الخصائص الإشتراكية في الرواية

صباح علي الشاهر

 

 

 

رغم كل ماقيل وسيقال مستقبلاً، فقد كانت ثورة أكتوبر الإشتراكية عام 1917 منعطفاً حاسماً في تأريخ البشريّة، وهي أعظم وأعمق الثورات في القرن العشرين، حيث غطى تأثيرها قرناً بكامله، وحرَّكت وهيَّجت شعوب القارات الخمس، ومنحت النضال من أجل العدالة الإجتماعيّة زخماً وعمقاً لا مثيل لهما على إمتداد التأريخ المعاصر، ولم يكن خارجاً عن دائرة تأثيرها وتأثير أفكارها قطر مهما صغرت مساحته على خارطة الكرة الأرضيّة، أدخلت هذه الثورة ذات المحتوى الإجتماعي الجذري في السياسة والإقتصاد والإجتماع وحقول المعرفة مجتمعة مفاهيم جديدة عميقة الدلالة تمحورت بالأساس حول الإنسان وقضيته الأبديّة في التحرر والإنعتاق، وحاصرت النظام الرأسمالي حصاراً كاد يزهق أنفاسه، إذ زعزت شرعيته وقانونيته، مؤكدة نظرياً، وعملياً في السنوات الثوريّة المجيدة الأولى من عمرها لا جدارته بالبقاء، وجوهره المعادي للإنسان، وإذ كنا لسنا في مجال التقييم ولا في مجال تعليل ماحدث من فشل دراماتيكي وغير متوقع بالنسبة للأغلبيّة المطلقة من سكان هذا الكوكب، إلا إننا ونحن نتنناول تطور الرواية في ظل النظام الإشتراكي، أو ما سُمي بالإشتراكي، نؤكد حقائق ليس بالإمكان عبورها أو تجاوزها...

وجد المنعطف الثوري الحاسم الذي دشنته ثورة إكتوبر تجلياته على الصعيد الإبداعي، ويمكن القول بقليل من الشك إن إكتوبر قدمت نموذجها الإبداعي الخاص (الذي حمل خصائص واضحة تحمل طابع خصائص الظروف التأريخيّة التي تطورت بها البلاد السوفيتيّة منذ بدء الثورة، وهو نتاج طبيعي لثورة أكتوبر التي أكدت الطابع الإنشائي الخلاق للثورة الإشتراكيّة، وأهميتها كنقطة تحوّل في التطور التأريخي للثقافة الإستراكيّة، ونقطة تحوّل في التطور العالمي للإنسانيّة ) صباح علي الشاهر (إكتوبر وأدب القمم الشامخة). الثقافة الجديدة. بغداد. العدد 99 تشرين الثاني 1977 ص: 117.)

لقد أولت الثورة منذ سنواتها المبكرة الفن بشكل خاص إهتماماً إستثنائياً، قد يبدو للكثير من الدارسين غير مفهوم، فقاعدة الثورة من الناس غير المتعلمين يتوزعون بين العمال والفلاحين والجنود والبروليتاريّة الرثّة، وهي قاعدة غير معنيّة بالفن، وغير قادرة على تطويره، ولكن القيادة كانت من الإشخاص الذين تلقوا معارف جيدة، وأحياناً إستثنائيّة في مجالات الفكر كافة... هذه القيادة التي وضعت نصب عينها مهمة وجدتها جوهريّة ، إذ كانت المهمة الجوهريّة منذ بزوغ فجر أكتوبر تدور حول تدعيم وتعميق الإتجاهات الواقعيّة في الوعي الفني للمجتمع، التي تفسر بالتطورات الجذرية والحياة الإجتماعيّة والتطهير البناء للتربيّة من طفيليات الماضي، وكان الإهتمام برعاية الجديد مهمة مركزيّة على مختلف الأصعدة. لقد ساعدت إبداعات الكتاب السوفيت على تأكيد ذلك الإسلوب الواقعي في التعبير عن الحياة والذي سيُسمى فيما بعد بالواقعيّة الإشتراكيّة.

مما لا شك فيه إن الإرادوية والقصديّة ظاهرة بينة في هذا التوجه، الذي كان يشفع له إلى حد ما الحماس الثوري الذي عمَ البلاد والعالم بأسرة، إلا أنه من المؤكد أن إبداعات الكتاب لم تكن في الأغلب الأعم وليدة الجبريّة هذه، فالجبريّة لايمكنها بأي شكل من الأشكال تقديم نتاجات بهذا المستوى من العمق، وبهذا القدر من الفنيّة العاليّة. أغلب الظن إن الكتاب كانوا يكتبون بصدق، مدفوعين بحماس الحالة الثوريّة التي عمّت أولئك الناس العاشقين للخير، والناقمين على الإستبداد، والظلم المتوارث...

