العالم اللغوي الدكتور مصطفى جواد

 

-1-

اللغوي الخالد مصطفي جواد (1906 - 1969) - شرّع قوانين اللغة والنحو وصحح اللسان من أخطاء شائعة



عندما رحل اللغوي النبيل مصطفي جواد الي دنياه الاخري قال يرثيه الشاعر الكبير مصطفي جمال الدين:
ياحارس اللغة التي كادت علي


صدأ اللهي ان لايرن لها صدي


هبت عليها الحادثات، فلم تدع


غصناً بعاصف حقدها متأودا


عربي طبع لايتعتع نطقه


حصر علي النبت الغريب تعودا


وكأن الشاعر الكبير أراد ان يلخص في قصيدته اجماع الكبار علي اهمية مصطفي جواد في حياة العرب.. في انه حرس الفصحي بأمانة القديس من الراطنين بها، والذين يعلمونها في المعاهد والجامعات ودور العبادة، فقد بذل اربعة عقود وهو يمسك بقلم التصحيح، يصحح كتب اللغات وأساليب الكتاب الكبار بلياقة الكبار، ويصحح ويصوب ويشذب ويهذب مافسد في وسائل التعبير عند اساتذة التاريخ والجغرافية والاقتصاد، وما رافقها من عجمة وتغريب، وتحمل كل ماصدر عن الاساتذة الكبار من ردود افعال انفعالية بحوصلته الجميلة التي رزقها الله طول النفس واعاجيب الصبر، وكان يقول لهم: (أحبائي انتم كبار وتبقون كباراً لكن السهو يجب ان يزال) ولم يقل الخطأ او الغلط بل قال لهم السهو تجملاً وتحبباً ، فكم كان لطيف الطوية!


وبعض الكبار شاغب عليه واتهمه بـ (الماسونية) لانهم يخشون من لسانه اذا جلسوا بقربه في المجمع العلمي العراقي، حتي طه حسين وهو المنبر الذي لايضاهي كان يتبرم من وجوده في ايام الاجتماعات السنوية في مجمع اللغة بالقاهرة، وكتب العقاد مقالة يذم بها مصطفي جواد لان راعي اللغة العراقي نبش ابحاثه فكشف عن اخطاء لغوية ونحوية واملائية ما كان ينبغي ان يقع فيها أديب عملاق كالعقاد! كان لايبالي بتهم تقذف عليه جزافاً ، وكأنه كان منذوراً للغة الضاد او منتدباً لحراستها من عبث الصغار او الكبار او من اولئك الذين يدعون العصمة في ادمغتهم، ومرة خاطب الزعيم عبد الكريم قاسم: (أرجو يا ايها الزعيم لاتقل: (الجمهورية) بفتح الجيم، بل قل الجمهورية بضم الجيم) وتقبل الزعيم النصيحة لكنه تساءل عن السبب، فقال له مصطفي جواد: (وذلك لان المأثور في كتب اللغة هو (الجمهور) بضم الجيم ولان الاسم اذا كان علي هذه الصيغة وجب ان تكون الفاء اي الحرف الاول مضمومة لان وزنه الصرفي هو فعلول كعصفور). وليس كل الناس متواضعين علي سياق تواضع الزعيم قاسم في تقبل نصائح العلماء، فيوم صنع له تمثالا في ديالي صعد اليه من يهشم يده التي فيها القلم، فهو لم يسلم من الاذي حتي وهو ميت، لان الاقدار دائماً تترصد عباقرة العصور احياء او موتي ، وكان يعرف رصيده من ذلك قائلا:


رشحتني الاقدار للموت لكن


اخرتني لكي يطول عذابي


ومحت لي الالام كل ذنوبي،


ثم اضحت مدينة لحسابي


عقله اللغوي


واننا ابتداء من طفولته ينبغي ان نتساءل هل ثمة عوامل معينة ساعدته علي ان يكون مستودعاً للغة ولتراث اللغة، وهل كان لاختصاصه الاخر في علم التاريخ اثر في التكوين اللغوي فيه، والي اي مورد استند في تخريج مصادر اللغة، وهذه هي محطاته:


