مملكة الاسد

 

الون بن دافيد

 

 

معاريف 4/1/2019

          اذا لم يكن القرار المتسرع بالانسحاب من سوريا أليما بما يكفي، فقد جاء الرئيس ترامب هذا الاسبوع وصب علينا دلوا باردا بقوله البائس. ولا يزال، كان يمكن لنا ان نعد من هذه الليمونة الحامضة بعض الليمونادة. فخروج القوات الامريكية يسمح للاسد بان يعيد تثبيت حكمه في كل ارجاء سوريا ويعطي شرعية لاخراج القوات الاجنبية، التركية والايرانية، التي بدأت منذ الان تبدي بوادر يأس من فرص تثبيت الوجود في سوريا. ولكن بينما يكون الايرانيون في حالة انسحاب، فان حزب الله يثبت وجوده في هضبة الجولان الى جانب الجيش السوري.

          لقد اعطى ترامب للاتراك ضوءاً اخضر للانقضاض على الاكراد في شمال وشرق سوريا، ولكن الاسد سارع لان يضعه امامهم اشارة ضوء حمراء. دخول الجيش السوري الى مدينة منبج في شمال الدولة، هو اشارة واضحة الى أن الاسد يعتزم اعادة السيطرة على هذه المنطقة وعدم تركها للايادي التركية. اما الاكراد الذين سبق ان احتلوا منبج من داعش، فهم الذين استدعوا جيش الاسد. وليس مثل اخوانهم في العراق، ليس للاكراد السوريين تطلعات استقلال: فهم يرون انفسهم جزء من سوريا، وطلبهم هو فقط حكم ذاتي ثقافي يسمح لهم بان يتعلموا ويتكلموا اللغة الكردية.

          سارع الاتراك الى موسكو كي يستوضحوا مع رب البيت الروسي اي نصيب من الغنمية التي سيخلفها الامريكيون سيبقى في ايديهم. وحاولوا ان يبدوا مبتسمين لدى خروجهم من اللقاءات، ولكن مشكوك ان يكونوا حصلوا على طلبهم. فالاسد وروسيا لا يعتزمان التنازل عن الاقليم الكردي، وهما يعدان ايضا معركة لاحتلال جيب الثوار الاخير في ادلب. بعده، سيكون الاتراك مطالبين بان يخلوا الجيب الذي استولوا عليه في عفرين ايضا.

سوريا القديمة آخذة في النشوء من جديد، هذه المرة برعاية روسية، والعالم السني الذي لفظ من داخله الاسد قبل سبع سنوات يمد الان ذراعيه ويدعوه للعودة. فالامارات اعادت منذ الان فتح سفارتها في دمشق وباقي الدول العربية تنتظر قرار الجامعة العربية التي ستنعقد في اذار وتدعوه الى العودة. وعلى الرغم من النفور من المفهوم، لاسرائيل مصلحة في أن ترى الاسد يعود الى حضن العالم السني ويبتعد عن ايران. كما انها يمكنها أن تساعد في المسيرة.

          في الميدان، يوجد الايرانيون في حالة انسحاب ويفهمون بانه لم يعد بوسعهم ان ينجحوا في تحقيق خطة تثبيت وجود واسع لهم، كان يفترض ان يتضمن انتشارا للقوات في كل المطارات السورية والدخول في احد الموانيء البحرية. وبدلا من ذلك، تقلص التواجد الايراني في سوريا بعشرات في المئة في السنة الماضية. لقد باتوا يفهموا انه لن تكون لهم قدرة وصول الى ميناء بحري، واضطروا ايضا الى طي بعض من الفروع التي اقاموها في مطارات الاسد. في سوريا بقيت خمس ميليشيات شيعية (نحو 12 الف مقاتل)، معظمها يتركز في هذه اللحظة في الشمال، تمهيدا للمعركة على ادلب.

          كما أن مساعيهم لتثبيت بنية تحتية مدنية تصطدم لاول مرة بالمقاومة. ففي السنوات الاخيرة دفعوا بالاف المعلمين والمربين الى سوريا، وبدأوا يقيمون شبكة مدارس شيعية بهدف "تشييع" سوريا. اما الاسد فيتجرأ الان للوقوف في وجههم ويبدأ بطرد رجال التعليم الايرانيين من بلاده. كل هذه، الى جانب الهجمات المتواصلة المنسوبة لاسرائيل، خلقت منذ الان خلافات في الرأي في داخل الحرس الثوري على جدوى الاستثمار في سوريا وعلى الاحتمال في امكانية تنفيذ الخطة لتثبيت الوجود هناك.

