الأب أنستاس ماري الكرملي.. راهب في صومعة اللغة

 

حارث طه الراوي

 

anestat alkrmli.jpg

 

بالرغم من الجمود الفكري الذي كان مخيما على الوطن العربي في بداية النصف الاول من القرن التاسع عشر، عندما كان وطننا الكبير ولاية عثمانية مجزأة الى ولايات.. وبالرغم مما جرته سياسة التجهيل انذاك من مصائب وويلات ومنها محق اللغة العربية فان الفكر العربي الجبار شق بانواره الساطعة المتألقة دياجير الامية والجمود، فبرهن على حيوية امتنا العربية المجيدة واصالتها واصالة تراثها الخالد.. وكان حماة اللغة العربية الفصحى، التي تعد بحق رمز وحدة الامة العرية هم الرواد الابطال الذين تقدموا الصفوف وحملوا المشاعل واناروا لجيلهم وللاجيال العربية اللاحقة، الدرب المظلم فقد ادركوا ان الامة اذا فقدت لغتها فقد فقدت اهم سبب من اسباب وحدتها وتماسكها واصبحت قاب قوسين او ادنى من الموت.

 

وكان في مقدمة الرعيل الاول من حملة المشاعل في القرن المنصرم الشيخ ناصيف اليازجي (1800- 1871) صاحب (فصل الخطاب) في قواعد اللغة العربية ونار القرى في شرح جوف الفران في النحو، و(مجمع البحرين) وغيرها وهو العلامة الشاعر المشهور، والمعلم (بطرس البستاني) (1819- 1883) صاحب قاموس (محيط المحيط) وصاحب قاموس (قطر المحيط) و(عبدالله البستاني) (1854- 1930) وكان لغويا من الطبقة الاولى واحمد فارس الشدياق (1804- 1887) صاحب (الجاسوس على القاموس) الذي ... معجم (القاموس المحيط) للفيروز ايادي وسر الليال في القلب والابدال، والساق على الساق فيما هو الفارياق الى غير ذلك من المؤلفات اللغوية والادبية القيمة والشيخ (ابراهيم الاحدب) (51242- 51308) صاحب فرائد اللآل في مجمع الامثال الذي نظم فيه الامثال التي جمعها الميداني في نحو ستة الاف بيت وكان هؤلاء اركان النهضة اللغوية في لبنان وشاء الله تعالى ان يشارك العراق في هذه النهضة اللغوية الجبارة التي بدأها لبنان فمن عليه بانستاس ماري الكرملي في الخامس من آب 1866 وكانت ولادته في بغداد من اب لبناني الاصل منحدر  من اسرة عربية الارومة ترجع الى قبيلة بني مراد.

كان اسم انستاس قبل ترهبه (بطرس ميخائيل الماريني) وبعد ان اصبح قسيسا سمي باسم انستاس ماري الكرملي.

وحياة علامتنا اللغوي العظيم ومؤرخنا الموسوعي الفريد الاب انستاس الكرملي سعي متصل الحلقات من اجل التوسع في العلم والتمادي في التتبع والاستقصاء حتى اصبح لايجارى في الميدان اللغوي الذي كان يجول فيه ويصول.

تلقى الكرملي الصبي دروسه الابتدائية في مدرسة الاباء الكرمليين ببغداد واتم دراسته الثانوية في مدرسة (الاتفاق الكاثوليكي) ببغداد ايضا وتخرج فيها سنة 1882 وعين مدرسا للغة العربية في فجر شبابه في مدرسة الاباء الكرمليين وفي سنة 1886 غادر بغداد الى كلية الاباء اليسوعيين في بيروت حيث قام بتدريس اللغة العربية واتيح له ان يتعلم اللاتينية واليونانية ويكمل دراسة اداب اللغة الفرنسية.

ولم يقف طموح الكرملي عند حد، ولم يقنع بما لديه من معلومات فاتجه سنة 1887الى بلجيكا حيث انتمى الى الرهبانية الكرملية في دير (شفرمون) قرب مدينة (لييج) وفي سنة 1889 غادر بلجيكا الى فرنسا حيث امضى ست سنوات في دراسة الفلسفة واللاهوت في دير من اديرة الاباء الكرمليين في مونبلييه ولم يكن في هذه الفترة من حياته كثير النشر في الصحف والمجلات ففي سنة 1886 لم ينشر في مجلة (الصفاء) اللبنانية الا مقالات لم تتجاوز السبع وهي موقعة باسمه القديم (بطرس ميخائيل الماريني) وفي سنة 1889 لم ينشر سوى مقالين في مجلة (الكنيسة الكاثوليكية) في بيروت اولها جواب سؤال عن عادة في دمشق والثاني جواب سؤال عن بغداد وقد وقعهما بـ(الاخ انستاس ماري المنتمي الى القديس ايليا الكرملي الحافي) وكان الكرملي كثير التخفي وراء الاسماء المستعارة وقد احسن الاخ الاستاذ كوركيس عواد عندما جمع لنا تواقيع الاب انستاس المستعارة ورتبها حسب الحروف الهجائية ووضع ازاءها اسم المجلة او الجريدة.