لقد فتحت الثورة الإشتراكيّة طريقاً عريضة لظهور ونبوغ المواهب وتطورها، وتطوير المتلقي وجعله يحس بثمار الأدب والفن، ليس في إطار قوميّة سائدة، وإنما في أفق أممي كان إلى ما قبل أكتوبر مجرد حلم محض. وحيث أن الأفراد الذين يحولون الظروف بشكل ثوري، يتحولون هم أنفسهم أثناء تلك التحولات التأريخيّة، كما علّم قائد أكتوبر، فقد زجت في العمليّة الثوريّة وأعيد بناؤها، وتصلبت، جحافل من الجماهير الشعبيّة التي تضافرت جهودها مع جهود الطليعة الواعية، لبناء العالم الجديد، ولكنس أدران العالم القديم. إن أحد أهم الفوراق المبدئيّة للثورة الإشتراكيّة، عن كل ما سبقها من ثورات شعبيّة هي أنها تخلق في عملية الصراع إنساناً جديداً، إشتراكيّاً، فعالأ، ومغيّراً للظروف.

لقد بدأ غوركي التنظير للواقعيّة الإشتراكيّة في وقت مبكر كمقابل للواقعيّة النقديّة، وبالأخص لملاحظته غلبة الجانب الإنهزامي التشاؤمي فيها، وقد بلور في روايته الأم سنة 1906 المفاهيم الإيجابية المتفائلة للواقعيّة الإشتراكيّة، حيث يتضح جلياً في هذه الرواية عظمة الإيمان الفردي من خلال الإرتباط بالأهداف المستقبليّة للجماعة، إن هذا الإيمان هو الذي يُغيّر سلوك الأفراد كما نجد ذلك عند (بافل) العامل البسيط، والبطل النموذجي المستقبلي.

لقد أسس غوركي عبر رواياته وبالأخص رواية الأم ووطد بدايات منهج سيُغطي عشرات السنين فيما بعد، وكان همه الأساسي تكريس الصفات البطوليّة في البطل الإيجابي الذي هو وفي مطلق الأحوال لم يخرج عن نطاق الإمكانات الإنسانيّة، وبالأخص إذا كان دافع الإنسان هدف سامي نبيل. هذه الصفات البطوليّة التي قدمها غوركي قلما نعثر عليها عند الواقعيين النقديين، فمثلا بطل رواية غوغول (المعطف) على سبيل المثال بطل إيجابي، وكذلك الأمير آندري في (الحرب والسلم)، ولكن الصفات البطوليّة لا نكاد نعثر عليها عند الواقعيين النقديين إلا قليلاً، غير أنَّ بافل غوركي، وكذلك (تشابايف) فورمانوف نموذجان لخلق الصور البطوليّة...

ومن هنا سنتلمس جوهر البطل الجديد بصفاته البطوليّة، والذي ستكرسه الواقعيّة الإشتراكيّة، التي كانت رواية الأم بما حملته في أحشائها من حلم جماعي بالتغيير الرائدة بلا منازع في تحديد معالمه الأساسيّة والجوهريّة. لقد إستعاضت الواقعيّة الإشتراكيّة عن المثقفين اليائسين المعقدين والمأزومين، الذين سيطرت عليهم الكآبة والحزن واليأس، والذين صورهم لنا تشيكوف مثلاً، بدلاً من هؤلاء المثقفين، أصبحنا نرى الأنصار والجنود المتحمسين لتحطيم العالم القديم، والثوار المفعين بالرومانسيّة الثوريّة وقد فجرّت الأحداث الثوريّة طاقاتهم، وبالتالي فقد كان إجتراح المآثر البطوليّة في هذه الأجواء الثوريّة أمراً واقعيّاً وليس متخيلاً أو إفتراضياً...

