ما بعد انتصار  العراق على "داعش"!

كاظم الموسوي

 

 

 

مرت الذكرى الأولى لإعلان العراق الانتصار العسكري على ما سمي واختصر باسم "داعش" وجرت احتفالات رسمية بهذه الذكرى، يوم العاشر من كانون الاول/ ديسمبر، بما فيها الوقوف دقيقة صمت في كل أنحاء  العراق. في هذا اليوم تقف استعادة الايام التي تمكن بها تنظيم داعش من احتلال والسيطرة على مدن كبرى ومساحة واسعة من شمال وغرب البلاد أمام الجميع، بشكل لابد من دراسته والخروج منه بما يحمي الانتصار ويحقق الأهداف ويمنع أية إمكانية أخرى للعودة أو الاعادة أو تجديد ثيابه، تحت أية واجهة أو عنوان، ومن أية جهة أو مظلة أو محاولة ما، كما يشاع أو تشي به مصادر عسكرية أو إعلامية أجنبية أو من مصادر التأسيس والدعم للتنظيم الإرهابي والأهداف منه.

أول الدروس من تلك الأيام استذكار دماء الشهداء وتكريمهم والاحتفال بهم وتحية دورهم وتمجيد ذكرهم على طريق النصر. وهو ما لا يمكن الصمت عليه. فبدون هذه التضحيات الجسام، هذه الدماء الزكية لما أنجز الانتصار، ولما هزم التنظيم الإرهابي، ولما استعيدت الارض ولظلت رايات التنظيم والكراهية باقية دون معرفة بالنتائج والأخطار والأضرار.  فالدماء سجلت موعد النصر وارخت له. وفي أية حسابات لابد من الإشادة بها والإشارة لها.

هذه التضحيات ما كانت لولا مشقة ما حصل وما جرى، وهي إذ تسجل عنوانها تكشف ما قبل وما بعد او ما سيأتي. ولهذا كانت الفتوى الرشيدة واصرار القوات الأمنية بكل صنوفها وتشكيلاتها وقياداتها على التضحية والانتصار حاسمة الموقف العسكري وراسمة خطوات النصر، ومعلنة معنى الثمن الذي دفع، معنويا وماديا. إذ تجمعت حينها عوامل النصر أو اصبح العمل له ضرورة وواجبا، بعد أن تمكنت اسباب الغزو والعنف والكراهية والغلو والاستعمار والمصالح الإمبريالية من كسب جولتها واحتلال الارض والسكان، وصناعة فتنة ونزوح وهجرة وتشرد واضطهاد. ما جرى ليس غزوا عسكريا وحسب، وليس احتلالا فقط. لقد جمع الغزاة بالغلاة بالمصالح وبالتخادم والارتهان والاستهانة بالأرض والشعب، واستطاع الأعداء من تنفيذ مخططات مرسومة ومدعومة عسكريا وسياسيا واعلاميا.

أجل.. تمكن الاعداء، الغزاة والبغاة، ومن تخادم معهم ومن كل الاتجاهات من التغلغل داخل المدن والتعشعش في الاحياء، ونجحوا في التفتيت والتفرقة والتهميش. واستطاع الاعداء من تمرير مخططاتهم وعدوانهم على هذا الشعب وهذا الوطن.. وهذا لم يحدث دون توفر ظروف وحواضن وتسهيلات وخدمات. الا ان قوى الشعب الخيرة لن تهدأ ولن تستكين.. فتكاتفت وسعت الى اسقاط الاوهام والخرافات وانتصرت الارادة الشعبيّة والدعوة للاصلاح والتغيير. وكانت تلك السنوات من اكبر الدروس والعبر للجميع، الذين خضعوا أو تشردوا أو واجهوا وصمدوا وقرروا النصر .