1- توفي ابوه (جواد بن مصطفي بن ابراهيم) في مدينة الخالص في اوائل الحرب العالمية الاولي وعاد ابنه مصطفي الي بغداد مسقط رأسه بعد الاحتلال البريطاني فكفلة اخوه (كاظم بن جواد) وكان يعد من ادباء بغداد في التراث الكلاسيكي وهو الذي أسهم ببناء قاعدة العشق اللغوي في شقيقه الاصغر ، فدرس النحو ومعاني الكلمات وأعطاه قاموساً في شرح مفردات العربية واوصاه بأن يدرخ عشرين مفردة، في اليوم الواحد، ودرخ اكثر من عشرين حتي نشات فيه حافظة مؤدرخة.
2- واكمل بقية الدراسة الابتدائية في المدرسة الجعفرية، وكان لشقيقه كاظم صلة تعارف مع مدير المدرسة (الشيخ شكر البغدادي- 1855-1938 الذي بدوره ألزم التلميذ مصطفي جواد بحفظ الاجرومية في النحو فحفظها في ثلاثة ايام فدهش الشيخ شكر وقام واهداه كتاب (شرح قطر الندي) واتقن مضامينه امام الشيخ، وشاع أمره بين طلاب الجعفرية فسمي :(العلامة النحوي الصغير)، هو اذا كان يتغذي الطفولة اللغوية في مدرسة البيت وهي الاصل في التنشئة الروحية والايحائية الاولي في ترسيخ الموهبة، وكان علي يد الشيخ العالم الفقيه شكر البغدادي يتلقي دروساً في صقل هذه الموهبة وفي جعلها تتفتح علي الذات الكامنة، وكان القدر يهيء له المنافذ منذ بدايته..!
3- وفي 1921- 1924 أكمل دراسته في دار المعلمين الابتدائية وفي هذه الدار وجد اثنين من اساتذته يعتنيان بموهبته وهما طه الراوي (1890- 1946) حيث اهداه كتاب المتنبي لما وجده يحفظ له قصيدة طويلة بساعة واحدة بصوت شعري سليم بأوزانه، واستاذه الاخر ساطع الحصري (1880- 1968) حيث اهداه قلماً فضياً بعد ان وجد قابليات تلميذه تتجاوز مساحة عمره الي اقصي الحدود، وكان اساتذته يقولون له: (انت افضل من استاذ، فهو يكمل عجز البيت الشعري اذا توقف الاستاذ عن ذكره، ويحلل القصيدة ويتصيد الاخطاء ويشخص المنحول بقدرة استقرائية غير مستعارة من احد..!
4- تخرج في دار المعلمين وعين معلماً في البصرة والناصرية وديالي والكاظمية، ولما اكتشف فيه المفتشون انه اكثر قابلية منهم في طرق التدريس (وبفصحي لامثيل لها) رحل الي تدريس المتوسطة، وخلال تسع سنوات في التعليم قرأ المطولات في الشعر والتاريخ والتراث، وكانت مكتبته ترافقه حيثما حل، وفي هذه الحقبة ذاتها نشر ابحاثه اللغوية في الدوريات المحلية والعربية ولاسيما تلك الصادرة في مصر ولبنان، وطبع كتابين في التحقيق التراثي، وفي اثناء عطلاته اخذ يتردد علي مجالس بغداد ويدخل معارك ادبية حول فنه الذي مافارقه (التصحيح اللغوي) الذي ألزمه بان يدرخ كثيرا ويعلل الدرخ ويقرنه بمزيد من الاسانيد والشواهد مما اتاح لذاكرته بان تتوسع بخزن المتراكم طبقة فوق طبقة..!
5- وفي هذه المدة (1925) تعرف بالعلامة اللغوي الاب انستاس الكرملي (1866-1947) وكان للكرملي مجلس ادب ولغة في الكنيسة اللاتينية يؤمه ادباء الدرجة الاولي في بغداد، وفي جلسته الاولي اثار مصطفي جواد معركة حامية حول العامية والفصحي، وكان يبزهم في الادلة والبراهين، ومال اليه الكرملي منذ لحظته الاولي: (اريدك يا اخ اللغة ان تحضر مجلسي كل اسبوع) وعند حضوره في الاسبوع الثاني كلفه الكرملي بان يهندم مكتبته علي التنظيم العصري وكانت من خيرة مكتبات بغداد، فنظمها وجعل لها فهارس واخرج منها العابث والمكرر، ثم اقترح عليه الكرملي الكتابة في مجلته (لغة العرب) الشهيرة، فكتب ابحاثا لغوية ونقداً في التراث اللغوي وزاوية خاصة بـ (التصويبات اللغوية) وهذه جعلته علي الالسنة بين اخذ ورد وجدل وانتقاد وكانت معاركه تسمع في القاهرة وبلاد الشام، وهذه وحدها جعلته يمتد في الذاكرة اللغوية وجعلته ايضا ان يكون سيداً في ارجاع ما يشاع بانه فصحي الي العامية وبالعكس وكان الكرملي مثله سيدا في اللغة ومثله تعرض لخصومات جيرانه التي ارادت ان تبطش به لولا دفاع مصطفي جواد عن جواهره وانجازاته في لغة العرب، وكتب مقالة بحق الكرملي في مجلة (السياسة) المصرية في الثلاثينات كان بها ينهي خصومة الكرملي، وهو القائل علي قبره:
ياسائراً، ووجيب القلب صاحبه


