه لم يكن هناك شيء اسمه "بيت الحكمة" بالمعنى المتعارف عليه. وقال هذا من قبلي وتتبعه وكتب عنه بشكل أوضح دمتري غوتاس (Dimitri Gutas) في كتابه "Greek Thought, Arabic Culture". أنا لا أعرف كتاباً واحداً تُرجم في "بيت الحكمة". من بين آلاف المخطوطات، يوجد مخطوطة واحدة وعلى غلافها من الخارج كتب "مما أمر بنقله المأمون" ولا توجد حتى "ببيت الحكمة". لذلك كيف من المعقول أن يصبح "شيئًا" ما لا نجد دليلًا على وجوده، مؤسسة يتحدثون عنها وكأنها أكاديمية قائمة وكاملة وفيها مرصد ومستشفى وجامعة؟. هذا كلام من لا يعرفون التاريخ. لا يمكن أن تنشأ مؤسسات من هذا القبيل، بإطار دولة من دون أن تكون حاجة لتلك المؤسسات، وهذه الحاجة سبقت هذا الزمن بعقود.

الحاجة منذ البداية أدت إلى أن تنشأ تلك الدواوين والمؤسسات في العصر الأموي. وخلق تلك الدواوين من أجل ترجمة الأشياء البسيطة، تأخذكِ لأمور أكثر تعقيدًا لاحقًا. ثم هناك تساؤل مهم طرحته في الفصلين الأولين في كتابي السالف الذكر، حيث أقول إنه بعد هذه المرحلة، أي المرحلة التي أصبح فيها الموظفون يعملون بالديوان بالعربية، ماذا حدث لتلك الطبقة من المترجمين والموظفين الذين كانوا يعملون باللغات الأخرى؟ هؤلاء، هم من أثاروا حركة الترجمة لتتخطى الترجمات الإدارية وتدخل إلى عوالم الفلسفة والعلم وبشكل عميق، وهي الأصعب. إذن هذه الطبقة حثّت أولادها للحذو تجاه البحث والمعرفة من أجل تعريب وترجمة ما هو أصعب من الإداريات، ولكي يعودوا لأخذ مواقع في إدارة الدولة على مستوى أعلى من مستوى الديوان.

ومن هنا، فعندما نبحث، عن التطورات التي حدثت بالفترة العباسية، نجد مثلاً أن أطباء الخلفاء كلهم من عائلة (بختيشوع) وأجدادهم كانوا يعملون بالديوان الفارسي، ونتيجة التنافس الذي خلقته حركة عبد الملك والتعريب اضطروا إلى تركه. واضطروا إلى الذهاب والتعمق في ما هو أبعد من ترجمة الإداريات والأسس، وفي ما يعطيهم تميزًا، فكانت ترجمات "المجسطي" وجالينوس وأرسطو وغيرهم. وهذه بدورها منحتهم مناصب أعلى، على مستوى مستشاري الخلافة، وكانوا يتنافسون في ما بينهم على ذلك. إذن هذا التنافس والمعرفة التراكمية أدتا بهم مع مرور الوقت، إلى أن يستوردوا من الفكر اليوناني كل ما هو مهم. لذلك لم يترجموا هوميروس والتراجيديا الإغريقية، لأنهم لم يحتاجوها في منافسات إدارة الدولة. ترجموا كل ما له علاقة بالطب والهندسة والرياضيات والفلك، وكل ما يحتاجونه وما يتطلبه الدين وتحقيق ممارساته.

* إذا من أين جاءت تلك القراءة الخاطئة والانتشار الواسع لفكرة وجود "بيت الحكمة" في العصر العباسي. هل هي نتيجة قراءة خاطئة عند المستشرقين أم ساهم العرب والمسلمون أنفسهم بذلك؟