ولعل من أبرز الدروس الاخرى ما بعد الانتصار العسكري تكون في العمل المتفاني في الحفاظ على النصر، ولا يكون ذلك إلا بخطط استراتيجية تشمل كل الصعد والمجالات، تبدأ بالجوانب الفكرية والثقافية المستندة إلى الوحدة الوطنية التي عززت الانتصار وكرست دروبه عمليا، مستفيدة من تجربة قاسية وصعبة والام حادة تقتضي الرد عليها بالاخلاص في العمل والوفاء للشهداء ومحاربة الاعداء بكل السبل والوسائل دون هوادة او استرخاء، والتصدي لكل عوامل التخريب من الفساد والهوان والارتهان. ولعل التهاون في  أية مسألة منها بفتح ثغرة لا يسهل التخلص منها وإعادة الأمور إلى وضع أفضل مما كانت عليه. كما أن بوس اللحى وسياسة عفا الله عما سلف والتزلف والنفاق لا تعطي غير صورة مشوهة وسلبية. كما أن إضعاف القانون والتغاضي عن ارتكاب أو التساهل مع المجرمين والارهابيين ومن ساعدهم أو وفر أو هيأ لهم فرصا أو مساحات انتشار، والسماح لهم في الإفلات من العقاب، اشتراك في الجريمة أو ارتكاب لها معهم سوية.

وتطرح قضية الفساد السياسي والإداري والمالي أهمية كبيرة في المعالجة الضرورية لها بقوة وحسم وإدارة مركزية لا تتوانى ولا تجامل ولا تقول عكس ما تفعل أو تتغافل عما حصل ويحصل. كما أن اللجان التي شكلت والتقارير التي رفعت لم تكن بمستوى المسؤولية ولا تعبر عن حرص وطني ومثال يشهد له أو نموذج يدرس ويعمم محلياً ودوليا. وما عليه الوضع في هذه القضية يفضح السياسة المتبعة والشعارات المرفوعة بشأنها. ومعروف أن تصريحات كثيرة صدرت في محاسبة الفاسدين ومحاكمتهم وظلت كلاما في شبك، انتهى مع غياب صاحبها أو تغير موقعه. وقضية الفساد لا تختلف بل ترادف الإرهاب بمعناه العام واخطاره المتعددة. وواقع الحال يشي بما هو أكثر أضرارا ودمارا من خلال انعكاساته على الأصعدة الاخرى، لاسيما في قضايا الخدمات الأساسية والمصالح العامة. ومن يشاهد ويسمع فيديوهات اليوتيوب. لنواب أو وزراء سابقين يقشعر بدنه من الطروحات والاهمال وحتى التواطؤ والمشاركة في الجرائم القانونية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية وبالتالي الإنسانية والثقافية.

ما تعرضت له المدن وما أصاب السكان خلال احتلال تنظيم" داعش" من خراب كبير، وبنسب مرتفعة في البناء والعمران والنزوح والتقصير الصارخ في الخدمات والتسهيلات والتباطؤ البيروقراطي في إعادة الإعمار والتنمية والإسكان، يبين وقائع مؤلمة في سوء إدارة والتخطيط واهمال حقيقي يضعف بناء الامل وروح المواطنة الحقة.

العراق غني بثرواته، المادية والبشرية، وجدير بمكانته الاستراتيجية في المنطقة والعالم، ويمكن أن يكون قويا ومؤثرا بوحدته الوطنية ورجال دولة مخلصين وعاملين بإيمان صادق  لبناء وطن حر وشعب سعيد حقا. ولا تبنى دولة برجال لا يشعرون فعلا بها وبدورها ولا يقدرون أسسها وعملها ووظيفتها، بل ويمارسون افضع الممارسات الفاضحة لوعيهم  وجديتهم ومصداقيتهم وأخلاقهم وقناعاتهم. فما حدث لم يكن ولم يحصل لولا فشل الإدارات وعطب السياسات وغياب أو ضعف القيم والمبادئ والارتهان دون بصر أو بصيرة. ومهما نتج وجرى فإن عجلة التاريخ لن تتوقف.. ولعل تجارب قريبة مثل التطورات ألتي حصلت في بعض البلدان كماليزيا أو جنوب افريقيا أو رواندا فيها الكثير .. الكثير من الاعتبار والدرس، فهل من يعتبر؟!.