قراءة جديدة في"محاكمة" كافكا: تشريح شعري ساخر لعبث الوجود

 

علاء اللامي

 

 

معروفٌ أنَّ دراساتٍ وكتباً كثيرة ناقشت وحللت نقديا أعمال كافكا في أوروبا وخارج أوروبا وخصوصا قصة " المحاكمة "، مما يجعل أية مقاربة نقدية جديدة لهذه القصة أو لسواها من أعماله عرضة للاتهام بالتكرار وإثارة السأم، خصوصا إذا كانت تلك المقاربة تعج في أكثر من نصفها بمناقشة لآراء النقاد السابقين كما يقتضي التقليد الأكاديمي أو العرف التأليفي والبحثي المألوف في دراسات ومقالات نقدية كهذه. ولكننا هنا لن نعمد إلى استعراض آراء الآخرين، إلا لماماً، وبما يخدم السياق العام لمقاربتنا النقدية، بل سنحاول أن نقدم مقاربة شخصية يمكن الحكم على جديتها واقترابها أو ابتعادها عن تحقيق أهدافها بعد الانتهاء من مطالعتها. هذا الكلام لا يعني التشكيك المجاني بالمنهجيات التي اختطها الآخرون، ولا بالثوابت الأكاديمية التي انطلقوا منها، بل هو مسعى لجعل محاولتنا أكثر شخصية، و بالتالي أقرب إلى طبيعة المنطلقات التي اقترحتها واعتمدتها بشكل شخصي.غير أن تناول أعمال كافكا أو سواه من كتاب عصره، وحتى من عصور أقدم من ذلك بكثير، ليس أمرا مرفوضا بحد ذاته، أو أنه قليل القيمة النقدية والفكرية، إذ لا أحد يستطيع أن يوقف الاهتمام في يومنا هذا بالأعمال الكبيرة القديمة كالإلياذة  أو الشعر العربي القديم أو أعمال شكسبير ودوستوفسكي وحتى الملحمة الشعبية ألف ليلة وليلة وإعادة قراءة هذه الأعمال منهجيا والنظر إليها بعينين مختلفتين، أو يُراد لهما أن يكونا مختلفتين؟ لا أحد يستطيع أو يسعى إلى ذلك، غير أننا قصدنا شيئا آخر يتعلق بآليات القراءة النقدية انطلاقا من تجربة خاصة نسعى إلى جعلها أكثر أسئلة وأقل أجوبة وأحكاماً معيارية كما هو شائع في هذا النوع من الدراسات.

تطرح قصة "المحاكمة" ومنذ بداياتها سؤالا مهما عن ماهية الموضوع الذي تخوض فيه وتجعله مادتها وخلاصتها، وأيضا عن طريقتها الخاصة لقراءة وتقديم ذلك الموضوع. وقد اختلف النقاد ومتابعو أدب كافكا في موضوع هذه القصة اختلافا بيِّنا بلغ في حالات معينة درجة التناقض الجدي، وسنقدم بعد قليل جردة سريعة ومبتسرة لبعض وجهات النظر ، محاولين أن تكون مكثفة ومفيدة.

 هنا ، في غمرة هذا الاختلاف والافتراق العميقين يمكن أن نتلمس نوعا خاصا وفريدا من الغنى المضموني، وتلك خصيصة يمكن للباحث أن يجدها في أغلب أعمال كافكا التي كانت هي الأخرى موضوعا للاختلاف حول موضوعها الأرأس.ولعلنا نلمس من خلال هذه الخصيصة جزء ثابتا من الهوية الإبداعية لكافكا ولنصوصه، بمعنى أن هذا الغنى والتنوع المؤكَد باختلاف القراءات يمكن أن يساعدنا كثيرا على التأكد من هوية عدد من النصوص التي تنسب لكافكا ولكنها موضع شكوك وتمحيص كما هو الحال مع مسرحيته " بنات آوى وعرب". على أن السمات العامة لأدب كافكا، المرصودة جيدا من قبل نقاد متميزين، تضم هذا الجزء الثابت على بساطته إلى جانب أجزاء أخرى شكلية ومضمونية، وكل هذا يعطي لأدب كافكا هويته الحقيقية.

