من القصر في أنقرة: نائب مدير عام سوريا سيتعلم كيفية اللعب مع الآخرين

 

تسفي برئيل

 

 

هآرتس 4/1/2019

          في نهاية كانون الاول الماضي زار موسكو وفد تركي رفيع المستوى ضم وزير الخارجية، مولود أوغلو، والمستشار الاعلى ابراهيم كالن ورئيس المخابرات حقان فيدان، من اجل مناقشة مع نظرائهم الروس ترتيبات النشاطات العسكرية والسياسية في سوريا في اعقاب قرار ترامب سحب القوات الامريكية من سوريا. "هناك مهمة حاسمة لروسيا وتركيا في حل الصراع في سوريا"، أعلن الرئيس الروسي بوتين بعد هذا اللقاء. من المهم أنه لم يشر الى ايران كشريكة في الخطوات السياسية التي تقوم بها روسيا.

          عدد المكالمات الهاتفية التي اجراها بوتين مع زعماء في المنطقة في 2018 تبين أنه اجرى على الاقل 18 مكالمة مع اردوغان مقابل مكالمتين مع ترامب ومع القيادة السعودية، وعشر مكالمات مع بنيامين نتنياهو. في الشهر الماضي تم تدشين ايضا الجزء تحت البحر لانبوب الغاز بين روسيا وتركيا، الذي سيمتد ايضا الى اوروبا، ومؤخرا رفعت روسيا الحظر عن استيراد البندورة من تركيا، الذي فرضته سوية مع العقوبات التي فرضتها ردا على اسقاط الطائرة الروسية في سماء تركيا في تشرين الثاني 2015.

          روسيا ايضا لم تزعج تركيا في احتلال مدينة عفرين الكردية في شمال سوريا، وعندما هددت تركيا بتوسيع احتلالها حتى شرقي نهر الفرات، روسيا حافظت على الصمت خلافا لامريكا التي طلبت من اردوغان وقف مخططاته. اردوغان يؤجل الآن تنفيذ خطة توسيع الغزو، وحتى أنه أعلن بأنه "اذا خرج الارهابيون من مدينة منبج فلن يكون هناك لتركيا سبب للعمل في المنطقة". الارهابيون هم المقاتلون الاكراد الذين سيطروا على المدينة في 2016، كجزء من الهجوم المشترك مع امريكا ضد داعش. حسب ادعاء اردوغان، فان الولايات المتحدة تعهدت بسحب هذه القوات من المدينة بعد احتلالها، أو على الاقل سيخرجون منها السلاح الامريكي الثقيل الذي حصلوا عليه كجزء من المساعدة، لكن حتى الآن الاكراد يواصلون السيطرة على المدينة وتهديد اردوغان ما زال على حاله.

          الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة حول دعم الاكراد أفاد روسيا: سوية مع قرار الانسحاب الذي اصدره ترامب فقد جعل هذا الخلاف جزء من القيادة الكردية يطلب المساعدة وحماية جيش الاسد من الهجوم الكردي. الاسد لم يتردد ونظامه قام بنشر صور يظهر فيها جنود سوريون يتجولون في محيط منبج. تركيا من ناحيتها قالت إن الصور ليست من المدينة نفسها بل من محيطها، وأن الجنود السوريين لم يدخلوا الى منبج. وسواء كانت الصور حقيقية أم لا، فان مجرد توجه الاكراد لسوريا يوضح أنه حتى لو بقيت القوات الامريكية في سوريا لاربعة اشهر اخرى، لما كان لذلك ما من شأنه تهدئة الاكراد أو تغيير موقفهم من النظام. النتيجة هي أن تهديد تركيا يخدم كما يبدو مصالح روسيا، الذي يهدف الى استكمال سيطرة الاسد على كل سوريا. في نفس الوقت الهدف المشترك لروسيا وتركيا هو اقامة سوريا موحدة وليس دولة كانتونات أو دولة فيدرالية شبيهة بالعراق، حيث فيها يقيم الاكراد حكم ذاتي مستقل.