يقارن الدكتور محمد زكي العشماوي بين الأُم في رواية غوركي، والأُم عند نجيب محفوظ في رواية بداية ونهاية، وهي تصلح أن تكون مقارنة بشكل عام بين البطل في الواقعيّة النقديّة، والبطل في الواقعيّة الإشتراكيّة، فيلاحظ أن الأم عند غوركي أم مكافحة، والهدف من هذه الشخصيّة، والأدوار التي تؤديها هو إبراز ما في هذه الشخصيّة من الطبيعة الإنسانيّة الخيّرة، وما تنهض به من تعبير عن الجماعات، وما تجسده من طموح الشعب وآماله. القضية بالنسبة لأم غوركي ليست قضيّة عائليّة تتصل بالعلاقات الشخصيّة بين إفراد العائلة، إنما هي قضيّة أم تسعى نحو فجر جديد، وتمثل نمطاً من الكفاح البطولي من أجل الجماعة. أما في (بداية ونهاية) فهي أم برجوازيّة لاتعيش إلا في المحيط الضيّق الذي يصلها بإفراد أسرتها وحدهم، ولايهمها إلا أن تحقق لإفراد أسرتها مكاناً لائقاً في المجتمع الذي تعيش فيه، لذلك نجدها تفشل في النهاية لأن المجتمع يقهرها، وينتهي الموقف بانتحار البطل على نحو إنهزامي فاشل) د. محمد زكي العشماوي. الأدب وقيم الحياة المعاصرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب الإسكندرية. الطبعة الثالثة. 1974. ص: 191.)

إن الواقعيّة الإشتراكيّة التي واصل غوركي عقب إنتصار ثورة أكتوبر 1917 في مجمل نشاطه تأصيل مبادئها، لا يمكن فهمها إلا على أساس مفهوم التطور الفني للإنسانيّة، وهي منهج فني لا يمكن التوصل إليه من دون الفلسفة الماركسيّة ونظرتها الماديّة للتأريخ، وهي تقوم إساساً على الخبرة الإشتراكيّة، ومن مهماتها أن تثير فهماً وإدراكاً إشتراكيين ثوريين للعالم، وعلى الرغم من تعدد طرائق كتاب الواقعيّة الإشتراكيّة فإن الشيء المشترك بينهم جميعاً هو الموقف الأساسي، الموقف الإشتراكي الجديد نتيجة تبني الكاتب والكتاب لوجهة النظر التأريخيّة للطبقات الصاعدة، وتقبله للمجتمع الإشتراكي بكل التناقضات والخلافات التي تظهر في مجرى تطوره... وإذا كان الفن عموماً يستشرف المستقبل، فإنه يمكن القول أن للواقعيّة الإشتراكيّة قصب السبق في إستشراف المستقبل، إذ أنها لم تعمل على فهم وإدراك الواقعين( الماضي والحاضر) فقط، وإنما عملت لفهم وإدراك المستقبل، كما أنها لا تقتصر على إدراك وعكس الواقع الموضوعي وإنما تعمل على تجديده. قال شولوخوف في خطابه عند تسلمه جائزة نوبل عام1965: أنا أتحدث عن الواقعيّة التي تحمل في ذاتها فكرة تجديد الحياة، وتغييرها لخير الإنسان، أنا أتحدث طبعاً، عن تلك الواقعيّة التي نسميها إشتراكيّة، وخصوصيتها تكمن في أنها تعبر عن وجهة نظر لا تكتفي بالملاحظة، لا تساوم وتبتعد عن الواقع، بل تدعو للنضال من أجل تقدم البشريّة، وتعطي إمكانيات بلوغ الأهداف التي يطالب بها الملايين، وتضيء لهم دروب النضال. ( ي. غروموف (الواقعيّة الإشتراكيّة). دار إبن خلدون. بيروت. ط1. حزيران1975. ص: 42.)

لقد أنتج هدف تجديد وتثوير الواقع روائع العشرينات تشابايف لنورمانوف والفولاذ سقيناه لأوستروفسكي، ودروب الآلآم لألكسي تولستوي و الهزيمة لفادييف، والعديد من الأعمال الإبداعيّة المفعمة بالبطولة والحماس، والتي تم فيها مزج الصور الواقعيّة التحليليّة مع الرومانسيّة الثوريّة.

 

كان شولوخوف الممثل الأبرز لنهج الأدب الجديد، حيث شرع في عام 1925 في كتابة ملحمته الروائيّة (الدون الهاديء) التي رسم فيها لوحة ضخمة للصراع بين عالمين، وللواقع في تطوره الثوري، ولنضال الشعب الروسي من أجل حريته، والدروب التي سلكها القوزاق في عهد الثورة للإنتقال إلى الحياة الجديدة، وقد صور بطله غريغرري ميليخوف كإنسان من الشعب، إنفصل عنه لأنه لم يستطع إكتشاف سبيل صائب للثورة. لقد روى لنا شولوخوف في الدون الهاديء قصة الثورة الروسيّة في إقليم الدون، منظورة بعيون قوزاق الدون.