لنا ببغداد من بين القسوس أب


أب عزيز وذو علم ومعرفة


قضي السنين بشوق العلم يكتسب


6- وفي 1934- 1939 حصل علي بعثة لتطوير دراساته في باريس، فقضي سنة كاملة في القاهرة لتعلم الفرنسية وهناك التقي رواد الثقافة طه حسين والعقاد والزيات وباحثهم وجادلهم في اخطائهم ولم يذعنوا لانهم كما يقول مصطفي جواد (مدارس وقدرات) ولايجوز انتقادهم ، ثم رحل الي السوربون بجامعة باريس يدرس دكتوراه الادب العربي فنالها عن اطروحته (الناصر لدين الله الخليفة العباسي) وفي باريس افاد ذاكرته التراثية من ملازمته لمجلس (الميرزا محمد القزويني) ومكتبته التراثية فنسخ منها عشرات المحفوظات العربية النادرة، وعشرات مثلها من المكتبة الوطنية الفرنسية، ومهمة النسخ هذه ساعدته علي اتساع خياله التراثي وارجاع الفرع الذي قرأه في الكتب الحديثة الي الاصل الذي هو في الكتب الاولي وهذه المراجعة والمذاكرة مع الذات تمهد له الطريق لاكتشاف المزيد من حقائق اللغة التراثية وتجعل ذهنه ذهنا مقارنا حيوي التخريج..!


7- وعاد الي بغداد وهو مزود بقراءتين: القديمة التي في المراجع والمصادر الرئيسة والحديثة وهي الاكاديمية التي تنفتح علي العصر، وجاء بهاتين القراءتين الي دار المعلمين العالية التي عين فيها استاذا للادب العربي، وكان في الدار اساتذة كبار امثال محمد مهدي البصير (1896- 1974) وصفاء خلوصي (1917- 1995) ومحمد الهاشمي (1910- 1996) وحينما اضيف اليهم مصطفي جواد صار في الدار مجلس تراث لغوي تثار فيه كل شاردة وواردة في اللغة وتحسم فيه مواقف الادب الا ان الشهرة كانت لمصطفي جواد لانه اكثرهم تذكرا ومذاكرة واكثرهم قدرة علي تخيل الصحيح في القواميس وهو ايضا افاد منهم في جعل حافظته تتمرن علي الاعادة، واتمام النقص في مسائل التحقيق التراثي.
8- وفي سنة 1942 انتقل ملاحظا فنيا في مديرية الاثار العامة، وفي مدة اخري، رفع في هذه المديرية الي درجة اختصاصي في التراث حتي سنة 1948.. وبعدها عاد الي دار المعلمين العالية وكان في مديرية الاثار يجرد ذاكرته اللغوية في مكتبة المتحف العراقي، ثم يطبق ويقارن بين قراءاته في الكتب وماعايشه علي ارض الاثار، وتلك المشاهدة والمقارنة اعطته خبرة جديدة في الكشف عن الغامض في تراثنا، وهذا البحث عن الغامض هو الذي دفعه الي الاجتهاد، اذ كان يذهب بنفسه الي مواقع الاثر القديم ويجتهد في التوصل الي الحقيقة اولا والي اليقين التراثي ثانيا ، لذلك رأيناه يكثر من كلمة (أقرر) وكلمة (أجزم) في مقالاته وابحاثه في التراث لغة وتاريخا ومعرفة ومن تلك الوثوقية التي استبدت به ألف ووضع مع احمد سوسة (خريطة بغداد قديماً وحديثاً) و(دليل خريطة بغداد) ومثل ذلك التأليف يحتاج الي قوة استذكارية عميقة الابعاد، ذكية الارصاد مثلما هي بحاجة الي عقل مقارن تراثي النكهة..!
9- وقضي شطراً طويلاً من حياته في متابعة ومشاهدة الافلام السينمائية، وسئل عن اسباب دوافعه لرؤية الشاشة، قال : (ليس للتسلية بل حب لمعاينة الهارب في الافلام البوليسية) اين ذهب واين اختبأ ومتي يقبض عليه، والمطاردة في الافلام البوليسية تشبه المطاردة في تحقيق الكتب التراثية: من المؤلف ومتي حبر الكتاب وأي نقص يختفي بين الاسطر والصفحات، وهذه المطاردة حتماً ستقوده في يوم او في زمن الي الكشف عن الغنيمة اي الحقيقة..!


