ترامب وعد، ترامب أوفى

 

ناحوم برنياع

 

 

يديعوت   21/12/2018

قولوا ما تشاءون عن دونالد ترامب. اما في كل ما يتعلق بالتواجد العسكري الامريكي في سوريا فهو منسجم تماما. ترامب انعزالي: شعاره الانتخابي، "امريكا اولا" هو استمده من الحركة التي كافحت ضد دخول الولايات المتحدة الى الحرب العالمية الثانية. حتى الحجج مشابهة. ايهود باراك قال عن اسرائيل انها فيللا في غابة. وترامب يترجم هذا المفهوم الى تعابير عالمية: الولايات المتحدة هي فيللا وباقي العالم هو غابة، وهذه الفيللا محوطة بملاعب غولف وكازينوهات. اما العالم فهو منقسم الى قسمين اعداء يمكن عقد الصفقات معهم واصدقاء زائفين يعيشون على حساب امريكا. منظومة التحالفات الدولية التي بناها اسلافه من على جانبي المحيط الاطلسي وجانبي المحيط الهاديء، هي مناورة خادعة على حساب امريكا. يجب تفكيكها.

من ناحية اسرائيل فان الهوية الحزبية للرئيس الامريكي، سواء كان جمهوريا ام ديمقراطيا هي مسألة ثانوية. فالمسألة المقررة هي هل يبدي مسؤولية عن مصير العالم أم يفر من المسؤولية. رئيس انعزالي سيسمح لحكومة اسرائيل بان تستوطن في المناطق كما تشاء، ولكنه سيضعف قوة الولايات المتحدة في المنطقة. اما رئيس مشارك فسيعمل كي يردع اعداء اسرائيل ولكنه سيلجم سياسة الضم الزاحف لحكومتها. ترامب من جهة واحدة، بوش الابن من الجهة المعاكسة؛ ترامب من جهة واحدة، هيلاري كلينتون من الجهة المعاكسة.

عندما تنافس ترامب مع كلينتون في الانتخابات الرئاسية في 2016 خمنت ان يكون نتنياهو، كشخص مجرب ومسؤول، يصلي في خفاء قلبه ان تفوز كلينتون. لقد كانت مرشحة رهيبة من عدة نواح: فاشلة مثلما نجح المرشح شمعون بيرس في أن يكون فقط. ولكن لو انتخبت لكانت حليفة فاعلة لاسرائيل، حاضرة، في الشرق الاوسط. لا ادري لمَ صلى نتنياهو في 2016، هذا اذا كان صلى. اما عمليا، فقد عقد حلفا مع الانعزالي.

ليست اسرائيل وحدها هي التي تفاجأت بل تفاجأ حتى كبار رجالات الادارة المسؤولين عن الموضوع السوري. جيمس جيفري، الممثل الخاص للادارة للموضوع السوري، القى في بداية الاسبوع خطايا احتفاليا في المجلس الاطلسي في واشنطن العاصمة. فقد وعد بان الولايات المتحدة لن تخرج من سوريا الا بعد أن تهزم نهائيا قوات داعش، وفقط بعد أن تضمن خروج القوات التي بسيطرة ايران.

رد ترامب بتغريدة: "هزمنا داعش في سوريا، السبب الوحيد للتواجد "الامريكي" هناك في اثناء رئاسة ترامب. في جملة قصيرة - 16 كلمة بالانجليزية نجح في ان يخطيء مرتين: قوات داعش لم تهزم بعد، وحسب تصريحات ترامب السابقة فهي لم تكن السبب الوحيد. اما ايران فقد اختفت.

توجه تغريدة ترامب ضربة قاسية للقوات الكردية التي عمليا برعاية امريكية. وهي ستنتقل، على نحو شبه مؤكد، الى رعاية الاسد، ايران وروسيا والا فسيبيدها اردوغان. وسيكون الهرب الامريكي ملموسا ايضا في العراق، في الاردن وفي السعودية. في ايران وروسيا ستملآن الفراغ الناشيء.

لقد كان التهديد الايراني في مركز سياسة ترامب الخارجية. في هذه المسألة لم يغرد فقط بل فعل. فقد اخرج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرض عقوبات جديدة على التجارة مع ايران، عقوبات فاقمت الازمة الاقتصادية في الدولة. وتقلص ضخ المال لقوة القدس في سوريا ولحزب الله.

لقد نشأت شراكة مصالح مثيرة للاهتمام تربط اسرائيل، روسيا، الاسد وادارة ترامب. كل هذه الجهات تعمل كي تقيد النفوذ الايراني في سوريا. اسرائيل تفعل هذا بطريقتها، بالعمليات العسكرية في ظل خفيض؛ روسيا تفعل هذا بطريقتها بانزال ايران الى مكانة شريك ثانوي وبالتسليم بجزء من العمليات الاسرائيلية؛ الاسد باحتواء العمليات المعادية في الاراضي السورية والامريكيون بعقوباتهم الاقتصادية.

لقد كانت خطة الجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس، هي الانتشار مع 100 الف مقاتل، معظمهم رجال ميليشيات مؤيدة لايران، قرب الحدود في الجولان. اما الروس، وبالاساس هم، فقد احبطوا الخطوة. وساهمت عمليات الجيش الاسرائيلي بدورها في ذلك. واضطر سليماني الى تخفيف حجم القوات. حزب الله هو الاخر علق في ازمة مالية واعاد جزءا من مقاتليه الى لبنان.

يستحق نتنياهو الحظوة على دوره في هذه الشراكة، على العمليات التي قام بها وعن تلك التي امتنع عن القيام بها. ثمة من يدفعه هرب ترامب من سوريا الى الشماتة بنتنياهو. فهل اخطأ نتنياهو؟ هل كانت لاسرائيل اكثر نجاعة؟ انا لا اعتقد. اذا اخطأ في شيء، فقد اخطأ في التزلف الزائد لترامب ولبوتين وفي ثقته الزائدة في قدرته على ادارتهما. الخطاب هو المشكلة، وليس الجوهر.

الانسحاب الامريكي جيد لايران. فهو يسمح لها، على الخريطة على الاقل، ان تحاول خلق جسر اقليمي من طهران حتى البحر المتوسط. ولكن سليماني لا يعمل في فراغ. ففضلا عن الاعداء في الخارج، فانه محوط باعداء من الداخل. الرئيس روحاني يكافح في سبيل اولويات أخرى. سيده، الزعيم الاعلى خامينئي مريض بسرطان البروستاتا. وهو لن يحكم الى الابد.

ما يحصل في واشنطن ينبغي ان يقلق اسرائيل بقدر لا يقل عما يحصل في سوريا. عن هذا قيل، فليحفظني الرب من اصدقائي، اما مع اعدائي فسأتدبر بنفسي.