 كان شولوخوف مُزوّداً بمعرفة منقطعة النظير بأحوال القوزاق بفعل معايشته لهم، وقد حمل هؤلاء القوم الشديدو البسالة، والمتولهين بحب الحريّة والإنعتاق مفهومهم الخاص للثورة، إنها ثورة عملاقة ولكن بمنظور قوزاقي. لقد إنضموا للثورة لكنهم حملوا معهم تراثاً من التقاليد والأعراف والقيم، طبعت مجمل ردود أفعالهم بطابعها الفريد المتميز، لم يقدروا على التمييز بين قيم الثورة الحقيقيّة وقيمهم، فإذ كانت قيم الثورة محببة على لسانهم فقيمهم الموروثة معشوقة لحد الوله، إن تأريخهم الطويل والعريق، تأريخ القوزاق الفذ والمتميز يختلط بتركيبة عجيبة ولكن آخاذه بالتأريخ الذي تصنعه الثورة. إن تراثهم القوزاقي، وأعرافهم القوزاقيّة، وقيمهم، قد طبعت ردود أفعالهم بطابعها الخاص المميز الذي هو صدى لتأريخهم الطويل، ومن هذا الينبوع الثر تنبعث تلك النكهة العبقة التي تغطي الراواية كلها. لقد وضعهم شولوخوف في نقطة تحول بالغة الحساسيّة، وتركهم يتصرفون إزاء حدث، هزَّ روسيا كلها، وزعزع أركانها، وغيّر وجهها. لقد تركهم يتصرفون وفق موقفهم الإجتماعي والحياتي الذي يحدد مقدار تقبلهم أو رفضهم لهذا الشيء الجديد الذي إقتحم عالمهم وحياتهم. كانوا صلبين في كل شيء. قبولهم شديد الصلابة، ورفضهم شديد الصلابة أيضاً. كانوا يتنقلون وبسرعة أحياناً بين القبول والرفض، وهم إن رفضوا تبنوا الرفض موقفاً عنيفاً، وإن قبلوا تبنوا القبول موقِفاً عنيفاً أيضاً، وعلى الأغلب كان موروثهم ونمط حياتهم هو الذي يحدد الموقف الذي يتخذونه من الزلزال الذي غيّر كل شيء تقريباً، وبهذا كله قدم شولوخوف لوحة شديدة الصدق موضوعياً وفنياً لمصائر أبطاله.

وقد فعل شولوخوف الشيء ذاته في (أرضنا البكر) حيث وضع الفلاحين أمام حدث جديد في حياتهم هو التعاونيات، ولعل الحادثة التاليّة تفسر لنا مقدار إحترام شولوخوف لفنه وتمسكه بالصدق الموضوعي والفني معاً (فقد ناقش ستالين شولوخوف يوماً بشأن مصير بطل (الدون الهاديء)، فقال له: لماذا لم ينتم بطلك إلى الحزب بعد مسيرته الملحميّة الطويلة؟ أجابه شولوخوف: لست أنا من قرر أن لا يدخل البطل إلى الحزب، وإنما هو الذي رفض هذه النهاية التي ترونها أنتم منطقية)

ولابد من ذكر روائي كبير آخر هو إيليا إهرنبورغ، هذا الهجّاء اللاذع والناقد القاسي والساخر من المجتمع الرأسمالي الذي عاش بين أحضانه، وتكشَّف له قبحه... تغلب على نتاجات إهرنبورغ القدرة الفائقة والموهبة الصحفيّة العاليّة، إذ تبدو بعض فصول رواياته تقارير صحفيّة بالغة الجمال، وأهم كتبه (موسكو لا تعرف الدموع)، و(العاصفة)، و(سقوط باريس).

على عتبة الحرب العالميّة الثانيّة إنبرت جميع المواهب الأدبيّة وحشدت كل أمكاناتها، كما حشدت الأمة كل أمكاناتها، وكان سيمونوف الأبرز في الرواية حيث قدّم الأيام والليالي التي تعتبر واحدة من أجمل وأعمق روايات الحرب، كما قدم شولوخوف مقاتلون من أجل الوطن و مصير إنسان والتي كانت على قصرها الذي جعل الدارسين يعدونها قصة طويلة وليست رواية واحدة من أعمال شولوخوف الخالدة، وأضاف سجل الأدب السوفيتي أسماء لامعة جديدة مثل الكسندر بيك، وليونوف، وكاتاييف، وجربانوف، وكانت الأنشودة الروائيّة الصادقة لهذه المرحلة الحرس الفتي لفادييف.