سنتنازل أيضا عن "حقنا" في تقديم خلاصة ضافية لأحداث القصة " المحاكمة" على افتراض أن القارئ يعرف عمَّ نتحدث وما هي تلك الأحداث ولكننا سنكتفي بخلاصة مكثفة نقول فيها: إن بطلها استفاق صباحا ليجد نفسه معتقلا و ملاحقا قضائيا من قبل محكمة  لا يعرفها، ومتهما بتهمة لا يعلم ماهيتها، ولسوف يبذل جهودا خارقة لا ليثبت براءته التي هو متأكد منها، بل ليعرف السبب وراء اتهامه والقبض عليه في غرفة نومه. وخلال ذلك كله، يتعرف على عالم المحاكم والمحاماة الغريب العجيب والكابوسي حتى تنتهي القصة بصدور الحكم عليه بالإعدام، و من ثم ينفذ الحكم طعنا بالسكين من قبل اثنين من موظفي تلك المحكمة الغربية والغامضة، وكان كافكا قد روى هذه النهاية ضاحكا في جلسة مع أصدقاء مما يؤكد طبعه المرح وغير المتجهم والسوداوي - بالمعنى الكابوسي للعبارة-  لشخصيته. وأسجل هنا، أن هذه المعلومة التي تتحدث عن كافكا وهو يقرأ ضاحكا لأصدقائه  الخاتمة الدامية لمسرحيته، جعلتني في حيرة من أمر هذا التصرف وكيفية تفسيره. وقد ناقشت مع نفسي عدة احتمالات لتفسيره لما يعنيه أو يستبطنه من قيمة معينة، وكنت أميل إلى احتمالين : الأول، هو أن كافكا ظل يحتفظ في أعماقه بشعور من السخرية التي قد تبلغ الازدراء لهذا الموظف غريب الأطوار والذي يخلط الحكمة بالسذاجة بالتهور و بصلف البرجوازي الصغير الأوروبي عهد ذاك حتى دفعه إلى هذه النهاية، التي لا أشعر شخصيا بأنها الأكثر منطقية وانسجاما مع مجرى الأحداث.  والثاني، هو أن كافكا ربما كان يقرأ هذه الصيغة للخاتمة ضاحكا، دون أن يقطع، وبشكل جازم، أنها الخاتمة النهائية، وربما كانت لديه أكثر من صيغة لنهايات أخرى. غير أن ما أقوله هنا من احتمالات يبقى مجرد ترجيحات ورجما بالغيب قد لا يؤدي إلى أي شيء مهم على صعيد فهم المضامين، خصوصا وأن طابع الفكاهة السوداء يخترق النص من بدايته إلى نهايته. وعليه، يمكن النظر إلى هذه الخاتمة بالذات كجزء من تلك الفكاهة السوداء ولكن مع القهقهة التي تصدر عن المؤلف.  

نحاول الآن أن نقدم وصفا للحالة النفسية والعقلية والروحية التي كان عليها كافكا شخصيا، وللكيفية التي كتب فيها قصته هذه خلال ليلة واحدة. لنترك كافكا ذاته يصف تلك الساعات العاصفة والغامضة في يومياته في النص التالي:

( هذه القصة "الحُكْم " -  يبدو ان هذا هو اسم القصة الأولي ثم تحول إلى المحاكمة فيما بعد-  كتبتُها دفعة واحدة ليلة 22 23 من الساعة العاشرة مساء حتى السادسة صباحاً. تجمّدت ساقاي حتّى أنه أصبح مِن العسير عليَّ أن أسحبهما مِن تحت الطاولة. المجهود الهائل والغبطة الغامرة، كيف تطوّرت القصة أمامي، وكيف تقدّمت في فيضان. عدّة مرات في هذه الليلة حملت ثقلي على ظهري. كيف يمكن أن يقال كل شيء، كيف تُعدُّ نار متأججة لكلّ الخواطر وأكثرها غرابة، تحترق وتنبعث. كيف أصبحت الدنيا زرقاء أمام النافذة. مرّت عربة. وعبر رجلان الجّسر. في الساعة الثانية نظرتُ إلى الساعة للمرّة الأخيرة. وإذ دخلتْ الخادمة الغرفة الأمامية للمرّة الأولى، كتبت الجملة الأخيرة. إطفاء المصباح وانتشارُ ضوء النهار. آلام القلب الخفيفة. النُّعاس الذي زال منتصف الليل. الدخول المرتجف إلى حجرة الأختين. قراءة. قبل ذلك التمطّي أمام الخادمة والقول: "لقد كتبتُ حتّى الآن". منظر الفِراش الذي لم يُمَسّ، وكأنه أُدخِلَ لتوه. والقناعة التي تأكدت أنني بكتابتي الروائية إنّما أُوْجَد في قيعان كتابة مزرية. (أما الآن) فهكذا فقط يمكن الكتابة، فقط في مثل هذا السياق، وبهذا الانفتاح الكامل للجسد والروح ....)

