خانقين بين ماضيها وحاضرها

 

غسان العزاوي

مدينة عريقة تعددت الوانها واشكالها مزجت الماضي بالحاضر  واحتضنت ابنائها بمختلف اعراقهم وانتمائاتهم  لتجمعهم في حضن واحد

وتكون منهم قوس قزح ثلاثي الالوان واستطاعت هذه المدينة ان تحتضن نخيل ديالى وجبال كردستان في ان واحد لتوحد القلوب بعد ان شتتها الظروف  وجعلت من ابناء الوطن ابناء بيت واحد .عرفت من قبل بمدينة المعلمين لما ولدت من ابناء مثقفين وامتدحها اكثر من شاعر كردي وتغني بها العرب والاكراد . عندما تسير في ازقتها الضيقة وتشاهد بناياتها التاريخية العريقة تدرك جيدا ان داخل كل بيت حكاية وبين كل نقش واخر الف قصة وقصة .فهي التي عاش بها المسلمون والمسيحيون واليهود عبر عقود وقرون  .

وعلى الرغم من النهضة العمرانية التي تعيشها هذه المدينة والتي باتت تشق طريقها نحو التطور بشكل ملفت للنظر  الا انها مازلت تحتفظ بموروثها من الابنية التاريخية التي شيدت على ايدي ابنائها القدماء  ومازالت الاحياء السكنية الشعبية

على مظرها الذي كانت عليه في عشرينات القرن الماضي  مقاهيها الشعبية التي يعد روادها من الشيوخ  مازالت كماهي وجسر الوند الذي يعد معلمها الاول بقي على اهميته مع وجود جسر حديدي حديث بجواره لكن السكان ما زالوا يقصدونه للعبور  (فالقديم مرغوب) ليبقى ذلك الجسر على قيد الحياة رغم تعرض المدينة لضربات موجعة بداية من الحرب العراقية الايرانية وانتهاءا بالترحيل الذي نفذه النظام السابق لابناء المدينة الذين اتسموا بثقافتهم ورقيهم وهي كانت ومازالت اما ولودا باساتذة وعباقرة يستحقون كل اجلال واحترام امثال الاستاذ محمود الزهاوي و المشرف التربوي المرحوم الاستاذ عزت نوري  والاستاذ عزيز بشتيوان والاستاذ ابرهيم حيدر وكذلك فنانون كالفنانة التشكيلية ابتهال توفيق والمطرب الشاب ماهر احمد  وكثيرين غيرهم . ومن الجدير بالذكر ان اغلب ابناء وبنات المدينة هم من الخريجين ومن حملة شهادات عليا الا ان هذا لم يمنعهم من ان يحافظوا على ارثهم التاريخي وعاداتهم وتقاليدهم الدينية والقومية .  وللاطلاع على واقع حال هذه المدينة والوقوف على ماضيها وحاضرها أجرينا تحقيقا مبسطا عله يفي بالغرض إزاء هذه المدينة وأهميتها السياسية والاقتصادية والسياحية لاسيما وان اغلب اعضاء مجلس محافظة ديالى وسياسيون في برلمان اقليم كردستان بمافيهم وزراء في الاقليم يقطنون في هذه المدينة .

المدينة

تقع المدينة اقصى شمال شرق محافظة ديالى بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية وتبلغ مساحتها الكلية حوالي  3915كم مربع فيما تشغل المدينة مايقارب 1288 كم مربع ومن توابعها معبر المنذرية الذي يعد بوابة العراق الشرقية والطريق الدولي الرئيس الذي يقصده مواطنوا آسيا لقصد الدول العربية لا سيما أولئك الذين يرمون زيارة المراقد المقدسة في العراق وسوريا  بالاضافة الى اهميته الاقتصادية كونه الطريق التجاري الذي يربط العراق بايران  . تتميز المدينة عن غيرها  بجوها اللطيف ومناخها المعتدل كونها تقع في منطقة متموجة بين وسط العراق وشماله  ولمدينة توابع من نواحي وقرى مثل نواحي جلولاء والسعدية وقرة تبة وقرى كثير تحيط بالمدينة من كل جاني توزعت حسب  اقدميتها في تلك القرى .