إن روايات الحرب التي يصعب عدها كما تتعذر دراستها إنما هي مأثرة حقيقيّة للأدب الإشتراكي في فترة مجيدة وقاسيّة من فترات التأريخ السوفيتي، وتأكيد قاطع بأن الإشتراكيين ليس كما يدعي البعض جهلا أناس بلا وطن، وإن ولاءهم لأفكار مجردة، لا لوطن ملموس، وهي وإن كُتبت في أجواء الحرب والإقتتال، ومجدت البطولة والتضحية، إلا إنها في حقيقتها أناشيد إبداعيّة خالدة تدعو للسلام وتحضُّ عليه، وتعادي الحرب ودعاتها...

إن منهج الواقعيّة الإشتراكيّة كما ينبغي، وكما أعلن عن نفسه، وبالأخص عند صياغة مبادئه الرئيسيّة خلال عام 1934 في أول مؤتمر للكتاب السوفييت لا يعني أن يكون الكاتب أو الفنان بوقاً للسلطة، أو الحزب، أو الطبقة العاملة الموكلة ببناء الإشتراكيّة، كما لا يدعو الكاتب للركض وراء الإحصائيّات عن الخطط التنمويّة، ولا تزييف الواقع لإرضاء المتنفذين سواء كانوا في الحزب أو الدولة، وهو لم يأت تلبيّة لرغبة إرادويّة، حزبيّة أم سلطويّة، وإنما لحاجة موضوعيّة، إستوجبتها الظروف المستجدة، وإستلزمها التطور...

إن منهج الواقعيّة الإشتراكيّة إذ يستوجب دعم الجديد وتكريس التحولات يستوجب أيضاً، وبنفس الدرجة، وربما أشد، نقد الظواهر السلبيّة، وتعريّة وكشف كل المظاهر المسيئة للإنسان وإنسانيته، ذلك لأن من أسمى توجهات الواقعيّة بشكل عام إنسانيتها ودفاعها الذي لا يحيد عن إنسانيّة الإنسان، كما أن الإيمان بالمجتمع والإلتحام بأهدافه الإشتراكيّة أو النضاليّة لا يستبعد عنصر النقد، بل أن الأمر على العكس من ذلك تماماً، فإن الإيمان بتطوير المجتمع يستوجب نقد ما فيه من أخطاء وتناقضات قصد نقله إلى حالة أفضل، وتزداد هذه الحاجة إلحاحاً عندما يكون المجتمع بصدد بناء جديد لا عهد للخبرة البشريّة به ألا وهو بناء الإشتراكيّة، وقد تخوّف لوكاش وفي وقت مبكر من إنحسار الروح النقديّة في الأدب، لذا دعا إلى ضرورة تلاقي الواقعيّة النقديّة مع الواقعيّة الإشتراكيّة، وهو يرى أن الواقعيّة النقديّة تقوم بدور ثوري في تعريّة تناقضات المجتمع الرأسمالي رغم صدورها عن منظور غير إشتراكي، في حين أن الواقعيّة الإشتراكيّة تتجاهل تناقضات المجتمعات الإشتراكيّة، كذلك فأن لقاء الواقعيّة النقديّة مع الواقعيّة الإشتراكيّة من شأنه أن يصل بالأدب الواقعي الإشتراكي إلى ذروة الكمال الفني - جورج لوكاش (معنى الواقعيّة المعاصرة) ترجمة د. أمين العيوطي. دار المعارف بمصر. سنة ذ971. ص: 145-

 

تميزت المرحلة الأولى للأدب السوفيتي من 1917 حتى 1932 بتنوع وتعدد الإتجاهات والمناهج الجماليّة، وهي مرحلة على العكس مما قيل كانت غنيّة بالإبداع الفني، وجريئة في ميادين التجريب، وكانت المناهج الفنيّة تتعايش وتتصارع في فضاء ديمقراطي إلى حد ما، ولم تكن الدولة لتتدخل فيما كان يجري في المحافل الأدبيّة، إذ أن سحنتها الشموليّة لم تتضح بعد، والحماس الثوري لبناء عالم جديد وإنسان جديد، بقيم إنسانيّة ساميّة ما زالت على أوجها... في ظل هذه الأوضاع الثوريّة ظهرت الواقعيّة الإشتراكيّة كمنهج فني تبناه بناة العالم الجديد إلى جانب مناهج عديدة ومدارس شتى كانت في مجملها تنطلق من هاجس التعبير الأمثل عن الجوهر الإنساني، ولم تدع الواقعيّة الإشتراكيّة الوليدة وحدانيتها، في عالم لايمكن قط إدعاء الواحدانيّة فيه، وهو عالم الإبداع الفني الذي يعتمد أساساً على الفرادة والتفرد، وتتعدد سبله وأساليبه بتعدد ذوات المبدعين أحياناً وتنوع إبداعهم...

