من تاريخ العراق: قصة دفاع سعيد قزاز في محكمة الشعب

سعد ناجي جواد

 

 

 

قرأت ما كُتِبَ عن المرحوم سعيد قزاز في موقع الگاردنيا باهتمام، لاني وكأي عراقي محب للعراق، أُقَدِرُ تقديرا عاليا الشخصيات التي لعبت دورا مهما و إيجابيا في تاريخ العراق، واحترمها حتى وإن اختلفت معها سياسيا. ويزداد احترامي لهذه الشخصيات اذا ما تمسكت بمبادئها وثبتت على مواقفها، ولم تساوم عليها حتى وان كان ثمن هذا الثبات هو الموت.

لقد مثل موقف المرحوم سعيد قزاز، آخر وزير داخلية في النظام الملكي (١٩٢١-١٩٥٨)، في محكمة الشعب، او محكمة المهداوي كما عرفت فيما بعد نسبة لرئيسها المرحوم العقيد ( العميد) فاضل عباس المهداوي، موقفا شجاعا بل وبطوليا، ولم ترهبه الهتافات التي كان بعض الحاضرين من الشيوعيين يطلقونها ضده، و لا الحبال التي كانوا يرمونها على قفص الاتهام الذي كان يقف فيه شامخا بقامته و بعزة نفسه وبكبرياء قل ان تتوفر لأشخاص مثله في ساعة العسرة. وبالتاكيد فانه كان في تلكم اللحظات يفكر بالاعمال الكبيرة التي قام بها من اجل العراق، ومساهماته في بناء دولة العراق الحديثة، منذ بدا موظفا اداريا بسيطا، ثم تدرج، بسبب كفاءته ليصبح محافظا (متصرفا) ثم وزيرا. وأهمها وآخرها كان جهده الاستثنائي في حماية بغداد من الفيضان عام ١٩٥٤، و وقوفه ضد فكرة إخلاء بغداد آنذاك، وما كانت ستنشره من فوضى وفقدان للارواح.

ولكن اهم ما كان يشغل بال القزاز ويقلقه اثناء جلسات محاكمته، وهو ما اخبر به المقربين له من عائلته، هو أن لا يُسمٓح له بإلقاء دفاعه عن نفسه في المحكمة في نهاية جلسات محاكمته، كي يرد فيه على سيل الاتهامات، والتي تضمنت عددا غير قليل من الافتراءات، التي تُليَت ضده سواء من رئيس المحكمة او من المدعي العام المرحوم العقيد الركن ( العميد) ماجد محمد أمين، او الشهود الذين شهدوا ضده. والتي أيقن من خلالها بان مصيره هو الإعدام لا محالة. ولهذا فلقد لجأ الى تهريب نسخة من دفاعه، وطلب من عائلته ان يأخذونها الى المؤرخ العراقي الكبير المرحوم السيد عبد الرزاق الحسني، صاحب الموسوعة الكبيرة ( تاريخ الوزارات العراقية)، (ومؤلفات اخرى كثيرة عالية القيمة). وأرفَقَ نسخة دفاعه بطلب يقول فيه للحسني، ( إِنَّكَ أثبَتَ نفسك أمينا على تاريخ العراق وإني أأتَمِنُكَ على هذه الوثيقة لكي تنشرها بعد وفاتي لاني اعتقد باني لن أتمكن من إلقاءها في المحكمة)، وهو ما سمعته من أشخاص مقربين من الطرفين. وبالفعل فلقد قام الحسني بإخفاء الرسالة في مكان ما من مكتبته، كما كان يفعل مع اغلب الوثائق المهمة والسرية التي كانت تقع تحت يديه، و هو ما اكتشفته انا شخصيا اثناء لقاءاتي به في داره اثناء إعدادي لرسالتي للدكتوراة، و لا أنس كم ساعدني في تلك الفترة نتيجة لعلاقته الطيبة و المتينة مع المرحوم والدي ناجي جواد الساعاتي. ولن انس كيف انه برع في اخفاء هذه الوثائق التي كان يخرجها من أماكن في منزله لا تخطر ببال.

الطريف في هذه القصة ان المرحوم الحسني، والذي كان يعمل آنذاك في أمانة مجلس الوزراء، و هي الوظيفة التي شغلها لمدة طويلة و التي مكنته من الحصول على الكثير من الوثائق الرسمية التي ضمنها في موسوعته عن وزارات العراق ومؤلفاته الاخرى، ظلَ يتابع محاكمة القزاز، الذي، على عكس توقعاته، سمحت له المحكمة ان يقرأ دفاعه كاملا في نهاية جلسات محاكمته، و الذي ظهر فيه بذلك الموقف البطولي والجريء الذي اذهل متابعي المحكمة، سواء من هيئة المحكمة او الحاضرين فيها و المطالبين بإعدامه، والاهم انها أكسبته احترام وتقدير نسبة كبيرة من العراقيين. وكان الحسني يتابع تلك الجلسة ايضا وبيده النسخة التي ارسلها القزاز له. في اليوم التالي ذهب الحسني الى دائرته في مجلس الوزراء و هو يشعر بان الوثيقة التي وصلت اليه لم تعد بالأهمية التي كان يعتقد انها كانت ستكتسبها اذا ما مُنِعٓ القزاز من إلقاء دفاعه، خاصة وان جلسات المحكمة كانت علنية ومباشرة ولا تخضع لا الى تقطيع او حدف او تلاعب بمجريات بثها. كما ان كل تفاصيل ووقائع المحاكمات كانت تنشر في مجلدات تباع في الاسواق، وبدون اي حذف او تغيير، وهذان امران لابد وان يحسبا للنظام آنذاك و للمحكمة حتى و إن اختلفنا مع اجراءاتها و مهازلها غير القليلة.

وأثناء جلوس الحسني في مكتبه في أمانة مجلس الوزراء، و بدون سابق إنذار فتحت باب غرفته واذا بالمرحوم عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء آنذاك، على الباب. هب الحسني و أقفا وهو يرد على تحية الرئيس ، الذي بادره بالسؤال (ها سيد دفاع سعيد قزاز الذي قراءه بالمحكمة البارحة هو نفسه اللي ( الذي) عندك؟). فابتسم الحسني مذهولا ولم يستطع الرد، و اكتفى بالإيماء براسه موافقا. وهذه الحادثة يجب ان تحسب ايضا للمرحوم الفريق عبد الكريم قاسم، الذي لم يستخدم سلطاته لمنع وصول هذه الوثيقة الى الحسني التي بالتأكيد كانت تتعرض لحكمه وللمحكمة التي شكلها ودعمها بقوة.

رحم الله الجميع وغفر لهم