-جاءت من عدم القراءة الدقيقة في النصوص، عند العرب والمسلمين أنفسهم. على سبيل المثال ما قاله النديم في كتاب الفهرست. فالنديم يتحدث في فهرسته عن معلومات حول إرسال وفد إلى بيزنطة للتحري عن الكتب، وهم ينسبون ذلك إلى الخليفة. ما أقوله أنا إن هؤلاء أرسلوا، ليس من قبل الخليفة، لكن من قبل مساعديه، وهؤلاء الذين يتنافسون بين بعضهم على من يريد أن يكون مستشار الخليفة في الطب والقانون وإدارة الدولة. في هذا السياق يقول النديم أرسل "سلم، صاحب بيت الحكمة"، "سلم"؟ لا نعرف من هذا من مصدر آخر. أما صاحب بيت الحكمة فإما مديرها أو مسؤول أو مؤسسها. "بيت الحكمة" هذه، لا نعرف ما معناها، ما هو مؤكد أنه على أيام الخليفة هارون الرشيد كان هناك مكان يسمى بيت الحكمة، لكنه كان مكانًا يتم وضع المعاملات الإدارية فيه. هو نوع من المكتبة أو الأرشيف وليس كما يشاع من أنه مؤسسة وجامعة ومشفى وغيرها. من الجدير بالذكر أنهم فيه بدأوا استخدام الورق بدل الجلود، لأنه يسهل مسح الكتابة على الجلود واعادة الكتابة فوقها، في حين لا يسهل عمل ذلك مع الورق.

إذن، الكثير من الأساطير دخلت ببعضها، لدرجة أن البعض يقول مثلًا أن حنين بن إسحاق، المترجم الشهير، قام المأمون بتوظيفه لإدارة بيت الحكمة. لكن عندما جاء المأمون إلى الحكم، عام 813 ميلادي، كان عمر حنين بن إسحاق ثلاث سنوات تقريبًا، إذ هو من مواليد عام 809 ميلادي. عندما مات المأمون عام 833، كان ابن اسحق ما زال شابًا ومن غير الممكن أن يكون قد استلم إدارة من هذا القبيل على زمن المأمون، ناهيكِ عن أنها مؤسسة لم تكن موجودة بهذا الشكل أصلًا. وحنين الذي لعب دورًا رئيسيًا في الترجمات، لعبه أيام المتوكل وليس أيام المأمون. شهرته جاءت على زمن المتوكل لأنه كان طبيبه. وتبنى بالفعل عدة ترجمات، وأتى بمترجمين ودفع لهم من دون أن يكون هناك شيء اسمه بيت الحكمة. إذن نرى أن عدم قراءة التاريخ بشكل دقيق أدت إلى خلق مؤسسات غير موجودة أصلًا.

* أشرت إلى إشكاليات عديدة في فكر ابن خلدون. هل لك أن تستفيض؟ 

-يتحدث ابن خلدون عن نشأة العلوم ويقول إنه لا يمكن لها أن تتطور إلا تحت نوع من الرفاهية والاستقرار، وأن تلك الرفاهية غير ممكنة بحالة البداوة المرتكزة على التنقل والتفتيش الدائم على الماء والغذاء إلخ. ولا شك أنه محق من الناحية السوسيولوجية الحديثة في الكثير من الأماكن والكثير من تحليلاته، لكن ذلك لا يعني أنه لم يخطئ في الكثير من الأماكن الأخرى. ويرى ابن خلدون أن الاستقرار المنشود لم يحدث أوائل الدولة الإسلامية، ولذلك كان يجب أن ننتظر حتى تستقر الدولة، وبرأيه أن ذلك حدث في الفترة العباسية. ويرى أنه عندما استقرت الدولة بدأت الصناعات تنشأ. لنعود إلى ما يقوله النديم في "الفهرست"، أي أن أول نقلٍ من اليونانية إلى العربية كان لخالد بن يزيد الأموي، لأنه كان يعمل بالصنعة وفي زمن عبد الملك بن مروان. يشكك ابن خلدون في ذلك ويقول إن هذا غير ممكن لأن خالد بن يزيد الأموي، كان ابن حضارة ما زالت في طور البداوة وعمرها 50 عامًا تقريبًا. وبالنسبة لابن خلدون تحتاج الحضارة إلى 200 أو 300 سنة لكي تستقر وتبدأ بالتطور العلمي. ويقول إن خالد ابن يزيد الأموي لا بد أن يكون أسطورة وأن هناك خالدًا آخر. وهذا التحليل الخاطئ استلمه المستشرقون. ابن خلدون يشتم البدو، وكانوا يسمون بالأعراب، والمستشرقون ترجموا كلمة بدو أي "أعراب" إلى عرب، فأصبح ما يقوله ابن خلدون عن البدو، يسري على جميع العرب. ومن هنا انتقل فكر كامل خاطئ، كان عن البدو، فصار يصف العرب جميعًا؛ حضرًا وبدوًا. ولذلك أسمي ابن خلدون "أبو الاستشراق"، حيث يحبه المستشرقون ويستنجدون به. وهو خلق هذه الأساطير عن البدو لتعليلات بنفسه ولتفاسير سيئة وضيقة للنشوء الحضاري، ويتناسى ابن خلدون فيه عدة أمور ومتطلبات ضرورية لنشوء الدولة تنسف بعض استنتاجاته.