 أعتقد إن الذين جربوا نعمة و متعة الكتابة الإبداعية، أو غيرها من أشكال الإبداع الفني، التشكيلي أو سواه، شعروا وهم يقرأون أسطر كافكا هذه بأنها تخصهم هم ، أعني تخص كل واحد منهم، وقد شعر بها هذا المبدع أو ذاك ذات مرة وهو في غمرة عملية إبداعية أو بعد الانتهاء منها بقليل.

لا أعتقد بأن هناك تصويرا دقيقا وراقيا لهذه الحالة من الفيض الإبداعي عبر عنه كاتب آخر كما عبر عنه كافكا في هذه الأسطر القليلة الكلمات والمتوهجة بالفرح والسحر والتحليق الجمالي في سماء الإبداع .

 لقد ذهب عدد من النقاد والمفكرين إلى اعتبار كافكا واحدا من أهم المبدعين الذين عبروا عن عصرهم تعبيرا جماليا و أدبيا نموذجيا وأخاذا. فالفيلسوف الألماني المعروف ثيودور أدورنو يقول إن كل من تمر عليه "عربات كافكا" سيفقد حتما وإلى الأبد سلامه مع العالم، وكأني  بأودورنو يعني أيضا: إن من يقرأ سرديات كافكا المفعمة بالشعر الروائي كما أسماه كونديرا - الشفاف والصلب كالكرستال، و المعبرة بنجاح عن عصره، الذي هو عصرنا أيضا مع الفارق، سيفقد إلى الأبد سلامه الداخلي المعتاد، ولكن أي معنى يمكن أن تستبطنه عبارة " السلام الداخلي" غير ذاك المساوي لجهلنا بالعالم الذي نحياه، أو بكلمات أخرى : للعالم كما رأيناه وعبرت عنه كتابات مختلفة نوعا وبعمق لكتاب آخرين لم يروا من العالم إلا ظلاله أو سرابه.

ويماثل أديب أوروبي آخر هو دبليو . إتش . أودن  بين كافكا ودانتي وشكسبير وغوته من حيث تعبيرهم عن العصور التي عاشوها، وكتبوا فيها وعنها. ويبدو لي إن الاسم الأكثر إغراء من بين هذه الأسماء الواردة في عملية التماثل هو "دانتي أليغيري" وخصوصا إذا ما برق في الذهن اسم عمله التأسيسي الضخم الكوميديا الإلهية بشقيه : الفردوس والجحيم . أما الشاعر الفرنسي الكبير بول كلوديل  فهو يضع كافكا في مصاف "راسين"  الذي يعتبره أعظم كاتب، وقد تكون هذه المقارنة شخصية أكثر منها موضوعية وعامة وبالتالي فهي أكثر "فرنسية" من سواها، الأمر الذي لا يغمط القيمة العالمية لأدب راسين من وجهة نظر شاعر كبول كلوديل ولكنه يبقى الأقل توفيقا بين المقارنات الأخرى.

 من هنا، فإنه لمن قبيل المقاربة الواعدة و التقييم الموضوعي القول بأن كافكا كان يعتبر من بين جميع مجايليه وزملائه المبدعين الأوروبيين، عشية الحرب  الأوروبية " العالمية" الأولى، الممثل الأبرز والمعبر الأدق عن روح العصر الحديث، عصر القلق والحروب والصراعات والاغتراب والتشيؤ الإنساني، عصر غزو وتدمير واستعمار الشعوب والأوطان الأخرى غير الأوروبية وصمود وصعود تلك الشعوب والأوطان المستهدفة بالعدوان الغربي.