هذه المحطات التسع التي مر عليها كان لكل منها تأثير نفسي او وجداني بشكل او باخر في صياغة عقله اللغوي سواء تلك التي اكتشفها نقاد ام هو اكتشفها بنفسه وصرح بها، او سواء تلك التي بقيت كامنة في عقله الباطني، ام التي سيتم الكشف عنها في مستقبل ما..!


وبمجموع هذه المحطات انجز لنا:


1- قواعد جديدة في النحو العربي كبدائل لقواعد نحوية قديمة.
2- قواعد وقوانين جديدة في تحقيق المخطوطات التراثية.
3- انزل الفصحي الي العامة باسلوبه السلس ذي الجرس الانيس.
4- نبه اساتذة الجامعات الي اعتماد لغة سليمة في ابحاثهم لان اللغة كما قال لهم عنصر مهم من عناصر الشخصية.
5- علم الباحثين طريقة الاستناد الي الشواهد شعراً ونثراً وسواء كانت الشواهد من القرن الاول الهجري ام التي من العصر الحديث، وبذلك حررهم من الجمود الفكري.


قل ولاتقل


لكنه بلغ الشهرة اكثر فأكثر في موضوع (قل ولاتقل) اي قل الصحيح وانبذ الخطأ الشائع، وطبع له من هذا الموضوع جزآن (1970- 1988) وربما استعار عنوان كتابه من الدراسات اللغوية الفرنسية التي شاعت في اثناء دراسته في جامعة باريس.


وابتدأ بنشر موضوعه منذ عام 1943 في مجلة (عالم الغد) فكان يذكر اولا الصحيح او الفصيح ويشفعه بالغلط او الضعيف، وكان يرتب ذلك علي حروف المعجم.
اما الاسباب التي دعته الي تأليف موضوعة (قل ولاتقل) فهي:

\
1-استهانة طبقة من المترجمين باللغة العربية، وقد امتاز منهم بهذا الاثم اللغوي مترجمو البحوث العسكرية.
2- ان كثيراً من الكتاب والشعراء يكتبون كلما غير مشكول، واللحن في غير المشكول لايظهر، وبعضهم يكسر المفتوح ويفتح المضموم وينون الممنوع من الصرف ويكسر المضموم.
3- وهناك طبقة من الممثلين يفسدون اللغة.


4- وفي (تحريرات) الدوائر ودواوين الحكومة تكثر الاغلاط ولاسيما في الاعلانات والتعليمات.
5- وكذلك تكثر الاغلاط عند مترجمي الافلام السينمائية . والهدف الرئيس وراء صيحاته ليس طعن من يخطيء انما يريد ان ينبه علي الغلط ويذكر الصواب، وانما يعيب علي المصريين علي الخطأ خطأهم، ويقول في ذلك: (ليست اللغة ميراثا لهم وحدهم فيعملوا بها مايشاؤون من عبث وعيث)..!
كتبه وابحاثه:


اول كتاب صدر له سنة 1932 تحت عنوان (الحوادث الجامعة) واخر كتاب طبعه وهو تحت عنوان (رسائل في النحو واللغة) سنة 1969، وبلغت كتبه المطبوعة عشرين كتابا بين تأليف وتحقيق ونقد، وبلغت كتبه الخطية اكثر من عشرة كتب واهمها : (مستدرك علي المعجمات العربية)، وله ديوان شعر اسماه (الشعور المنسجم) وله ايضا كتب مترجمة عن الفرنسية ، ونقد شعره مرارا لانه شعر علماء يغلب فيه المنطق علي الوجدان، اما مقالاته في المجلات فتقدر بألف مقالة تتركز في علم التحقيق وفي علم المخطوطات وفي التاريخ والاثار العباسية وفي النقد اللغوي.