 لقد كشفت الواقعيّة الإشتراكيّة عن جوهر البطل الجديد الصانع للتأريخ، وربما غالت في هذا الجانب قصد التمييز، واستهدفت التصوير الصادق الملموس تأريخياً للواقع في تطوره الثوري، وكانت صفة الإشتراكيّة التي أُلصقت بالواقعيّة تحمل رسالة إنسانيّة عظيمة تستهدف تحرير الإنسان من الإضطهاد الإجتماعي والطبقي، وتأكيد الإنسان بقيمه السامية، والإشارة إلى أن ثمة أدب جديد ينشأ في ظلِّ نظام إجتماعيّ إقتصاديّ جديد، ولم يكن يومها من الممنوع إستخدام منجزات الأدب العالمي وإستثمار المنجزات التعبيريّة الحديثة، إلا إنه ومع مزيد الأسف وفي فترة ما بعد الثلاثينات شاع الميل غير الموضوعي إلى إنكار التناقضات الإجتماعيّة في ظل الإشتراكيّة، وانتشر تصور يقول بإنسجام المجتمع المطلق، وبوجود وحدة متناميّة بين الفرد والجماعة، وفرضت الضوابط الرسميّة على التعدديّة الجماليّة الفنيّة، وطفق المنظرون يحددون سمات الواقع الموضوعي الصادق بزعمهم، يستخلصونه من الجدل النظري والمختبرات النظريّة، الخاضعة لتقييم وتصويب من بدا ظلهم لا ينسحب على السياسة والإقتصاد والإجتماع فقط، وإنما أخذ يشمل أدق تفاصيل العمل الإبداعي، وكانت هذه هي اللبنة الأساسيّة في الإساءة للواقعيّة الإشتراكيّة الوليدة.

لقد تجاهل بعض الكتاب كون الموضوع الأكبر للفن يركز على جدليّة الفرد والمجموع، فالفن ينمي شخصيّة الإنسان من جوانبها المتعددة، ويرى إن المجتمع إنما هو مجموع أفراده، وليس كياناً يُلقي بعبئه على الفرد ويسحقه. وما زالت كلمات لينين ترن في أذان المثقفين حول ماهيّة السلطة، التي بمزيد من إضعافها يتحرر الإنسان، وبمزيد من تلاشيها تُبنى الإشتراكيّة، ولكن مع مزيد الأسف شاع الميل غير الموضوعي في أعقاب الثلاثينات إلى إنكار التناقضات الإجتماعيّة، والإنسجام، وكون السلطة المعبر الوحيد والمطلق عن الجماهير، لا الكادحه فحسب وإنما المثقفين والمبدعين، الذين لم يعد بالإمكان التفكير في التعارض معها، ولو جزئياً، وأوكل أمر تثبيت الوحدة المتناميّة والصلبة، إلى أجهزة الكه جي بي، وإلى محاكم التفتيش الأيدولوجيّة، وفرضت من فوق، من السادة القادة السلطويين والحزبيين الضوابط الحزبيّة التي غدت رسميّة قانونيّة بفعل إحتكار الحزب للسلطة كلها، وأضحت التعدديّة الجماليّة بخبر كان، بعد أن عُدّت جميع المدارس والمناهج الأدبيّة مطايا النفوذ البرجوازي الذي يشد المثقفين والمبدعين إلى مستنقع الرأسماليّة العفن.

 لقد تم عن عمد وإصرار تجاهل كون الموضوع المركزي والأساسي للفن عموماً إنما يركز على ديالكتيك العلاقة بين الفرد والمجتمع، فالفن إذ ينمي شخصيّة الإنسان من جوانبها المتعددة، يرى إن المجتمع إنما هو مجموع أفراده، وليس كياناً مجرداً يسحق الفرد بالتزامات وواجبات مع إغفال حقوق الأفراد التي بإضعافها وهدرها يتم إضعاف المجتمع المدني وتعطيل ديناميكيته، وتحويله إلى كيان طوطمي خرافي غير ملموس، بدعوى إن مصلحة المجتمع تستوجب هذا، علماً بأن مصلحة المجتمع هي مصلحة الفرد المُشخّص وبالتالي مجموع الأفراد... المجتمع هو الأفراد الذين يكونونه، وكلما كُرِّست مصلحة الفرد، كُرِّست مصلحة المجتمع... وشيئاً فشيئاً تحولت الواقعيّة الإشتراكيّة إلى مصطلح سياسي أيدلوجي سرعان ما تم قولبته بقوالب جاهزة جامدة، وأصبحت كسرير بروست تُقاس على ضوئه النتاجات الإبداعيّة، فما جاء وفق الطول المقرر هو أدب واقعي إشتراكي، وما زاد بُترت زاوائده، وما قَصُر شُدَّ حتى يكون بطول السرير، وإلا فهو أدب إنحطاطي مُدان، خارج عن فردوس الواقعيّة الإشتراكيّة..