ولو رجعنا الى مقالات الكرملي الاولى التي نشرها في عنفوان شبابه لوجدناها مختلفة الاغراض والمواضيع شانها شان مقالاته وابحاثه التي نشرها خلال كهولته وشيخوخته اذ لايهمه ان يكون الموضوع بسيطا او تافها، وانما يهمه الاتقان والاحاطة الى اقصى حدود الاتقان والاحاطة فما يكاد يكتب عن (الطغموس) وهو الغوريلا- وعن الاسماك وفرس البحر حتى يكتب عن عادة من العادات في دمشق او يجيب سؤالا تاريخيا عن مدينة بغداد، او يكتب عن البيطرة عند الاعراب او يكتب عن طائفة (اليزيدية) الى غير ذلك من المقالات والمباحث الطويلة الملوثة فهو اشبه بالبحر الذي يضم في مياهه العميقة اللآلئ والاصداف، والاسماك الصغيرة والحيتان المنحمة.

ولكن الكرملي- رغم اتساع افاق ثقافته وتعدد اتجاهات معالجاته وتنوع مواضيعه يبقى في جوهره ذلك اللغوي الخبير المتعمق الغيور رائد الغيرة على لغتنا الفصحى الجميلة.

لقد استهوته العربية منذ فجر شبابه وبدأ بتأليف معجمه اللغوي الشهير (المساعد) الذي اشتغل فيه اكثر من خمسين سنة وتوفي قبل ان يتمه وينسقه كما يريد.

وقد اتيح لي ان استمع الى حوار مع الاب انستاس الكرملي حول معجمه المساعد من اذاعة القدس خلال صيف سنة 1946 وكان رحمه الله يستشفي يومئذ في فلسطين- فدار بينه وبين المذيع الحوار التالي الذي علق بذهني لطرافته.

المذيع: كم مضى على ابتدائك في تأليف قاموس المساعد؟

الكرملي: اكثر من خمسين سنة.

المذيع: اكثر من خمسين سنة وما انهيته بعد؟.

الكرملي: او تنتهي العربية؟! انا انتهيت..

ولندع الكرملي يحدثنا عن معجمه الفريد وعمله الجبار فيه وطريقته الجديدة في ترتيب الكلمات وشرحها وغايته القومية النبيلة التي تتحدى اعداء لغتنا وعروبتنا .. فمما قاله تحت عنوان (معجمنا او ذيل لسان العرب).

منذ اخذنا نفهم العربية حق الفهم. وجدنا فيما كنا نطالع فيه من كتب الاقدمين والمولدين والعصريين الفاظا جمة ومناحي متعددة لا اثر لها في دواوين اللغة، بخلاف ما كنا نتعلمه من اللغات الغربية.

فاننا كنا كلما جهلنا معنى كلمة ونقرأ عنها في معاجمهم وجدناها مع معانيها المتفرعة منها، ولهذا رأينا في مصنفات السلف اللغوية نقصا بيّنا، فاخذنا منذ ذلك الحين بسد تلك الثغرة مدونين مالا نجده في كتب لساننا فاشترينا في سنة 1883 محيط المحيط للبستاني ووضعنا ورقة بيضاء بعد كل ورقة مطبوعة فتضاعف حجم الكتاب حالا، واخذنا نقيد فيه كل ما نعثر عليه ثم لاحظنا ان الذي يفوتنا اكثر مما نحرص على التمسك به، وكنا نعلل النفس بان يتم هذا المجموع عن قريب فنطبعه وسميناه منذ ذلك الحين ، (ذيل اللسان) لاننا وجدنا ابن مكرم او في كتب اللغة التي بايدينا ومن الغريب ان صاحب تاج العروس الذي نقل شيئا كثيرا من لسان العرب فانه قدر عظيم مما جاء في (اللسان) مع ان السيد مرتضى استدرك الفاظا كثيرة جمعها من طائفة من المؤلفين وهي ليست في اللسان وذهل عما في هذا السفر الجليل.