 
وبهذا الجهاد الطويل، وبهذا العناد الصوفي المتلاحق الانفاس رسم لنا خريطة الفخر القومي وصحح مئات الشواهد التي كتبت خطأ علي واجهات المساجد والقصور، ثم دل الاثاريين والمؤرخين علي اغلاطهم واخيراً قامت بين يديه حقائق عبقرية اللغة.

 
ثم يأتي من يقول له (ما شأنك ولغة العرب، وانت الكردي الفيلي) او انت (في عداد الماسونية) وهو براء من هذا او ذاك، انما هو ذلك الارث الخالد او تلك الشــــــجرة المــــــعرفية الباسقة التي رأسها ثابت في سماء العراق وجذرها يسقي زلالاً في أرض الرافدين، واظن انه سيعيش ابداً ابداً مع الخالدين..!

حميد المطبعي



AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2270 --- Date 28 / 11 /2005

-2-

المؤرخ الدكتور مصطفى جواد

من مؤسوعة المؤرخين العراقيين

أ.د.إبراهيم خليل العلاف

الثلاثاء 20/06/2006

المؤرخ الدكتور مصطفى جواد 1906 ـ 1969

وقر في اذهان الكثيرين من الباحثين ان الدكتور مصطفى جواد رحمه الله كان لغويا اكثر منه مؤرخا ، في حين انه يعد واحدا من ابرز المؤرخين العراقيين المعاصرين ، فضلا عن انه تخصص بالتاريخ والتاريخ الاسلامي حصرا ، فان لديه كتبا وتحقيقات وبحوثا غزيرة في ميدان التاريخ ، ويمكننا التأكيد على انه ربط بين التاريخ واللغة في اكثر من دراسة وبحث لما لذلك من اهمية كبيرة . ولااعتقد ان احدا من العراقيين والعرب والاجانب من الذين عرفوا الدكتور مصطفى جواد عن كثب وتابعوا نشاطاته الاذاعية والتلفازية ولسنوات طويلة ينكر ما لهذا العلامة الفذ من جهود خيرة في مجال خدمة اللغة العربية والتاريخ العربي والاسلامي .

ومما يسعدني انني عرفت الدكتور مصطفى جواد والتقيت به مرات عديدة عندما كنت طالبا في كلية التربية ( دار المعلمين العالية سابقا ) اوائل الستينات من القرن الماضي وكان ، رحمه الله ، يتجول في شوارع وطرقات الكلية وبيده سبحته الطويلة التي كانت تلامس الارض .. يتحدث مع الطلبة بوجه طليق وابتسامة عريضة .. وبتواضع شديد يجيب على اسئلتهم واستفساراتهم .

 

من حسن الحظ ، ان الدكتور مصطفى جواد ترجم لنفسه .. وقد نشر الاستاذ الدكتور يوسف عز الدين الامين العام للمجمع العلمي العراقي الاسبق الترجمة في الجزء الاول من كتابه ( شعراء العراق) واعاد الاستاذ نافع عبد الجبار علوان ذلك في كراسه الصغير ( الدكتور مصطفى جواد : حياته ـ آثاره ) الذي نشره سنة 1969 ببغداد . ومما قاله الدكتور مصطفى جواد في ترجمته لحياته ((ولدت في الربيع الاول من القرن الرابع عشر للهجرة (وهناك من يحدد سنة 1904 او 1906 سنة لمولده وفي اضبارته في المجمع العلمي العراقي ورد بان ولادته كانت 1908) ، بدار في محلة عقد القشل ببغداد في الجانب الشرقي منها بجوار الجامع المعروف حتى اليوم بجامع المصلوب وكان والدي جواد بن مصطفى بن ابراهيم خياطا بسوق الخياطين المجاور لخان مرجان المعروف عند الاتراك واهل بغداد بخان (اورته) ، وقد اتخذ متحف للاثار العربية اليوم)) .