لقد وقع العديد من كتاب الواقعيّة، وبتأثير المرحلة الستالينيّة فيما يمكن تسميته بمذهب الذاتيّة الإرادويّة، حيث تم الخلط بين ما هو مرغوب ذاتياً، وما هو كائن موضوعياً، وحيث أن المرغوب دائماً هو الرفاه والسعادة، وهما أحب ما يرغب القادة الحديث عنه، فقد تم تصوير الفردوس في ظل الإشتراكيّة، إن السعادة لم تعد حلماً بشرياً وإنما هي واقع منجز وحاصل في دولة الحزب والطبقة، وإذا أشير لخطأ هنا وهناك، وغالباً يكون المسؤول عنه ليس الحزب أو السلطة، وإنما في الأغلب مواطن بيروقراطي يحتاج إلى إعادة تربيّة، فإن السعادة الكاملة الخاليّة من ناقصي التربيّة ستكون حتماً وبالضرورة حاصلة نتيجة للنضال. لقد شاعت وكُرِّست النهايات السعيدة، وكانت هذه النهايات هي جواز مرور العمل الإبداعي المنجز إلى دور النشر، إلا أن الأمر لم يكن بهذه البساطة والسهولة دائماً، وكان المبدعون يخرجون عما رسم لهم، وبالأخص في السنوات الأخيرة من العهد الشمولي. فجنكيز إيتماتوف مثلا شذَّ عن القاعدة السحريّة في روايته (السفينة البيضاء) وختم روايته بنهاية سوداوية، لذا فقد إنقسم النقاد وقتها إلى قسمين متعارضين، قسم رحّب بالرواية واعتبرها علامة مميزة في تأريخ الأدب السوفيتي برمته، وقسم أدانها لإبتعادها عن الأقانيم المقدسة للواقعيّة الإشتراكيّة، فما بال الروائي يشيع اليأس والسوداوية، في مجتمع التفاؤل والسعادة والرفاه؟!

لم يكن جنكيز إيتماتوف لوحده الذي تمرد، إذ أن العديد من الأدباء السوفييت البارزين أداروا الظهر، ومنذ وقت طويل نسبياً، لهذه النهايات المفترضة والمفروضة قسراً، وكذلك البطولات الجاهزة والصيغ الجامدة التي جعلها (جدانوف) وأضرابه كسيحة، وأخذوا وباصرار يعبرون عن وجدان الشعب السوفيتي، لقد عرضوا بصدق ونزاهة الحقائق الموضوعيّة، وقدموا الإنسان كما هو وليس كما يُفترض، كاشفين بإبداع عن سموه الروحي والأخلاقي، وقد ملك هؤلاء الكتاب الحد الكافي من الجرأة والشجاعة، ليعلنوا رفضهم الوصاية السلطويّة والحزبيّة على الإبداع، لقد حاربوا التغريب والتهميش الذي تعرض ويتعرض له الفرد عملياً، وأعادوا في إبداعهم أمجاد أولئك العظام الذين عكست أعمالهم حكمة الشعب الموروثة تأريخيّاً، وصبره، فمثلا قدم راسبوتين في قصة - نقود لماريا- (إمثولة عن التضامن الروحي والإنسانية والنزاهة، وتعرض مراراً للوم بسبب إختياره أقسى اللحظات الدرامية في حياة أبطاله، ودأب على إثارة الإحساس بالذنب وتوعيّة القاريء بواجبه الأخلاقي تجاه نفسه وضميره، ورأى أن من واجب الفنان دوماً التحلي بشجاعة ليتحدث عن الحقيقة بصدق وأمانة) - محمد سعيد مضية. النهج. م.ب.د.ش.ع. عدد 24سنة 1989. ص:444.-