يزيد من خصوصية تجربة كافكا الإبداعية الحالة الشخصية العاطفية والصحية التي كان عليها آنذاك، فقد كان يعيش آنذاك تفاصيل وتداعيات  فشله في علاقاته العاطفية والغرامية التي تأوجت بفسخ خطوبته رسميا من الآنسة فيليس باور، إضافة إلى ظهور العلامات الأولى لإصابته بداء السل الذي سيضع حدا لحياته بعد ذلك بعشر سنين.  ولكننا نميل إلى عدم الأخذ بهذه الرواية، لأن سابقتها وردت في يوميات كافكا نفسه، مما يجعلها أكثر موثوقية وصدقية. وربما يمكن فهم الرواية الثانية على اعتبار أن كافكا كتب المسودة الأولى للقصة وبقيت على حالها دون مراجعة، أما القول بأن القصة بقيت دون نهاية حتى جاء ماكس برود فهو قول يتنافى مع وجود النهاية الحدثية المنجزة فيها بتنفيذ حكم الإعدام ببطلها "ك"، أما القول بأن هذه النهاية أضيفت فيما بعد، أي بعد رحيل كافكا عن عالمنا، فهو زعم مختلف لا يمكن تأكيده بسهولة، وقد مررنا في هذا الفصل على ما يؤكد أنها هي النهاية الحقيقية ولم تضف بعد وفاته، وأن كافكا كان قد قرأها ذات مرة لأصدقائه ضاحكا.

بالعودة إلى الكيفية التي كتبت بها القصة خلال ثماني ساعات من ليلة واحدة، نجد أن المؤلف كان أشبه بضحية لحالة من الانفجار الإبداعي المحموم والتحرير النفسي والروحي عبر نوع من الهذيان المشوب بالفرح والغبطة الملازمَين لحالات كهذه. هنا تحديدا، يمكن لنا أن نتفهم حالات الغموض و وصعوبة التماسك التي قال بعض النقاد إن كافكا كان يعبر عنها أحيانا حين يتكلم عن موضوع وتفاصيل وأجواء هذه القصة، حتى تبدو القصة أحيانا، وكأنها كتبت من قبل شخص آخر. غير أن بصمات وروائح ومواصفات أخرى تؤكد اللُحمة الفنية والمضمونية التي تمتاز بها أعمال كافكا الأكثر أصالة وعمقا. لنطرح الآن، تساؤلا بسيطا في ظاهره، ولكنه قد يكون في غاية الفائدة لنا في مقاربتنا لهذا العمل المهم :  ما موضوع هذه الرواية ؟ يمكن لنا في الواقع أن ندرج مجموعة من الإجابات المختلفة عن بعضها إلى هذه الدرجة أو تلك، فالإجابة على هذا السؤال  يمكن أن تكون:

-      قصة عن العبث البيروقراطي والفساد الرهيب في أجهزة القضاء.

-   أو عن الصراع الدائم ومحاولات فرض الهيمنة والتسلط والقمع بوجهيه التوتاليتاري والبطريركي في مجتمعات أوروبا الغربية في بداية القرن الماضي.

-   أو هو انعكاس لتجربة شخصية مرَّ بها كافكا حين فشلت علاقته العاطفية مع الآنسة فيليس باور وخضع  كما يروي أحد النقاد دون توثيق .

-   أو إنها قصة عن رسالة دينية مبطنة في ثنايا النص القصصي لتكون أمثولة دينية وعرضاً لبحث الإنسان عن الله، وهذه هي وجهة نظر ماكس برود.

-   أو هي قصة عن الهوية اليهودية ومعاداة السامية ضمن مناخات البيروقراطية الأوروبية ، حيث اليهودي كما يزعم البعض "متهم دائما وعليه إثبات براءته".

-   هل القصة تعبير عن حالة عزلة إنسان بدايات القرن العشرين المتشيئ  والمغترب عن عالمه وحياته أم إنها كما يعتقد كونديرا تعبير عن اختراق تلك العزلة بشكل لا إنساني.

-      أو لعلها  قصة عن المصير الإنساني البائس وعبث الوجود الذي ينتهي بالموت دون أن يقيم اعتبارا للبراءة .

-      وقد تكون القصة انعكاس لحالة الفزع الذي عاناه كافكا بسبب قسوة أبيه المستبد.

   واضح أن هذه الإجابات الاحتمالية مجتمعة لا يمكن أن تكون نهائية وكاملة ومحقَّقة، بل ربما كانت صورا مختلفة لمحاولة طرح إجابة شخصية في جانب منها، وقد تعبر مجموعة منها عن وجه أوسع من أوجه الحقيقة التي يستبطنها نص كافكا، أما الحقيقة الكاملة فلا وجود لها في عالمنا الأدبي والجمالي الذي نحن فيه، بل قد لا تكون لها أية أهمية تفوق حقائق أخرى تتعلق بنسيجها أو تعبيراتها الفنية الأخرى.

