ماذا يعني ان يعلن الرئيس ترامب حالة الطوارئ الوطنية؟

 

د. سوسن اسماعيل العساف

 

 

ليس غريبا ان يعلن رئيس أمريكي حالة الطواريء الوطنية، فهذا حق كفله له الدستور. وبموجبه يستطيع الرئيس ان يتجاوز الكونكرس الامريكي، مجلسي النواب والشيوخ، ويتصرف بامور، مالية خاصة، لمواجهة ما يعتقده انه خطر يهدد الأمن القومي. كما انه يمكن ان يلجأ اليه اي رئيس أمريكي عندما يشعر بان هناك حاجة ملحة لمناقلة مبالغ من أبواب الميزانية لمواجهة حالة استثنائية او طارئة تمس حياة المواطنين او مسيرة الادارة الحكومية. لجأ روؤساء اميركان كثيرون لهذا الحق. وأول من استخدمه هو الرئيس نلسون في عام ١٩١٧ واشهر من استخدمه بعده هو الرئيس روزفلت في عام ١٩٤٧، والرئيس كارتر، والرئيسين بوش الأب والابن في الاستعدادات لحربيهما على العراق. لا بل ان بعض الروؤساء، مثل كلينتون و اوباما، استخدموه اكثر من مرة، ولم يحدث ان اعترض عليهم احد. فلماذا هذه الضجة التي تثار على الرئيس ترامب لاستخدامه هذا الحق؟ اولا يجب التذكير ان ترامب لجأ لهذا الخيار بسبب المعارضة التي قوبل بها اصراره وقراره ببناء جدار حديدي إلكتروني على طول حدود الولايات المتحدة الامريكية الجنوبية مع المكسيك، بدعوى منع موجات المهاجرين غير الشرعيين، ثم أضاف الى ذلك سببين اخرين، الاول هو منع تهريب المخدرات داخل الولايات المتحدة والثاني منع دخول عصابات الجريمة، وهنا يقول معارضيه بانه لم يكن صادقا واستخدم تبريرات غير صحيحة من اجل تحريض جمهوره والجمهور الامريكي بصورة عامة، خاصة عندما ذكر اسماء بعض العوائل التي تعرض احد أفرادها للقتل على أيدي مهاجرين غير شرعيين. واخيرا فان المعارضين يقولون، وهو امر صحيح، ان اصراره يأتي بالأساس لأسباب سياسية ولخدمة طموحه في ان يرشح لولاية ثانية في العام القادم، على أساس ان بناء هذا الجدار كان احد اهم الامور التي وعد بها ناخبيه في حملته الانتخابية السابقة. وبموجب هذا القرار يستطيع الرئيس ان يناقل مبالغ تصل قيمتها الى اكثر من ست مليارات دولار ونصف لصالح مشروعه الذي قال انه يحتاج الى ثمانية مليارات دولار. الكونكرس الامريكي بدوره وافق على منح الرئيس مبلغ مليار و ثلثمائة وخمس وسبعون مليون دولارا فقط لسياج طوله ٥٥ ميلا، بينما مشروع ترامب يتحدث عن جدار طوله ٢٣٤ ميلا، وبكلفة ثمانية مليارات دولار. في تبريره لقراره أكد الكونكرس، خاصة مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية المعارضة للرئيس الجمهوري، ان الحالة التي يتحدث عنها الرئيس لا تشكل تهديدا للامن القومي وبالتالي لا تحتاج لصرف هذا المبلغ الكبير. وما اثار الكونكرس ايضا ان الرئيس سياخذ الأموال التي يحتاجها مشروعه من: اولا صندوق البناء العسكري لوزارة الدفاع (٣،٦ مليار دولار)، ثانيا من برنامج مكافحة المخدرات التابع لوزارة الدفاع ايضا (٢،٥ مليار دولارا) و ثالثا من صندوق مصادرة المخدرات التابع للخزانة الامريكية (٦٠٠ الف دولارا). وهذه المبالغ، مضافا اليها ما منحه له الكونكرس، ستصل الى ثمانية مليارات دولارا التي يقول ترامب ان مشروعه يحتاجها.