وفي الحق فإن العديد من الكتاب السوفيت البارزين، إنصرفوا منذ أمد عن أدب النهايات السعيدة والبطولات الجاهزة، والصيغ الجامدة للواقعيّة الإشتراكيّة، وطفقو العمل ضد البيروقراطيّة وآليّة الكبح والركود، أمثال: جنكيز إيتماتوف، قسطنطين سيمونوف، غريغوريباكلانوف، يوري بونداريف، فالنتين راسبوتين، وغيرهم. الذين ظلوا يتتبعون الوقائع المعقدّة والمتناقضة للحياة، ومصائر البشر، فجاءت أعمالهم أمتدادات متراميّة لفنون الواقعية الإشتراكيّة الكلاسيكيّة، وعرضاً صادقاً عن الإنسان البسيط، وكشفاً عن سموه الروحي والأخلاقي، وضمنياً فقد رفض أدب هؤلاء مبدأ الوصاية الإجتماعيّة على الإنسان، وناهضوا غربته. لقد أكدت أفضل أعمالهم الإبداعيّة في عقديّ الستينات والسبعينات على حكمة الشعب وكرامة الإنسان.

إنه لمن المؤكد أن فترة الجمود والركود أثرت سلبياً على تطور الرواية في ظل الإشتراكيّة، تلك التي بلغت قمة تطورها على يد خيرة ممثلي الأدب الإشتراكي أمثال شولوخوف، ومن المؤكد أيضاً أنه عندما سيتم الكشف عن كنوز الثقافة والإبداع التي حُجبت في فترة الركود، سيتم الإطلاع على إبداع واقعي حقيقي يعطي الصورة الأكثر سطوعاً لتطور الواقعيّة في ظل الإشتراكية...

لسنا في مجال الدفاع عن الواقعية الإشتراكيّة، فهي ليست مدانة. وهي كمنهج فني قدمت إبداعات فنية متميزة ليس بمقدور أحد إنكارها، أو التغطية عليها، وهي لم تصبح بعد في ذمة التأريخ لنتناولها بحيادية، تستوجبها الدراسات التأريخيّة، ذلك إن النزوع إلى الإشتراكيّة ما زال حياً، إذ ليس بمقدور النظام الرأسمالي المستغل تقديم الإجابات الشافيّة على الأسئلة الإنسانيّة. إن الذي حدث إنما هو فوز الذين ملكو الإمكانيات التكنولوجيّة الأكثر تأثيراً في هذا العصر، إقتصاديّاً وعسكريّاً، وفشل الذين جمدوا الإشتراكيّة وحنطوها فكراً وعملاً، وحولوا جهد الملايين إلى مصالح صنمية لإقليّة بيروقراطيّة إستبداديّة، متخلّفة ومنعزلة، لم تكن وباية حال من الأحوال جديرة بمصير أفضل من المصير الذي آلت إليه، وهذا الفشل في أحد دلالاته وأبعاده كسباً لمسيرة الإنسان الصاعدة من أجل تطوره الشامل. لقد فشل التنظيم الذي تحدث باسم الناس عوضاً عن الناس، وفشلت الدولة الشموليّة القمعيّة، لإن البيروقراطيين بدلا من إضعاف دورها، وتوسيع دور الجماهير والمنظمات الجماهيريّة المنبعثة منها جعلوا منها شيئاً مقدساً يُخدم لذاته، وفشل الإستبداد والقهر، وهما شيئان ما كانا ولن يكونا في خدمة الإنسان بأية حال من الأحوال. فشل الجمود والتحجر والعداء للديمقراطيّة، ولكن لم تفشل الإشتراكيّة، إذ أن ما بُني لم يكن إشتراكيّة بالمعنى الكامل للإشتراكيّة، فالإشتراكيّة لا يمكن أن تكون بدون ديمقراطيّة، إنها إبداع الجماهير، والجماهير لكي تبدع يجب أن تكون حرَّة، وأن تسهم بالقرار، لا أن تتخذ القرار نخبة بيروقراطيّة معزولة نيابة عنها، وتُجبر هي بشتى الوسائل على التنفيذ القسري...

 لم تفشل الإشتراكيّة كهدف إنساني نبيل، وإن بعد بها المدى، مثلما لم يكن فشل كومونة باريس فشلا لنزوع البشريّة نحو المساواة والحريّة والعدالة الإجتماعيّة. فمثلما قيل سابقاً أيتها الحريّة، كم تجري من الجرائم باسمك؟! يمكن القول اليوم أيضاً، أيتها الإشتراكيّة كم جرت من المآسي تحت رايتك وعلمك. ورغم كل الجرائم التي حدثت باسم الحريّة، فليس ثمة شيء أعز منها، ورغم كل المآسي التي حدثت باسم الإشتراكيّة، فلا خلاص للإنسانية إلا بها.