في مقاربتنا هذه، سنحاول قراءة " المحكمة " بوصفها تعبير سردي مشتبك وممتزج بما هو شعري عن حقيقة الإنسان "الفرد" في بدايات القرن الماضي المأساوية، والإنسان العام والمختوم بالمصير والنهاية القدرية التي هي الموت ، ولكن بطريقة إبداعية هي - من حيث الشكل الفني - مزيج من الواقعية شديدة البساطة والسخرية السوداء تحاول أن تقدم أكثر أوجه ذلك الإنسان مأساوية وحيرة وضياعا، وتضيء على طريقتها الخاصة جوانب العتمة والشحوب التي تتكاثف في داخله فتجعله يعاني ويتجرع اغترابه وحيدا مواجها عبث الوجود كقدره الخاص بكفين عاريتين ومجردتين من أي سلاح حتى يسقط أخيرا مضرجا بأسئلته ودمائه:

يستيقظ جوزيف ك صباحا، كما استيقظ قبله غريغوري سامسا ذات صباح عادي جدا، ولنتذكرْ هذه "العادية" التي لن تتلاشى بفعل غرائبية ما سيلي من نص القصة، فوجد نفسه وقد استحالَ حشرةَ صرصر ضخمة، فيجد بأنه مقبوض عليه في بيته من قبل عدد من موظفي إحدى المحاكم الغامضة والغريبة. لعل هذه البداية، ليست مفاجئة تماما في نصوص كافكا، ويمكننا تشبيهها بضربة طبل مدوية بعد صوت كمانٍ أو نايٍّ حالم ينساب برتابة، تنفتح ضربة الطبل - بعد ذلك- على نسيج معقد من النغمات المختلفة نوعيا والتي تتألف منها السمفونية، وهي قد تكون محاولة لتعزيز شعور القارئ بغرائبية النص والموضوع الذي بين يديه، كما أنها تصلح لتكون فاتحة ذات طبيعة كوميدية ساخرة تؤكد الطابع الساخر للنص في طبقته الأولى، ويمكن ثالثا أن تكون مزيجا من الغرائبية والسخرية معا بوصفه القالب الشكلي والفني الذي يتضمن المعنى العام أو المضمون المركب للقصة. في الواقع لا يمكن تجاهل الجملة الأولى التي يبدأ بها النص والتي تقول ( لا بد وأن أحدهم افترى الأكاذيب على ك ، لأنه - ودون أن يرتكب خطأ ما - قبض عليه صبيحة يوم مشمس ...) لقد أدت هذه الجملة مهمتها الفورية في التمهيد لأجواء القصة، كما إنها قد تكون أوحت بمعنى الافتراء الخام أو البدئي أو بأية صيغة قريبة من " الكذب"،  ومن ثم، بدلالته المفارقة والمناقضة للحقيقة ومشمولاتها، ومن تلك المشمولات ما تعبر عنه كلمات من قبيل : الواقع ، المتناهي ، المعقول .. الصادق الخ . بمعنى معين، قد يكون لهذه البداية، على المستوى المضموني، مفعولا داخليا يتلبس تلك الأجواء، ويخترق المحمول الغرائبي والمفارق للواقع الحياتي كله في النص الذي بين أيدينا.

يبدأ النص وينتهي بطريقة هادئة وشديدة الواقعية، تبرق في تضاعيفه، بين الفينة والأخرى، طرفة أو سخرية مريرة أو سؤال عميق. من ذلك مثلا : وصفه لأحد الشخصيات بأنه ( سمين لدرجة يضيع فيها السوط بين ثنايا لحمه إن ضرب) وكقول أحد الجلادين لجوزيف ك (سنفقد فرصتنا في الترقي إلى رتبة جلادين لأنك شكوتنا إلى المحكمة ) ووصفه لوجه أحدهم بأن ( فيه ابتسامة هي بسبب تشوه عضلي وليس لأنه مسرور) وبالمناسبة،  فلا يكاد شخص من شخصيات الخط الثاني في أعمال كافكا يخلو من تشوه ما، أو علامة فارقة معينة. ثمة أيضا، شكَّه الذي لا يخلو من شعور بالسخرية في براءته الشخصية والأكيدة حين يسأل السيدة فراولين بروستنر: لماذا تعتقدين بأنني يجب أن أكون بريئا؟

 ولا يمكننا في هذا المضمار إلا أن نتذكر قوله، حين يرى مجموعة من الأطفال قرب مبنى المحكمة الغريب: لماذا لم أجلب لهم بعض الحلوى أو عصا لضربهم ؟ وقوله : هذان الموظفان اعتادا الجو الفاسد في المحكمة فأزعجهما الهواء النقي في الخارج.