*إذن ما هو تفسيرك وما هي أهمية خالد بن يزيد الأموي؟

-أنا أعود دائمًا لعبد الملك بن مروان، وليس مصادفة أنه ترجم العديد من الأمور، بل وأجبر بمراسلته مع الإمبراطور البيزنطي على التوقف عن استخدام البسملة والصلاة والسلام على النبي في بداية خطابه. لأن الإمبراطور احتج وقال إن ذلك يجبره على الإيمان والتصديق بالنبي، وهو لا يؤمن به، وهدد بقطع العملة البيزنطية عن الدولة الإسلامية إذا ما استمر ذلك. اضطر عبد الملك إلى التوقف عن استخدامهما في بداية خطابه للإمبراطور البيزنطي. ونحن نعرف هذا من مصادر عديدة. وكان المسلمون ما يزالون يستخدمون الدنانير البيزنطية الذهبية والساسنية الفضية ويحتاجونها في إدارة الدولة. هنا استشار عبد الملك بن مروان، خالد بن يزيد الأموي. وخالد بن يزيد كانت لديه معرفة واهتمام بالصنعة، حيث كان يعرف كيف يخلط وينقّي الذهب. فهو ابن الصنعة وهو من أشار على عبد الملك بسك دنانير خاصة بالإمبراطورية الإسلامية، وهكذا خرج أول دينار إسلامي وكانت هذه الثورة النقدية التي كانت لها توابع اقتصادية مهمة جدًا. لذلك من غير المستغرب أن يترجم خالد بن يزيد الأموي مخطوطات تساعده للتوصل إلى سك الدينار بطريقة تحافظ عليه من دون أن يخسر قيمته وكي لا يتم تزويره. يحتوي دينار الذهب في العادة على 95 بالمئة ذهب، ويجب إضافة مواد أخرى إليه لكي يستقيم. ومن الضروري ضبط ذلك، وإلا نزلت قيمته وما عاد الناس يثقون به وسيكون من السهل تزويره. كل هذا يعرفه أبناء الصنعة المختلفين، من العطارين والكيميائيين ويمكنهم فحصه. وكانت كتبهم ممنوعة، لأنه يمكن من خلالها تعلم تزييف العملة. هنا يأتي دور خالد، ومحاولته إيجاد طريقة لاستخراج العملة غير المزيفة التي تحتوي على المعايير الصحيحة والصالحة للاستخدام. ابن خلدون يقول إن هذه الصناعات لا تحدث إلا إذا وجدت امبراطورية مستقلة وهذه التفسيرات هي الإشكالية التي أخذها المستشرقون وآمن بها بعض العرب. وهذا يأخذنا لدائرة أخرى في الفكر الاستشراقي وتعامله مع العرب كـ "مجرد ناقلين ومترجمين" للحضارة اليونانية، التي نسبها المستشرقون لأوروبا بقدرة قادر. لا أريد هنا أن أُفهم بصورة خاطئة، لا شك أن ابن خلدون مفكر عظيم، ولكن عنده أخطاءه.