 

وبعدها يتحدث الدكتور جواد عن اصابة والده بالعمى واضطراره للانتقال الى دلتاوه ، في محافظة ديالى (بعقوبة) وقد دخل كتاب تديره امرأة اسمها الملية صفية ثم انتقاله الى مدرسة دلتاوه الابتدائية ودخول الجيش البريطاني المحتل العراق (1914 ـ1918) ، ووفاة والده وعدم قدرته على الاستمرار على الدراسة وانصرافه الى رعاية البساتين التي خلفها له والده ولاخيه الاكبر كاظم الذي ادخله المدرسة الجعفرية الاهلية قرب سوق الغزل ويذكر من مدرسيها الاساتذة الشيخ شكر البغدادي ومحمد حسن كبة واحمد الخياط .. ويذكر الدكتور مصطفى جواد انه قاسى من الفقر وشظف العيش والعوز ما يطول ذكره ويؤلم بيانه ، وذلك لان اخيه كاظم قصر في تسديد اجرة المدرسة ضنا منه بالنفقة .. حتى حلت سنة 1920 وفيها ضاقت عليه سبل العيش في بغداد فانتقل الى دلتاوه وانتفع بحصصه في البساتين الموروثة وان كان الغالب على غلاتها التمر وكانت الثورة العراقية الكبرى قد شبت عدد من مناطق العراق ولاسيما الفرات الاوسط ولواء ديالى واستولى الثوار على بعقوبة ونواحيها ومنها دلتاوه التي ضربت بالطائرات البريطانية ثلاث مرات بالقنابر .. وبعد انتهاء الثورة عاد مصطفى جواد الى المدرسة واكمل الدراسة الابتدائية ودخل دار المعلمين وتخرج معلما .. وكان من مدرسي دار المعلمين الابتدائية ببغداد الاساتذة طه الراوي وسعيد فهيـم ( مصري) واميل حنومط( لبناني) ومديرها مصري اسمه (سيد محمد خليل) وكان رجلا ذكيا المعيا .

 

تخرج مصطفى جواد سنة 1924 وعين معلما في مدرسة الناصرية الابتدائية وكان مديرها الاستاذ عبد المجيد زيدان وفي تلك السنة اصدر الاستاذ هاشم السعدي مجلة المعلمين ببغداد فبدأ جواد ينشر فيها وقد انتقل الى مدرسة الكاظمية ثم الى مدرسة دلتاوه الابتدائية واختاره بعدها استاذه يوسف عز الدين الناصري للعمل في وزارة المعارف وكان سامي شوكت مديرا لمعارف العراق ، لكنه عاد للعمل في المدرسة المأمونية وقد اخذ يكتب المقالات في مجلة لغة العرب لصاحبها الاب انستاس الكرملي وفي مجلة العرفان اللبنانية وفي بعض صحف بغداد ومنها جريدتي العراق والعالم العربي .

 

رشح مصطفى جواد للبعثة العلمية سنة 1934 وسافر الى فرنسا ودخل جامعة السوربون وقبلها درس اللغة الفرنسية في القاهرة وقد ساعده في باريس المستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسينيون .. ويقول مصطفى جواد ان اطروحته للدكتوراه كانت في التاريخ وعنوانها : ((سياسة الدولة العباسية في اواخر عصورها )) .. وقد عاد الى العراق اثناء الحرب العالمية الثانية دون ان يناقش الاطروحة بسبب ظروف الحرب وهجوم الالمان على باريس .. وقد عين مدرسا في دار المعلمين العالية سنة 1939 ودعي سنة 1942 لتعليم ( الملك) فيصل الثاني اللغة العربية كما عين عميدا لمعهد الدراسات الاسلامية وبقي فيه حتى 1963 اذ عاد للعمل استاذا في كلية التربية بجامعة بغداد وبقي واستمر كذلك حتى قبل خمس سنوات من وفاته اذ اقعده المرض في داره .. انتخب عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي ثم عضوا مراسلا للمجمع العلمي العربي بدمشق وبعد ذلك عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة .  