 أو قول التاجر لجوزيف ك حين تساءل عن الكيفية التي عرف فيها القضاة أو موظفو الحكومة شيئا عنه أو عن قضيته : إنهم يعرفون أن قضيتك ستنجح أم لا من خلال شكل شفتيك!

ويستمر تيار السخرية المرّة يسري مخترقا طبقات السرد ونمو الأحداث وترابطها حتى نهايتها ، فحتى المشهد الأخير في القصة وهو مشهد تنفيذ حكم الإعدام بجوزيف ك يحاول موظفا المحكمة إقناعه دون كلام بل من خلال تبادل المدية بين الرجلين بأن يقوم هو بطعن نفسه ولكنه يمتنع عن فعل ذلك فيبادر أحدهما إلى طعنه في قلبه ويدير المدية داخله مرة ومرتين فيسقط أرضا وهو يتهدج بالقول: ها أنا أموت مثل كلب حقير.ويعلق الراوي بضربة طبل أخيرة يقفل بها هذه السمفونية العجيبة يقول نصُّها: وكأنما أراد بذلك أن يخلد العار الذي لحق بالبشرية ! وهنا تعود إلى الذاكرة ، ذاكرتي أنا القارئ على الأقل ، تلك المعلومة الخاصة بالكيفية التي قرأ بها كافكا هذه النهاية المأساوية، وترن في الأذن ضحكاته هو يختم قراءة القصة لتتكرر التساؤلات التي طرحنا بعضها قبل قليل .

إذا ما غضضنا النظر عن فجائعية خاتمة النص فإن كل هذه الأمثلة، وثمة غيرها الكثير، قد تعطي انطباعا أوليا للقارئ عما قصدناه بالسخرية، ولكن تلك الأمثلة وغيرها قد لا تكون كافية لتبيان أهمية هذه السخرية في الأسلوب الروائي إلا إذا قرأنا قصة " المحاكمة " كلها كنص مخترق بهذه السخرية السوداء وروح العبث  من بدايته إلى نهايته وليس كنص جدي ومتجهم يحاول كاتبه تطعيمه ببعض الطرف والنوادر لمقاومة سأم القارئ المتوقع.

إن عددا من النقاد المتخصصين في أدب كافكا يعتبرون هذه الواقعية المذهلة في أصفى وأبسط صورها، والممزوجة  بدراية وقصدية  مع تلك الغرائبية الغامضة واللاواقعية في مضامين ما يكتب، هما العنصران الرئيسيان اللذان قام عليها صرح كافكا السردي المتميز والمعبر عن عصره بتلك القوة والدقة والانسيابية والسخرية.

سخرية سوداء و واقعية شديدة في الوصف والرموز وتفاصيل الأحداث الصغيرة، والغرائبية المذهلة بل والصاعقة في الحادث الرئيسي ( شخص يستيقظ من نومه ليجد نفسه وقد انمسخ صرصرا وآخر يستيقظ فيجد نفسه معتقلا وملاحقا من قبل محكمة مجهولة ثم يعدم ) هذا الحادث الرئيسي  يصير فيما بعد هو مفتاح المضمون الأصيل والأول للعمل كله. تلك هي بابتسار الركائز التي ينهض عليها إنجاز كافكا السردي إذن، وكأنه بذلك يصنع أمامنا مثلثا إبداعيا يخصه وحده : ضلعه الأول هو واقعية  المكان والزمان والتفاصيل الصغيرة المحيطة بالحدث المركزي، وضلعه الثاني الأسلوبية الساخرة السوداء المندغمة بأجواء الغموض والشحوب الشامل، وضلعه الثالث غرائبية ولا واقعية الحدث المركزي. وقد يبدو من قبيل التأمل أكثر مما هو  بناء استنتاجات وأحكام القول بأن حركة اشتغال هذا المثلث الكافكوي تعطينا في النهاية صورة خاصة جدا لغرائبية ولا واقعية العالم والعصر الذي عاشه من الناحية الجمالية ولغرائبية وعبثية ولا عدالة هذا العالم والعصر من الناحية الأخلاقية والقيمية.