          الهجوم الاخير الذي نسب لاسرائيل في سوريا جر سلسلة من بيانات الشجب من موسكو والتي فسرها كثيرون بانها حازمة. ولكن الروس بدوا كمن يرفعون العتب. لا شك انهم لا يحبون الاعمال الاسرائيلية في سوريا، ولكنهم يفهمون المصلحة الاسرائيلية، وهم ايضا لن يذرفوا دمعة اذا ما دفعت اسرائيل بالايرانيين الى خارج الدولة.

 

جيوش نصرالله

 

          الانباء السيئة تأتي من جهة حزب الله الذي هو الاخر قلص حجم قواته في سوريا ويعيدها الى لبنان. فبعد سنين كان غارقا في معظمه في الحرب الاهلية، يعود حزب الله ويتفرغ للوقوف في وجه اسرائيل في الجبهة اللبنانية. وبالتالي فان حملة كشف الانفاق هي الاخرى دارت في ظل خوف حقيقي من التصعيد: ففي صباح الحملة وقف سلاح الجو جاهزا مع مئة طائرة مسلحة لاستقبال كل تطور.

          في الوقت الذي نزل الرجل الالي للجيش الاسرائيلي الى النفق الاول في المطلة وبدأ يجس طريقه فيه فوجيء الجيش الاسرائيلي بان يرى احد ما في الطرف الاخر يشعل النور في النفق. وعندما ظهرت شخوص رجال حزب الله اتصل قائد المنطقة الشمالية برئيس الاركان للتشاور معه ما العمل. وكانت مع الرجل الالي عبوة ناسفة فتاكة وقنبلة غاز مسيلة للدموع أيضا. وكان رئيس الاركان غادي آيزنكوت في تلك الثواني هو الذي قرر استخدام الغاز وليس الوسيلة الفتاكة. وفرضيته كانت انه اذا ما قتل رجال حزب الله فستكون المنظمة ملزمة بالرد.

          وبالتوازي يستكمل حزب الله عملية الانخراط في داخل الجيش السوري الذي يعيد بناء نفسه. ومن غير المستبعد ان يكون ضباط من حزب الله وضعوا في مناصب في جيش الاسد. الحج هاشم، قائد قوة الجنوب لحزب الله في سوريا، يرافق ظل قائد الفيلق 1 لجيش الاسد. والفكرة هي جعل هضبة الجولان وجيش الاسد جزء من كل مواجهة مستقبلية لحزب الله مع اسرائيل.

          لقد بدأ الاسد عملية بناء جيشه المحطم. وهو يستثمر الكثير في اعادة بناء الدفاع الجوي وقدراته الصاروخية. لا يوجد بعد مؤشر على أنه يعتزم العودة لان يستأنف ايضا قدرات السلاح الكيماوي. هو سيجتاز زمناً الى ان يعود جيش الاسد لان يشكل تهديدا عسكريا على اسرائيل.  والسوريون يفهمون هذا.

          حزب الله، الذي كان له حتى الان لقب المنظمة ذات قوة النار الاكبر في العالم، يصبح في هذه الخطوة سابقة اخرى: منظمة لها جيشان يخضعان لإمرتها. واضافة الى هذين الجيشين فانها تعد ايضا الميليشيات الشيعية المتبقية في سوريا كقوة احتياطية لها. وهي تدرب رجال الميليشيات، وفي كل مواجهة مستقبلية سترغب في استخدامها ضد اسرائيل. وسواء من سوريا ام من لبنان، فان حزب الله يبني ايضا خيارات متنوعة من رد الفعل على عملية اسرائيلية. ورئيس الوزراء التالي الذي ستنتخبه اسرائيل عليه ان يقرر اذا كان سيعمل ضد مصانع الصواريخ الدقيقة في لبنان فيما هو واضح ان مثل هذا العمل سيرد عليه برد شديد من حزب الله، حتى وان كان محدودا.

          ان عدم الاستقرار الذي لف سوريا في السنوات السبعة الاخيرة انتهى، وعلامات الاستفهام تستبدل الان بعلامات تعجب. وفضلا عن استمرار الاعمال التكتيكية ضد الايرانيين والتطلع على اعادة الوضع في حدود الجولان الى سابق عهده، على اسرائيل ان تصيغ لنفسها اهدافا استراتيجية حيال الجار الجديد القديم من الشمال. الهدف الاول في هذه الاستراتيجية هو اقتلاع الطوبة السورية من المحور الايراني واعادة سوريا المتجددة الى العالم العربي السني.