ليس دفاعا عن مسيحيي العراق فقط و لكن دفاعا عن عراق المحبة والتسامح والسلام

د. سعد ناجي جواد

 

لم يعرف العراقيون طوال تاريخهم التطرّف الديني او الطائفية، مهما حاول اصحاب الأفكار والنوايا السيئة ان يروّجوا من افتراءات عن هذا البلد الطيب وشعبه. وهذا الكلام لا يُطلق اعتباطا وإنما عن تجربة ومعايشة امتدت لعقود طويلة، وعن ما تربت عليه الأجيال العراقية ابناءا واباءا واجدادا.

في هذه الأيام التي يحاول فيها العراقيون تجاوز ما عاشوه منذ بداية الاحتلال ولحد الان من فرقة وحروب طائفية وتطهير عرقي وديني وطائفي وقتل يومي للابرياء، تظهر علينا تصريحات، من بعض المعممين الذين يدعون تمثيل المسلمين، لا يستشف منها سوى اثارة مسلمي العراق ضد اخوتهم المسيحيين. منهم من حَرَّم على المسيحيين الاحتفال بأعيادهم، ومنهم من يحاول تسفيه هذه الاحتفالات ويدعي انها بدعة، و الغريب اننا لم نسمع من هذه الأصوات نقدا او تسفيها للشعائر البالية التي ابتلي بها الدين الاسلامي الحنيف والمتسامح. ولا مطالبات بمحاسبة الفاسدين الذين دمروا العراق واستباحوه باسم الدين. و لا ادري ما هو الغرض من هذه التصريحات، وهل انها جاءت عن سذاجة مطلقيها ام لغرض اخر يهدف الى ابقاء العراقيين متضادين ومتقاتلين فيما بينهم. ثم هل اصبح كل ما يُدخِل الفرحة في نفوس العراقيين شيئا محرما، و ما مسموح لهم به هو احياء المآتم واللطم والبكاء فقط، الى غير ذلك من الشعائر التي حرمتها كل المراجع الدينية الاسلامية المتنورة. ام انهم يطبقون الفقرة الواردة في الدستور العراقي السيء الذي لم يورد سوى نوعا واحدا من الشعائر كممارسة مسموح بها، و ياليتهم يقيمون هذه الشعائر بصورة حضارية تذكر الأجيال بمعاني المناسبات التي تقام فيها، او لاستذكار المآثر والمعاني الكبيرة التي تحملها هذه المناسبات. او بطريقة تحث الناس على الاقتداء بسيرة ال البيت. ولو كلّف من يطلق هذه التصريحات الهدامة نفسه وعاد بتفكيره الضيق الى الوراء لوجد ان الرسول الكريم عليه افضل الصلاة والسلام قد اصدر وثيقة في محرم من السنة الثانية للهجرة تعهد فيها باحترام الدين المسيحي و معتنقيه وعبادتهم، او لتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم (من آذى ذميا فقد آذاني). واذا كانوا جهلة بالتاريخ الاسلامي المتسامح فلابد وأنهم قرأوا الآية الكريمة التي تصف النصارى بانهم الأقرب مودة للذين آمنوا. كما ان من يدعي ولاءه لآل البيت فعليه ان يستذكر كيف حثَ الامام علي عليه السلام مقاتليه على حماية المراءة المسيحية بنفس الصورة التي يذودون فيها عن المراءة المسلمة، واعتبر عكس ذلك أمرا يجعل فاعله بعيدا عن آلِ البيت وعن تعاليم الدين الاسلامي الحنيف. وكيف تعامل عليه السلام مع المسيحي الذي وجده يحمل درعه الذين فقده،  وكيف وقف معه على قدم المساواة امام القاضي وهو خليفة المسلمين، وكيف أذعن لقرار الحاكم الذين ابلغه بانه لا يملك الدليل الكافي على ملكية الدرع وحكم لصالح المسيحي، الذي اعترف بعد قرار القاضي بان الدرع يعود للأمام علي، اعجابا منه بالعدالة التي تم التعامل فيها مع قضيته، واصبح من مقاتلي الامام الأشداء بعد ذلك. او ان يتذكروا ان احد أشد المقاتلين مع الامام الحسين كان مسيحيا، (وهب بن حباب الكلبي) والذي استشهد معه. واذا ما كانت هذه العبر والحوادث اكثر واكبر من استيعابهم فلابد انهم قد قرأوا الآية الكريمة ( يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم )، ولم يقل سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا. وعلى ذكر التقوى سئل الامام علي كرم الله وجهة  عن معنى التقوى قال هي ( الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضى بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل). طبعا ان أصحاب هذا التفكير الضيق والمتخلف لا يمكن ان يتذكروا مثل هذه الامور، ولا يُتَأمَل منهم ان يقتدوا بها، شانهم شان تنظيم داعش الاٍرهابي. كما انهم لا يمكن ان يتذكروا ان المسيحيين هم ابناء البلاد الأصليين، وأن قسما غير قليل منهم اثبت، و في مناسبات عديدة، ان  حبهم للعراق يوازي، ان لم يكن يتجاوز ما يدعيه بعض من مدعي الاسلام الذين تعاونوا مع المحتل وسهلوا له مهمته في تدمير وتمزيق العراق. ولكن الاكيد الواضح هو ان مطلقي هذه التصريحات من المعممين يستكثرون على العراقيين الفرح والابتهاج، و يريدون ان يبقوهم أسرى البكاء واللطم و النواح دائما، لان هذا الجو من التخلف هو الذي يسهل لهم عملية التحكم بعقول الناس. و كالعادة كان الشيء المفرح الوحيد نتيجة لما جرى في الأيام القليلة الماضية هو الهبّة الشعبية العفوية الرافضة لهذه التصريحات، و أصرار كل مكونات الشعب العراقي على مشاركة أحبتهم من المسيحيين أفراحهم و احتفالاتهم في أعيادهم و مناسباتهم الدينية.

ومرة اخرى تفشل الحكومة في التصدي لهذه الظواهر السلبية التي كان من نتائجها في السنين الخمس عشرة الماضية هجرة جماعية لإعداد غير قليلة من ابناء العراق من المسيحين المحبين لوطنهم و من المتمسكين به، ومن ضمنهم نسبة كبيرة من اصحاب الكفاءات العالية. ولم تتخذ الحكومة او القضاء العراقي اي اجراء رادع حفاظا على الوحدة الوطنية وعلى مشاعر و معتقدات شريحة مهمة من شرائح المجتمع العراقي. واخيرا وليس آخراً فان عدم تفعيل القوانين والتشريعات التي تدين و تحاسب  وتعاقب كل من يقول او يفعل أمرا يبث الفرقة بين ابناء الشعب الواحد، او يحرض على الكراهية العرقية او الدينية او الطائفية، جعل، وسيظل يجعل،  المسيئين في مأمن من اي عقاب، لا بل سيجعلهم يتمادون في بث سموم الفرقة بين ابناء الشعب العراقي الواحد الذي عُرِف على مدى السنين بتسامحه، حتى اجتاحته هذه الغمامة السوداء القادمة من الخارج في نيسان 2003.

 وكل عام و مسيحيي العراق، بل وكل مسيحيي الوطن العربي بالف خير.