وفي وسط المدينة نهر الوند الذي يعد اهم مصادر المياه في المدينة والذي يساهم بشكل كبير بتطوير الزراعة في قرى المدينة الا ان هذا النهر يقطع بين الحين والاخر كونه ينبع من الأراضي الإيرانية وهذا ما اثر سلبا على الزراعة في المدينة والتي كانت من المنتجات للفستق والخضراوات قبل احداث 2003  ومن الجدير بالذكر ان هذا النهر ناتج عن تقاطع العيون والنابعة من المرتفعات المحاذية للحدود الايرانية  .

وللمدينة أهمية اكبر حيث انها تحتوي على مصفى كبير لا يقل شانا عن مصافي العراق الاخرى بل ان مصفى الوند يعد ثاني اكبر مصافي المنطقة الشمالية عقب مصفى كركوك . وشهدت خانقين تطورا ملحوظا في بناياتها واسواقها ومحلاتها التجارية بل انها باتت المدينة الاكثر اهمية لما فيها من مقومات الحياة العصرية الحديثة . وتنقسم احياء المدينة السكنية الى قسمين تاريخية قديمة كحي المزرعة وباشا كوبري والميدان و الاركوازي  وكهريز اما الاحياء الحديثة التي تفاعلت مع التطور العمراني المعاصر كحي رمضان والعمال اللذان يقطنهما اعضاء مجلس المحافظة ووزراء في كردستان وتولافروش  وغيرها. ومن معالم المدينة تماثيل حجرية كتمثال الناشطة الكردية ليلى قاسم  والمناضل الكردي علي رش  ودوار الغزلان .اما الاثار التاريخية  فهي كثيرة فالبيوت التاريخية ظاهرة للعيان بشكل كبير وهناك فندق تاريخي يقع وسط سوق المدينة بني في عشرينات القرن الماضي  تظهر فيه فنون العمارة وتحمل جدرانه  نقوش غريبة وجميلة  ومازال يستقبل مسافريه حتى اليوم .

اهل المدينة

يبلغ عدد سكان مدينة خانقين مايقارب 170 الف نسمة عدا النواحي والقرى التابعة لها وهي تتمتع بكثافة سكانية جيدة لما فيها من استقرار امني كبير وتطور اقتصادي لا سيما فرص العمل المتوفرة اضافة الى ان ابناء المدينة هم من الموظفين الذين يتقاضون مرتبات جيدة. ويعزى النمو السكاني الحاصل بعد سقوط النظام الى عودة اهالي المدينة الاصليين والذين تم ترحيلهم الى محافظات اخرى كالانبار والمثنى وذي قار ومدن عراقية اخرى بهدف تشتيتهم وتلك سياسة كانت قائمة في السنين المنصرمة اضافة الى  توافد عوائل عراقية اخرى الى المدينة بعد ان تعرضت لتهديدات واغتيالات لاسباب عرقية او طائفية او قصدها البعض لما فيها من العوامل الملائمة كمدينة عصرية . يتحدث اغلب اهالي خانقين اللغة الكردية والتي تنقسم بدورها الى لهجتين رئيسيتين وهي الكلهورية والسورانية ويدين اغلبهم بالديانة الاسلامية فيما كان يعيش الى جانبهم  مواطنون من المسيح واليهود الى ان اغلبهم هجر المدينة في السنين الماضية لاسباب عدة . يتعايش اهالي خانقين حاليا بود ووئام على الرغم من انتمائاتهم القومية الكردية والتركمانية في المدينة والعبية والكردية في القرى المحيطة بالمدينة والتي تفوق اعدادها العشرات .