لقد بُذلت محاولات كثيرة للوقوف على المضمون الأول لهذا العمل كما سلف القول، وكل محاولة انتهت لما انتهت إليه، دون أن تكون حاسمة من حيث الخلاصة والاستنتاجات، غير أن من المفيد التعرض لتناول آخر لهذه الحيثية، وذلك من داخل النص، أو إن شئنا الدقة، من داخلِ نصٍّ داخلَ النصِّ وذلك من خلال قراءة وتحليل أحد فصول هذه القصة، وهو الفصل الخامس عشر والمعنون " في الكتدرائية " ، والذي ربما يكون محاولة خاصة من المؤلف للتعريف بالموضوع والمضمون الأساسي للقصة. إن هذا النص الصغير الذي سنعرض خلاصته المركزة بعد قليل يمكن اعتباره النواة الأولى  للمضمون الأساسي للقصة فعلا، بل هو - بلا مراء - قلبُها إن صحَّ التعبير، رغم إننا يمكن أن نتجاوزه أو نعزله عن السياق الحدثي لها دون أن تتأثر بيتها الكلية كثير. بمعنى معين، يمكن القول أن هذا الفصل يتمتع بشيء من الاستقلالية التأليفية، ومما يعزز هذا الرأي واقعة مؤكدة مفادها أن كافكا انتبه إلى هذا الأمر أو قل إنه ربما تعمده فنشر هذا الفصل كعمل مستقل سنة 1916 بعنوان " أمام القانون ".

هذه نبذة حكائية مكثفة لهذا الفصل وسنعود لاحقا لمواصلة تحليلنا: يُسْتَدْرَج بطل قصتنا جوزيف ك إلى كاتدرائية المدينة الضخمة بحجة تكليفه بمرافقة أحد الزبائن الإيطاليين للمصرف الذي يعمل فيه. غير أن الزبون الإيطالي يتخلف عن موعده، فيُمضي ك وقته في مطالعة ومشاهدة الأعمال الفنية الموجودة في تلك الكتدرائية ليجد نفسه فجأة أمام قس تابع للمحكمة التي كانت تقاضيه. يخبره القس بأن قضيته المعروضة  أمام المحكمة - تتجه من سيء إلى أسوأ. ولسبب غير واضح، يحكي القس لجوزيف ك حكاية عن متهم آخر، هو رجل من الريف ظل تنتظر عند باب القانون سنين عديدة دون أن يسمح له حارسها الغليظ والفظ بالدخول في كل مرة يحاول فيها ذلك. تمضي السنون، والمتهم الريفي يواظب على الحضور والوقوف عند باب المحكمة، والحارس يواصل منعه من الدخول. وذات يوم، ينتبه المتهم الريفي، الذي شاخ واقترب أَجَله إلى أنه الوحيد الذي يأتي ويقف عن باب المحكمة وليس ثمة أحد آخر غيره فيسأل الحارس عن سبب عدم قدوم أي شخص آخر فيجيبه بأن هذا الباب، إنما وجد من أجله هو فقط، وأنه ليس إلا واحد من حراس كثيرين أقوى منه وأكثر غِلْظة وفظاظة وأنه سيغلق الباب الآن نهائيا وإلى الأبد لأنه سيموت.

هذه القصة الصغيرة، داخل القصة الأكبر، تغرينا كثيرا بإيراد ومسح العديد من الدلالات والمغازي، ولكن من الواضح أنها جميعا لن تكون كافية لوضع النقاط على الحروف - كما يقال - بصدد المضمون الأول والأساسي للعمل ككل . وقد نختلف مع وجهة النظر التي عبر عنها برادبري والتي تقول بأن هذه القصة (تشكل الأساس الأسطوري لقصة المحكمة التي تبين طبيعة القانون الذي يحكمنا والذي لا يمكن اختراقه أو الكشف عن سجفه ) إذْ أنَّ الأمر لا يتعلق بأي شيء أسطوري،بالمعنى السائد للأسطورة ومشمولاتها، فهي قصة قد تكون مجرد حكاية أو أمثولة حاول كافكا من خلالها تسليط شيء من الضوء لمساعدة الباحثين عن المعنى الجوهري لعمله، بل أن هناك ناقدا مرَّ ذكره هو توخولوسكي  تحدث عن احتمال قد لا يكون قد خطر بذهن الكثيرين وهو أن كافكا نفسه ربما لم يفهم تماما هذا المعنى الأول والأساسي لعمله. ولكن يمكن لنا - مع ذلك - تقويم ما قاله برادبري بخصوص ما سماه "طبيعة القانون الذي يحكمنا" إنما ليس بالمعنى المألوف والقضائي للقانون بل بالمعنى الوجودي العام وسنوضح هذا المذهب والتحفظ الذي يستبطنبه كالتالي:

من الأمور المركزية على الصعيد المضموني، يمكننا الإشارة إلى الأساس  العبثي " الوجودي " العميق، الذي ينهض عليه هذا العمل، وإلى المصدر الغائي المتسائل عن المعنى والأسباب، أكثر مما هو مهتم بالاتجاه والنتائج وحتى الكيفية ، الذي يَنْشَدُّ إليه جوهر النص. وقد يعتبر البعض ،كونديرا مثلا، أن ذروة العبث واستبداد القوة المجهولة بالمصير الفردي للإنسان، بلغا مع جوزيف ك درجة أوصلته إلى تشكيكه بنفسه وببراءته. ففي أكثر من مناسبة يراجع الرجل ذاكرته بحثا عن ذنب اقترفه أو خطأ قام به و نساه في حياته. إنها الذروة ممثلة بمحاصرة الذات المتهمة،والمدفوعة الآن إلى ممارسة نوع خاص من الانتحار اتخذ شكل التشكيك الذاتي بالبراءة، ليست براءة الأخر بل الأنا المهشمة بالعبث القدري من جهة وبالاستبداد الذي تنتجه الحياة اليومية الأوروبية ومؤسسات المجتمع البيروقراطي من جهة أخرى. هنا، سيكون مفيدا التذكير بأن حادثة اعتقال جوزيف ك، التي يبدأ بها النص، تحدث في يوم عيد ميلاده بالضبط، أما اليوم الذي نفذ فيه حكم الإعدام طعنا بالسكين فيقع عشية عيد ميلاده  التالي! هذان التحديدان الزمنيان ليسا البتة - نتاج للمصادفات المحضة، بل هما تنطويان على  إشارات قوية وواضحة و مقصودة إلى جوهر العبث الوجوي معبرا عنه بعبثية الميلاد المنتهي بالموت دون أن يكون للإنسان المولود والمحكوم عليه سلفا بهذه النهاية  يدٌّ في كل ما يجري .

كلمة أخيرة بخصوص الشعرية التي تغمر وتتواشج وتتغلغل في هذا العمل ممتزجة بمياهات السخرية السوداء من أدناه إلى أقصاه : إن جفاف وشحوب العوالم الزمكانية في البُنية العامة لهذه القصة، ربما تكون قد لعبت دورا مهما من الناحية الفنية، وربما تكون قد مارست تأثيرا بالغا حتى على الكيفية التي يستقبل بها المتلقي أجواء ومضامين العمل. حيث أن سيادة ضوء الشموع الشاحبة والأصوات المتهجدة أو الهامسة و عتمة السراديب والأنفاق في بنايات وأماكن لا توحي بأنها تنتمي لكوكب الأرض أحيانا، أو أقلها-  إلى مدينة أوروبية مألوفة في عصرنا، حيث أن كل هذه التفاصيل والحيثيات لعبت دور المناخ النفسي الضاغط والمساعد على تلقي النص بهذا الشكل وليس بأي شكل غيره. كما أن المفعول الداخلي لكل هذه الحيثيات وبالترافق مع الإيقاع الداخلي للأحداث، ونمو الشخصيات، ساهما إلى حد بعيد في تقديم نوع خاص جدا من الشعر الروائي عالي القيمة من الناحية الفنية، ولكن و فقط- بالمعنى الذي تكلم عليه ميلان كونديرا حين قرأ لنا عملا آخر لكافكا هو "القصر " فكتب بضعة أسطر تغرينا مرارا بإعادة الاستشهاد بها والتفكير بتلك المماثلة والدمج بين الشعر والرواية للخروج بمركب إبداعي وجمالي جديد هو الرواية قد صارت شعرا أو الشعر وقد أصبح رواية.. يقول كونديرا إذا : لقد نجح كافكا في تحقيق ما كان يبدو مستحيل التصور قبله ألا وهو: تحويل مادة مضادة للشعر بشكل عميق هي مادة المجتمع البيروقراطي إلى شعر عظيم للرواية، وهكذا تحولت "القصر" من رواية عن حادثة مبتذلة لموظف لا يستطيع الحصول على وظيفة موعودة إلى أسطورة ، إلى ملحمة ، إلى جمال لا يعرف له مثيلا من قبل..