ثم اننا رأينا من الحسن ان نجمع ماتيسر لنا من الفاظ الفصحاء الاقدمين وكلم المولدين ومفردات العوام وننبه على كل حرف من هذه الحروف لكي لايختلط الشيء بالشيء فيبقى الدر درا والبعر بعرا على حد مافعل صاحب القاموس والتاج وغيرهما من الذين ذكروا المولد بجانب الفصيح كلما سنحت لهم الفرصة، اذ كانت الغاية الاولى من جميع تلك الكتب اللغوية تفهم القرآن والحديث لاغير، اما اليوم فان حاجتنا اتسعت بتبحر العمران والحضارة واحتكاكنا بالاجانب، ومحاولة هؤلاء قتل لغتنا فقتل قوميتنا فقتل كل مايتعلق بهذه الربوع الشرقية العزيزة، مهبط الوحي ومصدر العرفان ومنبع التمدن الصادق الى ان يقول (وفي كل ما فعلناه جارينا لغويي الغربيين الذين لايتركون لفظة من لغتهم الا ينبهون على اصلها وفرعها ومآخذها ومصدرها اما معاجمنا اللغوية الحديثة التي القت منذ قرن او اقل منه فانها تشهد بالجمود او بالموت اللغوي اذ كلها تجري على الطريقة القدمى، ولا نرى فيه شيئا من اثار البحث الجديد الذي امتاز به اهل المائة الماضية او اهل هذا القرن من ابناء الغرب.ومن المؤسف ان هذا المعجم النفيس الذي راى النور في جزئين مازالت بقية اجزائه المهمة النافعة خطية مبعثرة في اوراق مشتتة في جزازات تنتظر همة وجلد المحققين والمدققين وامكانيات الناشرين المادية شأنه شأن بقية مؤلفات علامتنا الكرملي الخطية التي ذكرها الاخ الاستاذ كوركيس عواد في ص 232- 240 من كتابه القيم، الاب انستاس ماري الكرملي حياته ومؤلفاته وهي مؤلفات تاريخية ولغوية وفولكلورية مهمة جدا تقع فيما يقارب الاربعين مخطوطا ان دل اهمالها طوال هذه المدة الطويلة على شيء فانما يدل على جحودنا (العملي) لجهود علمائنا الاعلام رغم اهتمامنا (النظري) بهم وباثارهم.

وعلى ذكر مخطوطات الكرملي يجمل بي ان اذكر ان صاحب دار العودة في بيروت عندما كلفني بتاريخ 19/ 7/ 1974 بتأليف سلسلة كتب عن بعض اعلام الشعر والادب واللغة في العراق كان بينهم العلامة الكرملي فاتيح لي عندما الفت كتابي عنه ان اطلع على مخطوطة من مخطوطاته التي تركها بخطه في كنيسة الاباء الكرمليين، وذلك بواسطة الصديق الاستاذ حكمة رحماني وهي بعنوان فوائد الشرائد او الشوارد وتحمل رقم 15 ولاتعدو هذه المخطوطة ان تكون كشكولا معبأ باللمحات النقدية والطرائف الفولكلورية والفوائد اللغوية والفرائد التاريخية.

وتتجلى الفوائد اللغوية واللمحات النقدية في بعض الرسائل التي وجهها الاب الكرملي الى بعض اعلام الادب واللغة ومنهم العلامة الاديب الشاعر الشيخ مصطفى الغلاييني رحمه الله فقد اهدى الغلاييني نسخة من ديوانه الى الكرملي عندما كان الكرملي مقيما في (دير المحرقة) بفلسطين سنة 1925 فارسل الكرملي اليه رسالة استهلها بسطرو تدل على المحبة والتقدير ولكن في اطار المجاملة الفضفاضة ذات العبارات العامة المفتقرة الى دقة التقييم وادلته وشواهده كقوله للغلاييني، اشكرك على ما طوقتني به من الفضل باهدائك الي الدرة البديعة من ديوان الغلاييني فلقد حوى من بديع العبارات ودقيق الاشارات مايبقى لك الاثر الخالد ولقد ولجت جميع الابواب العصرية وابدعت في ما انشدت والمقدمة التي زينت بها الديوان تبقى له زينة ترقص لها غواني المعاني وقد جمعت الى حسن الشعر جمال الطبع والورق وتنسيق الابواب الى غيره من الفرائد.