الديانات في خانقين

في المدينة اكثر من قومية ولغة ودين وهذا ماهو موجود عبر السنين في المدينة مساجد كثيرة فلاتكاد منطقة ان تخلوا من مسجد شيد في الماضي او الحاضر يوازيها عدد من الحسينيات الكبيرة و التي استهدف عدد منها قبل حوالي اربع سنوات الا ان المختصون في الشؤون الدينية اهتموا بتلك الحسينيات واعادوها الى افضل مما كانت عليه سلفا  هذا ما هو موجود  حتى اليوم في خانقين .اما بالنسبة الى الديانات الاخرى فكانت موجودة كالمسيحية واليهودية الا ان حرب 1948 اجبرت يهود المدينة كبقية يهود العراق بالرحيل من المدينة وترك ما يملكون وقصد اسرائيل كدولة  مستحدثة .ومما ترك عقب هجرة يهود خانقين هو معبد التوراة الذي يقع في حاجى محل والذي لم يبقى منه سوى اكوام طينية شتتها ظروف المناخ القاسية . اما مسحييوا خانقين فلم يبقى منهم الا عدد ضئيل جدا بعد ان رحل اغلبهم الى شمال العراق لا سباب عدة منها سياسية واقتصادية  ولهم كنيسة  في منطقة  باشا كوبري  قائمة حتى الآن الا انها تشكوا اهمالا كبيرا  مقارنة واهميتها كمعلم تاريخي يحافظ على أمجاد المدينة  .

خانقين والسياحة

لا تقل خانقين عن غيرها سياحيا فمناخها المعتدل وجمال طبيعتها جعلها من المدن الاولى  في ميدان السياحة  وكما اسلفنا ذكرا انها تقع ضمن المنطقة المتموجة أي منخها معتدل اغلب فصول السنة مما جعل الكثير من اهالي المحافظة والمحافظات الاخرى ممن عرفوا عن جمالها  نسائمها العذبة ان يقصوها بهدف التمتع بمناظرها الخلابة وطبيعتها الساحرة

ومن جهة اخرى فان قربها من ايران واحتوائها على معبر دولي اجبر الكثير من المسافرين والذين يقصون مدن عراقية اخرى ان يحلوا بهذه المدينة للمكوث فيها ليرتاحوا ويقصدوا مقاصدهم  بعد ذلك وهذا ما يعد سببا رئيسيا لجعلها في مقدمة المناطق السياحية . وقد انشات مدن العاب ومنتزهات وباعداد مبهرة  ووفق احصاءات محلية اكدت بان اكثر من خمسين الف مواطن زاروا المدينة قاصدين مرافقها السياحية وخصوصا في اعياد نوروز  ومن مناطقها السياحية منتزه كلات وكورنيش الوند الذي انشا على ضفة النهر ومدينة الالعاب .  اضافة الى مناطق جماليتها طبيعية كسفوح تلال المدينة والمساحات السهلية الخضراء . وللسياحة الدينية فيها اهمية كبيرة حيث ان هناك مناطق فيها مراقد دينية كالامام الشيخ محمود والامام موسى من نسب ال البيت  والامام الخضر (خضر زندة)وائمة اخرون توزعت مراقدهم  حول المدينة . ولسيت السياحة جديدة على هذه المدينة بل ان لها فندقا سياحيا انشا في سبيعينيات القرن الماضي على طريق مصفى خانقين وهو فندق ضخم كان من الفنادق المتطورة انذاك . وهناك مناطق سياحية قيد الانشاء والتطوير كمنتجع سرتك وحاجيلر وكوما بحري تازة وهي مناطق مسماة بمصطلحات اللغة الكردية . على الرغم مما واجته هذه المدينة العريقة من انتكاسات ومحاولات لاجتثاثها ووؤدها وهي حية وتعرضها لضربات موجعة في الحرب الايرانية  الا انها مازالت شامخة ومعطاء بما تنجبه من ابناء . فمحاولة اجتثاثها سياسيا او قوميا لم كن بالامر الصواب لانها زهرة ديالى  وواجهتها التاريخية فهاهي اليوم  تنهض من جديد كاسرة ماضيها الاحمر الذي خسرت فيه الكثير الا انها لم تخسر وجودها بين مدن ديالى .وحين تسمى بانها متنازع عليها لاتبالي لما تسمع لانها اكبر من ذلك بكثير .فهي ذلك العاق المصغر الذي احتضن ابنائها من كل عرق ولغة لم تميز بين احد منهم  بل انها باتت اكثر شموخا وتحديا مما كانت عليه سلفا حيث انها اليوم  مدينة لسياسيين وفنانين ومبدعين ودار لكل العراقيين .