في كلمته التي أعلن فيها اتخاذه لهذا القرار ذكر أمورا هرعت الجهات المعارضه له لالتقاطها واستخدامها ضده. فمثلا هو قال انه لم يكن بحاجة لاتخاذ هذه الخطوة الان، ولكنه فعل ذلك من اجل الإسراع في تنفيذ مشروعه، وان هناك خطر حقيقي يهدد أمن البلاد يتمثل بتهديد عصابات الجريمة والقتل والمخدرات. وفِي ردهم على السبب الاول اعتبر معارضوه ان ماقاله يعتبر اعترافا بانه لا يوجد ما يستوجب اتخاذ هذه الخطوة، وحول الثانية قالوا ان نسبة مرتكبي جرائم القتل و تهريب المخدرات من المهاجرين قد انخفضت ومستمرة بالانخفاض. وعندما قال الرئيس ان روؤساء كثر استخدموا هذا الحق ولاكثر من مرة، (وهذا صحيح حيث استخدمه بوش الابن ١٣ مرة وكلينتون ١٧ مرة واوباما ١٢ مرة)، رد عليه معارضوه ان مايقوله صحيح ولكن اولا تم استخدام هذا الحق من قبل روؤساء سابقين عندما كان هناك أزمات خارجية اولا، وثانيا وهو الاهم انهم لم يلجأوا الى هذا الحق بشان مسالة قد رفضها الكونكرس. وهذا ايضا ما اعتبروه خرقا للدستور وتجاوز في الصلاحيات وسابقة غير مقبولة وخطيرة، وهو ما يستوجب من قبلهم الى اتخاذ موقف حازم وقانوني لوقفه. ثم ذَكَّروه بانه في ٢٠١٤ كان هو أشد من انتقد الرئيس اوباما لاستخدامه هذا الحق معتبرا إياه بانه قام بخرق الدستور.

السؤال الذي يثار هنا هل يستطيع الكونكرس ان يوقف هذا القرار؟ الجواب وبكل بساطة كلا لا يستطيع الكونكرس ان يلغي هذا القرار، ولكن يستطيع ان يدعم الخطوات التي يمكن ان تتخذ ضده. وكما حدث في قرار ترامب السابق المتعلق بمنع بعض الجنسيات، وبالأخص المسلمين، من دخول الولايات المتحدة، لجات محاكم محلية كثيرة لنقض هذا القرار وتحديه، وهذا يعني ان المسالة يجب ان تعرض على المحكمة الاتحادية العليا لتبت فيه، واذا ما وجدت هذه المحكمة ان هناك غالبية في مجلسي الكونكرس مؤيدة لنقض القرار فستنقضه. كل ما تحتاجه الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب هو تأييد عشرة سيناتورات من الجمهوريين من مجلس الشيوخ، ذو الأغلبية الجمهورية ومن حزب الرئيس، ليؤيدوا مسالة نقض القرار كي ينجحوا في مسعاهم امام القضاء، وهم يقولون انه لحد الان أيد سبعة جمهوريين من مجلس الشيوخ هذا المسعى وأعلنوا معارضتهم الصريحة لقرار الرئيس. ومع ذلك يبقى للرئيس حق الاعتراض (الفيتو) على ما يتخذ من إجراءات ضد قراره ويستمر في القيام بما يريد، ولكن اذا ما فعل ذلك فسيكون اول رئيس في الولايات المتحدة يلجأ الى هذا الحق الذي سيشكل تحديا كبيرا لرأي الكونكرس وللرأي العام واهم من ذلك للسلطة القضائية، فهل سيكون ترامب مستعد للقيام بهذه المجازفة؟ لقد عُرِفَ عن الرئيس الامريكي بانه متهور ومغامر كونه رجل تجارة وليس سياسة، كما قال هو بان معارضيه يتهمونه بانه مجنون، ولكنه يرد بانه اثبت لهم بان قرارته صحيحة، وضرب مثلا على قراره بمنع رعايا دولا معينة من دخول البلاد ، الذي أيدته المحكمة العليا في النهاية، ولم يقل انه اضطر الى تخفيفه وتعديله اكثر من مرة، وفِي قضية انفتاحه على كوريا الشمالية، التي لم تثبت لحد الان انها نجحت في إقناع الرئيس الكوري الشمالي في التخلي عن برنامجه النووي. في المحصلة النهائية فان الرئيس الامريكي اثار زوبعة تضاف آلى الزوابع والمشاكل، الداخلية والخارجية،  التي اثيرت وتثار حول ادارته، والتي وصلت الى حد تفكير بل و مطالبة أعضاء من الكونكرس بانهاء مدة رئاسته قبل انتهائها رسميا، وهذه الأزمة ربما تكون الاخطر خاصة اذا ما اثبت معارضيه بان قراره يمثل خرقا للدستور. وهم بذلك يستندون الى القانون الذي اصدره الرئيس الأسبق كارتر ( قانون مراقبة تصرفات الرئيس)، الذي أستند في تمريره على التجاوزات التي قام بها الرئيس الذي سبقه، نيكسون،  والتي أدت الى استقالته لتجنب محاكمته. فهل سينجح ترامب في فرض رأيه ام ان الكونكرس سيجبره على التراجع، و ربما الاستقالة؟