توفي بعد اصابته بالجلطة القلبية او ما كانت تسمى في حينه (خذلان القلب) مساء الاربعاء 17 كانون الاول سنة 1969 وشيع رسميا وشعبيا ومما جاء في نعي وزارة الثقافة والاعلام ((ان العراق اليوم رزيء بوفاة العلامة والمربي الكبير الاستاذ الدكتور مصطفى جواد الذي عرفته الاوساط الفكرية والادبية والتربوية علما من الاعلام متفانيا ودؤوبا ومخلصا اضاء بعلمه وادبه اجيالا عديدة من ابناء العراق والوطن العربي . وقد كان رحمه الله غزير العطاء في مجالات اللغة والتاريخ والادب طيلة حياته التي قضاها استاذا في جامعة بغداد وعضوا في المجمع العلمي العراقي وفي مجامع لغوية وعلمية عربية وهيئات علمية ولغوية اجنبية )) .

 

قال عنه الاستاذ نافع عبد الجبار علوان : ((ان افضال الدكتور مصطفى جواد كبيرة على اللغة العربية وتاريخ العراق والبلدانيات العربية والعناصر الحضارية في تراثنا الخالد )) . اما الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف فقد كتب عنه مقالة في موسوعة اعلام العرب التي اصدرتها مؤسسة بيت الحكمة ببغداد سنة 2000، جاء فيها : ((ان الدكتور مصطفى جواد عالم باللغة والتاريخ وشؤون الادب ، وله شعر .. عرف بنشاطه العلمي الدائب ، وبصبره الملحوظ على البحث والتحقيق )) . وابنه الاستاذ الدكتور جاسم محمد الخلف رئيس جامعة بغداد عند وفاته (1969) قائلا : (( ان الله سبحانه وتعالى نفع الامة العربية بسيرة الفقيد الجليلة وبتراثه الخالد )) .

 

اما الاستاذ الدكتور طه حسين عميد الادب العربي ، وكانت عند وفاة الدكتور مصطفى جواد يشغل منصب رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة فقال : ((انعي فيه زميلا عزيزا مقتدرا واديبا فذا )) . اما الاستاذ الدكتور حسني سبح رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق فقال : ((ان وفاته تعد خسارة كبيرة لاتعوض )) .

 

وكتب عنه الاستاذ حميد المطبعي في موسوعته ، موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين قائلا انه كان عالما في فنون العربية ، ثبتا ، دقيق الملاحظة ، عميق الصبر ، قوي الاستدلال .

لقد مارس الدكتور مصطفى جواد منذ بواكير حياته العلمية ، النقد والنقد التاريخي بصورة خاصة ، ولا اعرف مؤرخا استخدم طريقة النـقد التاريخـي ( الداخلي والخارجي ) مثلما استخدمه الدكتور مصطفى جواد في دراساته وبحوثه .. وقد فصل في ذلك صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في مقالة رائعة عنه نشرها في جريدة الزمان (اللندنية) بعددها الصادر في 28 تشرين الثاني 2005 قائلا ان اطلاعه على المخطوطات والكتب التراثية وسعيه الى نسخ العشرات منها ساعده على ((اتساع خياله التراثي وارجاع الفرع الذي قرأه في الكتب الاولى الى الاصل ، وهذه المراجعة والمذاكرة مع الذات (مهدت) له الطريق لاكتشاف المزيد من حقائق اللغة التراثية ( وجعلت ) ذهنه ذهنا مقارنا حيوي التخريج)) . كما ان معايشته على ارض التاريخ والاثار اعطته خبرة جديدة في الكشف عن الغامض في تراثنا ، وهذا البحث عن الغامض هو الذي دفعه الى الاجتهاد .. للتوصل الى الحقيقة اولا والى اليقين التراثي ثانيا )) . وقد قضى شطرا طويلا من حياته في متابعة الافلام البوليسية وكان يردد انه يستفاد منها ويتعلم فن المطاردة ، فالمطاردة في هذه الافلام تشبه المطاردة في تحقيق الكتب التراثية ، من المؤلف ؟ ومتى حبر الكتاب ؟ واي نقص يختفي بين الاسطر والصفحات ؟

 

ليس من السهولة حصر نتاج الدكتور مصطفى جواد ، ولكن لابد من الاشارة الى ابرز نتاجاته .

 

يعد كتاب ( الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ) المنسوب الى ابن الفوطي اول كتاب صدر له سنة 1932 . اما آخر كتاب طبعه فكان بعنوان ( رسائل في النحو واللغة) سنة 1969 . وبين الكتابين اصدر عددا كبيرا من الكتب المؤلفة والكتب المحققة والكتب المترجمة . فضلا عن الدراسات والبحوث والمقالات ووقائع لندوات ثقافية اذاعية وتلفازية ، جمع بعضها ونشره في كتاب ( قل ولا تقل) المشهور .