* تتعرض في كتابتك إلى قضية عدم تطور العلم الإسلامي ليضاهي التطور الذي حدث في أوروبا ما بعد عصر النهضة. وتتحدث عن علاقة أساسية متعلقة بتأمين المجتمعات للأموال. ما الذي تقصده؟

-صحيح، العلاقة الأساسية متعلقة بتأمين الأموال وهو ما حدث في أوروبا بعد عصر النهضة ولم يحصل في أي حضارة سبقتها لا الإسلامية ولا الصينية ولا الهندية أو غيرها. ما حدث هو إنشاء أكاديميات متخصصة فقط للبحث العلمي، وهذا لم يسبق حدوثه من قبل. وهذا حدث في القرن السادس عشر بعد "اكتشاف" كولومبوس لأميركا واعتقاده أنه وصل إلى الهند، والأموال التي سلبت نتيجة هذه المصادفة، حيث لاحظ أن السكان الأصليين لأميركا، عندهم العقود والذهب، واستنتج أن في تلك البلاد كميات هائلة من الذهب والفضة. وهذا الذهب الذي "اكتشف" في أميركا، في الوقت الذي استنفد فيه الذهب من العالم القديم، أخرجت كميات هائلة منه إلى أوروبا. ومن ثم تحول إلى ركيزة لتطوير العلم بتشجيع رحلات الاستكشاف المشابهة لرحلة كولومبس، ولكي يجلب هذا العلم بكمية أكبر من الفضة والذهب والمال! وهنا جاءت قضية نقل فكرة العلم من البحث عن الحقيقة من أجل الحقيقة، مثلما كان أرسطو يقول، ليصبح انتاج العلم من أجل الانتاج الاقتصادي. وبهذا أصبح العلم مكوناً من مكونات الاقتصاد ويأتي لخدمته. وعن هذا يتحدث أدم سميث في كتابه "The Wealth of Nations" أو "ثروة الأمم"، وهذه هو الفرق الرئيسي.

* تشير إلى الإشكاليات في الحديث عن أن التطور العلمي للحضارة الإسلامية والعربية توقف في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر كما يرى البعض، وتشير إلى خطورة هذه الأفكار وخطئها. أين تراه توقف؟ ولماذا؟

-البعض يرى أن العلم توقف نتيجة للحملة التي شنها أبو حامد الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" الصادر في القرن الثاني عشر ميلادي، إذ بعدها توقف العلم في الحضارة الإسلامية عن التطور. والبعض الآخر يعيد ذلك إلى القرن الثالث عشر وتدمير بغداد على يد المغول. ويدعي هؤلاء أن الفكر الإسلامي تحول بذلك لفكر يحافظ على الدين فقط. وبرأيي أن كل ذلك غير صحيح، لسبب بسيط جدًا. عندي مئات الكتب في علم الفلك ومجالات علمية أخرى نشأت من بعد الغزالي ومن بعد هدم بغداد. المصادر تجبرني أن أعيد النظر بهذه النظريات، ونرى بشكل واضح أن هناك استمرارية لتطور العلم في الحضارة الإسلامية استمرت حتى القرنين الخامس والسادس عشر، وتوقفت مع الوقت وخاصة مع "اكتشاف" أميركا والنقلة النوعية لاحقًا لمسار التجارة في القرن السادس عشر، بما فيها وصول البرتغاليين للهند في نفس الفترة تقريبًا مرورًا حول أفريقيا. آدم سميث يقول إن هذين الحدثين غيّرا وجه التاريخ لأنهما غيّرا وجه التجارة وهذا صحيح.

أود هنا الإشارة إلى أمر آخر. البعض يشير أنه وبعد الغزالي، كل ما أنتج في الفلسفة وغيرها كان يتعلق بالشروح وشرح الشروح وهلم جرًا. وعلماء مهمون يقولون هذا، ويقولون إن الشروح على الشروح هي نوع من الاجترار ولم يعد هناك فكر نيّر. وأنا أختلف مع هذا. وآخر كتاب لي صدر عن طريق مؤسسة الفرقان وعنوانه "معالم الأصالة في الشروح العلمية المتأخرة"، يتناول هذا الموضوع. فيه أتحدث عن أن كل النظريات الجديدة حدثت بالشروح وليس بالأعمال الأصلية. واستمر ذلك حتى القرن السادس عشر. وإذا أخذنا علوم الفلك كمثال، نجد أن هذا الانتاج العلمي كان أفضل من ذلك الذي أنتج في فترات يطلق عليها تسميات كالعصر الذهبي، وهي تسميات إشكالية وغير صحيحة. الفكر الجيد والنير هو ذلك الذي يتناول الأفكار ويعلق ويضيف عليها. ويجب إعادة قراءة الشروح وشروحها. صحيح أن بعضها إشكالي وفيه فعلًا اجترار ولكن هناك شروح أخرى مهمة جدًا ولم تبحث بعد.