فهذا كلام عام ينطبق على كل ديوان جيد، وليس له من خصوصية تؤهله للارتقاء الى مستوى النقد الصحيح المبني على التحليل والتعليل، ولاعجب في ذلك لان العلامة الكرملي لايملك من ادوات الناقد الادبي الا هذه العبارات العتيقة التي اكل الدهر عليها وشرب ولايضيره ذلك مادام ناقدا لغويا من الطراز الاول فها هو يفتح عينيه على عبارات الغلاييني في شعره والغلاييني لايقل عن الرافعي والمنفلوطي الماما باللغة وتمكنا من الفصاحة فينبهه الى مآخذ منها كتابة العدد المركب بكلمتين منفصلتين كقول الغلايين خمس مئة بيت فيؤاخذه الكرملي قائلا: (والنحاة لم يجيزوا هذه الكتابة وانما قالوا خمسمائة لئلا تختلط بقولهم خمس مئة اي عشرون واجازوا اربع مائة وست مائة وثماني مائة لانتفاء اللبس)

ويؤاخذه على تسكين كلمة الشام بالالف الهاوية لانه يظن ان الفصحاء من العرب فضلت عليها الشأم بالهمز الساكن.وهنا يتعسف العلامة الكرملي لان استعمال (الشأم) بالهمز الساكن اصبح عملة اثرية غير متداولة فضلا عن ان الشام اجمل واسلس من الشأم.

ويؤاخذه على اضافة (شتى) حيث يقول: وقد صرح النحاة ان شتى لاتضاف وان وردت في بعض الاشعار القديمة الضعيفة، راجعوا كتب القدماء في هذا البحث.

ويؤاخذه على كتابة (العدى) بمعنى الاعداء بالالف الممدوة (العدا) قائلا له: واظن ذلك من خطأ الطبع لان (العدا) شيء و(العدى) شيء اخر.

ويؤاخذه على كثرة كتابة الاعلام المنتهية بالهاء بالالف مثل (طبريا) والعرب لم تجزها.

ومن الالتفاتات الفولكلورية الذكية للاب الكرملي في هذه المخطوطة النافعة تدوينه للزغاريد الفلسطينية في الكرمل ويجد القارئ الكريم بعضا من هذه الزغاريد الطريفة بخط العلامة الكرملي كما وردت في ص 179 من المخطوطة المذكورة التي لايتسع هذا الموجز لعرض مافيها من فوائد وطرائف.

اما مجلته الفريدة (لغة العرب) التي اصدرها سنة 1911 فما تزال مرجعا مهما في قضايا اللغة والتاريخ والفولكلور. واذكر ان الصديق الوفي الكاتب الشاعر الكبير المرحوم امين نخلة عندما زار بغداد سنة 1956 بذل جهودا مضنية للحصول على مجموعة كاملة من هذه المجلة الفريدة ولما حصل عليها كان كالحاصل على كنز.

ومن شاء ان يطلع على دراسة جيدة عن تاريخ هذه المجلة ومضامينها فليرجع الى فصل، مجلة لغة العرب المنشور في كتاب في ذكرى الاب الكرملي الراهب العلامة للاستاذ سالم الالوسي ص 34- 42..

ولعل خير مانختتم به تحيتنا الموجزة لاستاذنا الجليل الاب الكرملي في ذكراه التاسعة والثلاثين رسالته التي ارسلها من القدس الى صديقه المرحوم طه الراوي يوم كان الراوي رئيسا للجنة الترجمة والتأليف والنشر وهي كما اظن- اخر رسالة كتبها الكرملي:

*القدس. ص .ب 1002 في 20/9/ 1946.

شرفني كتابكم الكريم هذا اليوم فاقول اطلعت الرئيس على رسالتكم فاجاز لي العودة الى بغداد وذلك يكون في اول طيارة تتجه من هنا الى بغداد في النصف الاول من الشهر القادم تشرين الاول ولانجد غير الطيارة المذكورة وهي تقوم من اللد الواقعة قريبا من القدس.

وقد تحسنت صحتي نوعا ما لان ضعف الشيخوخة لايداوى ولا امل في شفائه، وهواء القدس احسن من كل هواء وجدته في فلسطين وسورية الى اليوم.

اتمنى لكم الصحة الدائمة والنجاح في جميع شؤونكم والله الموفق للسداد.

الاب انستاس ماري

من اعضاء لجنة الترجمة والتأليف والنشر

جريدة الجمهورية 9 كانون الثاني 1986