 

ومن الكتب التاريخية التي قام بتأليفها :

 

1 . دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 وقد وضعه بالاشتراك مع الاستاذ محمود فهمي درويش والدكتور احمد سوسة ( مطبعة التمدن ، بغداد ، 1961)

2 . دليل خارطة بغداد المفصل ووضعه بالاشتراك مع الدكتور احمد سوسة ،  ( مطبعة المجمع العراقي ، بغداد ، 1958)

3 . شخصيات القدر ( الشخصيات العربية) وضعه بالاشتراك مع اساتذة آخرين  وطبع ببيروت سنة 1963.

4 . عصر الامام الغزالي ( القاهرة ، 1961)  

5 . ابو جعفر النقيب( بغداد ، 1950)

6 . سيدات البلاط العباسي ( بيروت ، 1950)

7 . دار الخلافة العباسية : تعيين موضعها واشهر مبانيها ( بغداد ، 1965)

ومن الكتب التاريخية التي حققها

1 . ( الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير ) لابن الساعي  البغدادي ،

الجزء التاسع ، المطبعة السريانية الكاثوليكية ، ( بغداد ، 1934)

 2 . المختصر المحتاج اليه من تاريخ بغداد لابن الدبيثي، الجزء الاول ، مطبعة  المعارف / بغداد 1951 والجزء الثاني ، ، مطبعة الزمان بغداد ، 1962

3 . مختصر التاريخ لابن الكازروني ، مطبعة / الجمهورية ، بغداد 1969  

4 . الفتوة لابن المعمار البغدادي الحنبلي ، مطبعة شفيق ، ( بغداد 1960)

كما ترجم عددا من الكتب التاريخية منها :  

1 . بغداد مدينة السلام تأليف ريجارد كوك ، ترجمه بالاشتراك مع الاستاذ فؤاد  جميل ، الجزء الاول ،962 ، والجزء الثاني 1967

2 . رحلة ابي طالب خان الى العراق واروبا سنة 1213هـ/1799، ( بغداد، 1969)

3 . بغداد في رحلة تمور ، ( بغداد ، 1964)  

وللدكتور مصطفى جواد مئات المقالات والدراسات التي تدور حول موضوعات عديدة منها موضوعات حول ( العملة والمعاملة والقراصنة) و(سلوقية) و( انستاس ماري الكرملي واخلاقه، وازياء العرب الشعبية ، والناصر لدين الله العباسي ، واول مدرسة في العراق : مدرسة الامام ابي حنيفة ، وثورة الحرية الخالدة 1958 ، واقول في المغول ، وتعليق على تاريخ حلب ، و ( الفرقان) و( جامع سراج الدين وترجمة الشيخ) ، و(حكايــــة ابي القاسـم البغدادي) ،(والدور الحضاري لمدارس بغداد ) و ( الربط البغدادية واثرها في الثقافة الاسلامية ) و( هاشمية الانبار وهاشمية الكوفة ) ، و( مدارس بغداد الجديدة ) و( المدرسة الكمالية ) و( المدرسة المستنصرية) و(المدرسة النظامية ) و (مدرسو مدرسة ابي حنيفة بين سنتي 459و771هـ) و( قبر ابن جنبل) و ( قبر عثمان بن سعيد العمري) و( القصر العباسي في القلعة) و( الكرخ) و(كلام في مسجد قمرية) و( محلة المأمونية وباب الازج والمختارة) و( دستور العرب القومي) و( مسجد المنطقة وبراثا) و( مشهد الكاظمين) و( المعاهد الخيرية النسوية القديمة في العراق) و ( اشهر عالمة عراقية قديمة ـ (فخر النساء شهدة ) و ( جاوان القبيلة الكردية المنسية) و ( عبد الرحمن الناصر) ..

هذا فضلا عن كتبه ودراساته اللغوية والادبية ، كما ان له شعر كذلك واغلبه في الجوانب الوطنية ..رحم الله الدكتور مصطفى جواد فقد كان بحق موسوعة تسير على قدميها ، وجزاه الله خيرا على ما قدم لوطنه وامته .

 

من موقع مجلة (علوم أنسانية)