          ولكن من اجل ضمان المصالح التركية على المدى البعيد سيضطر اردوغان الى تغيير موقفه بالنسبة للاسد، والاعتراف به كحاكم لسوريا، وأن يصك الاسنان ويعقد معه اتفاقات عسكرية تضمن أن لا يستطيعون الاكراد اقامة اقليم مستقل يهددون من خلاله تركيا. من يمكنه اعطاء ضمانات لاتفاقات كهذه هو فقط الرئيس الروسي، وبوتين لا يمنح هدايا بالمجان. اعتراف تركيا بالاسد وتجديد العلاقة الدبلوماسية بين الدولتين يمكن أن يكون فقط الخطوة الاولى التي ستطلبها روسيا. في المرحلة القادمة ستطلب روسيا من تركيا المشاركة في اعادة اعمار الدولة واعادة اللاجئين الموجودين على اراضيها الى وطنهم، حتى لو كان لمعظمهم لا يوجد هناك بيت أو عمل، وتطبيق صفقة شراء صواريخ اس.400 وربما حتى التوقيع على حلف دفاع يحاول أن يفرغ من مضمونه مشاركة تركيا في الناتو.

 

لاعبون جدد

 

          اذا كان اردوغان في الجبهة الداخلية في تركيا هو الرئيس القادر على كل شيء يعتقل كما يريد خصومه، مستندا الى اغلبية برلمانية مؤيدة، ويعد نفسه للانتخابات المحلية التي ستجري في شهر آذار التي فيها سيثبت مرة اخرى قوته فان الجبهة الدولية تربطه بالسلاسل التي تقتضيها مشاركته في اللعبة المشتركة. في الجبهة السورية يظهر لاعبون جدد مثل دول الخليج التي دولتان منها، اتحاد الامارات والبحرين، جددت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا. العراق ومصر كما يبدو ستفعلان ذلك أولا بعدهما، والجامعة العربية جميعها تناقش مسألة اعادة سوريا الى مكانتها المحترمة.

          تركيا هنا يمكن أن تجد نفسها على خلاف مع روسيا التي تؤيد وتدفع بالدول العربية لاعادة علاقاتها مع سوريا، خلافا لتركيا التي تعتبرها الدول العربية بشكل عام ومصر والسعودية بشكل خاص دولة معادية. اذا وافقت السعودية على دفع تكاليف اعادة اعمار سوريا، كما أعلن بصورة احتفالية الرئيس ترامب، فهي تريد أن تملي ايضا شروط الدفع الابتعاد عن ايران ووقف التأثير التركي. الزبون الاسد يمكنه حينها اختيار التحالف الذي يناسبه وفقا للتوجيهات التي سيتلقاها من موسكو، وليس في أيدي اردوغان أي ضمانة لأن يفضل الاسد تركيا على السعودية ومصر.

          لقد ألقى ترامب على جهاز التخطيط التركي الروسي في سوريا عبوة ناسفة غير متوقعة: في اللقاء مع المراسلين الصحفيين تمتم "ايران يمكنها أن تفعل في سوريا ما تريد، لكنها ستخرج قواتها منها"، هكذا لخص ترامب التدخل الامريكي في سوريا بأنه يمنح ايران يد حرة للعمل كما تشاء. هذه مقولة يجب أن تقلق بشكل خاص اسرائيل التي يمكنها أن تفهم منها بأنها بقيت دون دعم امريكي لنشاطاتها في سوريا. اسرائيل ايضا لا يمكنها الاعتماد على أن الولايات المتحدة ستتوسط بينها وبين روسيا، أو ستضغط على روسيا من اجل التأثير على ايران كي تسحب قواتها من سوريا أو تبعدها عن الحدود الاسرائيلية. أي أن من سيحارب في سوريا سيفعل ذلك على مسؤوليته الولايات المتحدة فقط ستراقب عن كثب.

          ولكن هذه السياسة ستكون لها تداعيات ايضا على طرق عمل روسيا وتركيا، التي تسعى الى تقليص تدخل ايران في سوريا. اذا استطاعت هاتان الدولتان حتى الآن الاعتماد بدرجة كبيرة على أن الولايات المتحدة ستعمل مع اسرائيل على ابعاد ايران، دون أن يطلب منهما مواجهتها مباشرة، فانه منذ الآن ستضطران الى رسم الخارطة السورية لانفسهما أمام ايران.