* في هذا السياق تتحدث كذلك عن "براءة الاختراع" وتقول إنها كانت سببًا مهمًا في تراجع التطور العلمي خارج أوروبا. هل لك أن تشرح؟

-  نعم، إعطاء العلماء نوعاً من الاحتكار ينشّط ويحفّز العلم. وهذا محفز هائل ولكنه محفز لا أخلاقي، لأنه يبحث عن الكسب المادي بشكل أساسي. لاحظي أن البراءة تُعطى لفترة محددة، لأننا ندرك أننا نحرم المجتمع من الاستفادة بشكل واسع من الانتاج العلمي من أجل المكاسب المادية. هكذا تكافئ "براءة الاختراع" واحتكاره، المجتمع الذي علم هؤلاء وصرف عليهم، بحيث تحتكر الشركات هذا الاختراع أو ذاك لفترة معينة فتحرم المجتمع من الاستفادة وتأتي على حساب الأغلبية والفقراء فيه على وجه التحديد. إذن، انتقل انتاج العلم من أجل العلم وانتاج العلم من أجل الحقيقة، ليكون انتاج العلم من أجل كسب المال. وعلى هذا يقوم العلم الحديث، وأصبحت له الآن دورة اقتصادية بعيدة عن تلك التي حلم بها أرسطو. أصبحنا نتسابق لكي نرى أي براءة اختراع يمكننا أن نسجل ونخرج وتكسبنا أكبر قدر من المال، وهو الوضع الحالي.

* ألم يكن هذا موجوداً بطريقة أخرى بالماضي، سواء في الحضارة الإسلامية أو غيرها من ناحية التقرب من الوالي وأخذ المكافآت أو المنح؟

-  صحيح، لكن هناك فرق كبير، أنت تأخذ كفاءة على عمل. ولكن ما يحدث هو ربط غاية العلم بالانتاج المادي وانتاج دورة كاملة تحتكر الاكتشاف العلمي، وهذا التكامل لم يحدث بأي حضارة أخرى. والمستفيد الأكبر من كل هذا العلم والتقدم، هؤلاء الذين يستطيعون تقديم المقابل المادي، وهم واحد بالمئة من المجتمع كما يقول بيرني ساندرز، المتنافس السابق على ترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسة الأميركية.

* أنت درست الرياضيات في بيروت بالجامعة الأميركية ومن ثم جامعة بيركلي في كاليفورنيا قبل أن تنتقل إلى نيويورك والتدريس في جامعة كولومبيا. كيف جاءت هذه النقلة؟

-ولدت بقرية صغيرة جدًا في جبال لبنان، ارتفاعها أكثر من ألف متر فوق سطح البحر. ينزل فيها الثلج لثلاثة أشهر. وأذكر كطفل، أننا كنا نكسر الجليد كي نغسل وجوهنا بالماء الذي تحته. كانت أيامًا سعيدة وجميلة جدًا مقارنة بالأيام العصيبة التي نمر بها. في بيروت درست فقط، أما محطات حياتي الأخرى فكانت نتيجة مصادفات كثيرة. حصلت على منحة في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، وكان ذلك بعد هزيمة حزيران. وجامعة بيركلي كانت في كاليفورنيا كذلك لكن لم أسمع بها من قبل، وهي كانت واحدة من أهم الجامعات، ليس فقط علميًا، ولكن سياسيًا. كان فيها قادة حركة السلم ضد حرب فيتنام وكانت فيها ثورات وحركة طلابية ونشاطات مهمة. كشاب أردت أن أكون في هذا العالم، حيث حركة سياسية وحركة اجتماعية فاعلة، فانتقلت إليها. عندما انتهيت من دراستي في جامعة بيركلي بدأت الحرب الأهلية في لبنان. ومن يريد أن يعود لبيروت في هذه الظروف؟ قلنا سنة وسيتوقفون عن الاقتتال وسأعود إلى لبنان. ولكن لم يتوقفوا واضطررت أن أبقى هنا وانتقلت من جامعة إلى أخرى إلى أن استقريت في جامعة كولومبيا في نيويورك. هذا المناخ، مناخ الحرية الذي عشته هنا في بحثي الأكاديمي، أتمنى لو يتطور عندنا في العالم العربي وغيره من بقاع الأرض.

* كيف بدأت دراسة تاريخ العلوم بعد دراستك للرياضيات؟

-هذه قصة طريفة، وكنت قد نويت دراسة تاريخ العلوم قبل الخروج من لبنان. في العام 1966 كنت أقف في الحرم الجامعي بجانب شيخ الأساتذة الدكتور نيقولا زيادة وكان من القدس أو كما كان ينطقها "الكدس". في تلك الفترة كان هناك كذلك سيد حسين نصر، وهو موجود الآن في واشنطن، وكانوا يحاولون تأسيس كرسي للدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية وحصلوا على التمويل. وقام سيد حسين نصر بسلسلة من المحاضرات بهذه المناسبة لخلق المجال الفكري للطلاب وساحة للنقاش. وخلال ست محاضرات أصبح الإقبال على تلك المحاضرات غفيراً ليصل إلى آلاف الطلاب في آخر محاضرة. وكان سيد حسين نصر خطيبًا مفوهًا ويعرف جذب الانتباه. كان نيقولا زيادة يقف إلى جانبي، وقال لي "يا صليبا أنت درست الرياضيات وتعرف العربية وترى درجة الاهتمام الشديدة بما يقوله نصر عن العلوم الإسلامية لماذا لا تدرسها؟"، هذا ما جذب نظري للموضوع. تصوّري أنني درست الرياضيات ولم يتحدث أحد معنا عن شخص اسمه الخوارزمي! ومن هنا رأيت حاجة ماسة لدراسة تاريخ العلومّ.

* هوجمت بشراسة، كما عدد من الأساتذة الآخرين في جامعة كولومبيا في نيويورك، وغيرها من قبل مجموعات صهيونية يمينية متطرفة بسبب دعمك للقضية الفلسطينية. كيف أثر ذلك عليك؟ 

-طبعا بدون شك، أقيمت ضدنا حملات سياسية شرسة وهجوم وتهديد. وإلى الآن أنا أرى أن القضية الفلسطينية ظلمت كما لم تظلم أي قضية أخرى، ليس فقط في الولايات المتحدة بل في العالم العربي نفسه. هذه القضية لم يتبناها ولم يدافع عنها المفكرون العرب وغير العرب بما فيه الكفاية. هذه الجريمة ارتكبت وما زالت ترتكب كل يوم أمام أعيننا، ولا يجرؤ الكثيرون على قول كلمة واحدة. هؤلاء الفلسطينيون المشردون اللاجئون وصل عددهم إلى أكثر من خمسة ملايين شخص، لاجئون منذ أكثر من ستة عقود والعالم صامت. شعب بأسره يحتل ويستعبد أينما ذهب ولا أحد يقول شيئًا. الأموال العربية التي تصرف هباءً على الأسلحة التي تدمّر العرب لو صرفت بحكمة لمعالجة القضية الأساسية لما كنا وصلنا اليوم في عالمنا العربي إلى ما وصلنا إليه. العالم يتجاهل الفلسطينيين، وأنا لا أستطيع السكوت وهذه المأساة تتمثل أمام أعيني كل يوم صباحًا. والكل يتسابق، الأميركيين وغير الأميركيين، من أجل تسليح أكبر لإسرائيل! هل يعقل هذا؟ هل يمكن أن يحدث كل ذلك ونبقى صامتين؟